Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما مصير الحوار الوطني التشادي؟

غياب أكبر حركات المعارضة وفقدان الثقة في المجلس العسكري يؤخران تحقيق نتائج ودور فرنسي منتظر

أبرز بنود الحوار الوطني في تشاد الإصلاح الجذري للجيش (أ ف ب)

يعقد في تشاد حالياً مؤتمر للحوار الوطني، ويمتد لثلاثة أسابيع، وهو حوار مؤسس على اتفاق أبرم في الدوحة أخيراً، ويدعم هذا الحوار الاتحاد الأفريقي سعياً وراء تأسيس استقرار سياسي تشادي.

هذا الحوار الذي انطلق في الـ18 من أغسطس (أب) لم تحضره كبرى حركات المعارضة، كما انسحب منه ما يقارب 12 حزباً وحركة مسلحة بعد أسبوع من انعقاده. فما هي أسباب الحوار التشادي؟ ولماذا تدعمه قوى إقليمية ودولية؟ وما مصيره في ظل غياب حركة معارضة أساسية، وانسحاب أخريات؟

البداية

فقدت تشاد رئيساً مخضرماً هو إدريس ديبي نتيجة الصراع المسلح بينه وبين المعارضة في بلاده أبريل (نيسان) 2021، ولم يكن ديبي ليستمر رئيساً لتشاد لثلاثة عقود دون دعم مباشر من فرنسا، التي ما زالت تدعم ابنه محمد إدريس ديبي على الرغم من توليه السلطة بشكل غير دستوري بعد مقتل والده شمال البلاد في أحد معاركه مع المعارضة.

في البداية، لا بد من الإشارة إلى أن تشاد لم تشهد منذ استقلالها في ستينيات القرن الـ20 تداولاً سلمياً للسلطة، وأن عملية التغيير السياسي فيها جميعها غير دستورية وتتم عبر انقلابات عسكرية، وهو الأمر الذي أقدم عليه إدريس ديبي في ديسمبر (كانون الأول) 1990، كما أقدم عليه ولده محمد إدريس ديبي بعد مقتل والده.

ومع اتجاه الاتحاد الأفريقي إلى فرض عقوبات على تشاد تعهد محمد إدريس ديبي أن فترة الحكم غير الدستوري تمتد لعام ونصف العام فقط، لكنه أخيراً لمح إلى أمرين، الأول تمديد الفترة لانتقالية، والثاني احتمال ترشحه رئيساً.

في هذا السياق، تم عقد مؤتمر لتهيئة المناخ للحوار الوطني في الدوحة، كان من المفترض عقده في فبراير (شباط) الماضي، لكنه تعثر ليعقد في يوليو (تموز)، إذ دعيت إلى هذا الحوار 52 حركة، أهمها على الإطلاق حركة "فاكت" (الوفاق من أجل التغيير)، فضلاً عن 200 حزب سياسي وتجمع مدني من الداخل والشتات، بعدد يصل إلى 300 شخص، كما تم تعيين الرئيس التشادي الأسبق جوكوني وداي على رأس اللجنة المعنية بالاتصال بالحركات العسكرية التي رحبت بالمشاركة.

مخرجات مؤتمر الدوحة لم ترتفع لمستوى الآمال المعلقة عليه، إذ لم تشارك حركة "فاكت" الرئيسة في التوقيع على الاتفاق، لكن بنوده كانت إلى حد بعيد ممهدة لأجواء مؤتمر نجامينا المنعقد حالياً، حيث تبلورت نقاط الاتفاق في وقف الأعمال العدائية بصورة تامة ونهائية، وذلك بالتزام الأطراف الموقعة بعدم استهداف بعضها في الداخل أو الخارج.

وفيما يخص الترتيبات الأمنية، تم الاتفاق على أن تكون على مرحلتين، وتتعهد فيها الحركات المسلحة بنزع سلاحها مقابل عمليات مرتبة من الدمج أو التسريح للعناصر المقاتلة، وأن يتعهد المجلس العسكري التشادي ضمان أمن هذه العناصر وضمان حرية تنقلاتهم، وكذلك حرية تكوين الأحزاب السياسية.

 

وطبقاً لاتفاق الدوحة، فإن بنود مؤتمر نجامينا للحوار الوطني تضمن 20 بنداً، أبرزها الإصلاح الجذري للجيش، ومراجعة ميثاق الفترة الانتقالية، مع عدم جواز ترشح أعضاء الأجهزة الانتقالية في أول انتخابات، حيث يتم تتويج هذه الإجراءات بتشكيل حكومة مصالحة وطنية بعد اختتام مؤتمر نجامينا.

وتبلورت آليات المتابعة لاتفاق الدوحة في تشكيل لجنة من تسعة موزعين على طرفي النزاع، إضافة إلى ثلاثة لجهات دولية للمتابعة والمراقبة والإشراف على الترتيبات الأمنية.

وعلى الرغم من أن اتفاق الدوحة تضمن معظم الآليات المعمول بها لفض النزاعات الداخلية على المستوى الإقليمي والدولي، فإن 19 حركة رفضت التوقيع، وفي مقدمتها حركة "فاكت" كبرى الحركات المتمردة، بسبب فقدان الثقة في المجلس العسكري، والمراوغة من جانبه في تنفيذ ثلاث نقاط هي: عدم جواز ترشح الفواعل السياسية خلال الفترة الانتقالية في الانتخابات اللاحقة لها، وكذلك إلغاء لجنة تنظيم الحوار الوطني المتضمنة الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، فضلاً عن التوزيع المتساوي للمندوبين الممثلين لأطراف الحوار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في هذا السياق انعقد مؤتمر نجامينا، لكنه حتى الآن لم يسفر عن تقدم ملموس، حيث انسحبت منه 12 حركة مسلحة، إضافة للمنسحبين من حوار الدوحة. وهذا الموقف المأزوم دفع السنغال نحو محاولة التوسط، بخاصة أن ماكي سال رئيس السنغال هو رئيس الاتحاد الأفريقي حالياً، إذ نشرت "سنغال تايم" أن الرئيس قرر استقبال المنسحبين من الحوار لدفعهم نحو إيجاد جسور جديدة مع المجلس العسكري، وهي خطوة مرهونة بشرط أساسي لم تتنازل عنه المعارضة التشادية حتى الآن، وهو ضمان عدم ترشح محمد إدريس ديبي للانتخابات مقابل عدم مساءلته عن الانقلاب العسكري أو فتح ملفات فترة حكم والده، وذلك مع تكريمه تكريماً لائقاً يضمن له مكانة اجتماعية مرموقة، وذلك إلى جانب تغيير الجيش التشادي، وضمان تأسيس جيش قومي يكون تعبيراً صحيحاً عن الوزن النسبي لكل المكونات القبلية والاجتماعية التشادية من دون سيادة لقبيلة الزغاوة المتسيدة حالياً.

توجهات فرنسا

على أن هذه التوجهات للمعارضة التشادية التي تسعى إلى تأسيس دولة أكثر عدالة ومساواة تصطدم حالياً بطبيعة التوجهات الفرنسية إزاء تشاد في هذه المرحلة، حيث تصر باريس على دعم ديبي الابن، وبخاصة أنها خسرت مالي لصالح الروس، فضلاً عن الدور المركزي الذي تلعبه تشاد ضد المجموعات الإرهابية في منطقة الساحل الأفريقي، خصوصاً تنظيم "بوكو حرام" الذي تمتد سطوته أحياناً لنطاق بحيرة تشاد.

في هذا السياق، فإن دور باريس يبدو مركزياً في الوصول لتوافق سياسي تشادي، وهو مرهون بشروط عدة، منها القدرة على توحيد المعارضة توحيداً يضمن لها وزناً سياسياً داخلياً وصدقية على المستوى الدولي، وتقديم زعيم أوحد لها يكون مرشحاً في الانتخابات المقبلة، فضلاً عن مدى مرونة باريس في التخلي عن ديبي الابن لصالح رمز معارض قد يكون متاحاً لها أن تتوافق معه أيضاً عي شاكلة التوافق مع أسرة ديبي.

وإذا أقدمت باريس على تلك الخطوة ربما ترتفع صدقيتها في النطاق الأفريقي بدلاً من العار الذي ألحقته بصورتها بدعم ديبي الابن على الرغم من قيامه بانقلاب عسكري، ويكون لديها فرصة لضمان استقرار سياسي في تشاد عبر دعم الحوار الوطني المنعقد حالياً.

أما إذا كان خيار باريس هو التمترس خلف مواقفها التقليدية في دعم أسرة ديبي فقد يسفر ذلك عن مزيد من الخلخلة الأمنية في كل من تشاد وإقليم الساحل، ذلك أن جوار تشاد المباشر، سواء في ليبيا أو السودان هو جوار غير مستقر، والتداخل القبلي والسياسي بينه وبين تشاد كبير، وكلها عوامل تسهم إجمالاً في رفع مستوى التهديدات الأمنية بشكل عام في تشاد، فعدم تحقيق استقرار في الأخيرة يسفر عن تأثير سلبي على جميع المعادلات المسلحة في كل من السودان وليبيا، ومن ثم تهديد استقرار كلتا الدولتين.

أما على صعيد غرب تشاد، فإن عدم استقرارها يؤثر سلباً على كل من نيجيريا والنيجر وبوركينا فاسو امتداداً إلى مالي بسبب الأوزان المتصاعدة للكيانات الإرهابية في هذه المناطق وطبيعة التنافس الدولي فيها، وذلك تحت مظلة سعي روسي - صيني لخلخة النفوذ والوجود الفرنسي في منطقة الساحل الأفريقي، وكذلك تطلع النخب الشبابية الأفريقية لمجتمعات أكثر عدالة ومساواة بعيداً من دول الاستعمار الكولونيالي القديم، وصيغ الوصاية والاستغلال من الشركات الغربية العابرة للجنسية، خصوصاً الشركات الفرنسية صاحبة السطوة في تلك المناطق.

المزيد من تحلیل