جون تورتورو يقول في لقاء له: "حالياً، لن أُسند دوراً إلى وودي آلن"

الممثل الذي صنع اسمه في أفلام الأخوين كوين يخبر ’آل هورنر’ عن عمله الدرامي الجديد ’غلوريا بيل’ ، وكيف غيرت حركة MeToo# تفكيره، ولماذا لا يزال حضور فيلم ’افعل الشيء الصحيح’ ثابتاً بعد مرور ثلاثين عاماً

تورتورو عن أفلام ’المتحولون‘: "أقوم بها لأنها تساعدني على الاعتناء بعائلتي، لكن بعد ذلك أحتاج إلى الراحة بسبب الطنين في أذني". (صفحة جون تورتورو على تويتر)

يدين جون تورتورو بكل شيء في حياته إلى تشكيلة من المعجنات.

"كنت أحاول فقط أن أكون مهذباً" يقول ضاحكاً وهو يتذكر اليوم الذي كان يتجه فيه نحو باب شقة مارتن سكورسيزي، وهو يحمل بعض الكعك، لكنه لا يمتلك حتى رصيداً فنياً واحداً. حدث ذلك في أواخر السبعينيات، وكان مخرج فيلم ’سائق التاكسي’ يخطط لفيلمه التالي. لم يكن نص فيلم ’الثور الهائج’ جاهزاً  لكن تورتورو  الشبيه بمراهق يشتعل حيوية من فرقة كوينز لموسيقى الروك، وبنظرات عينيه الحادة أكثر من سكين ماضية، أصبح مستعداً.

"لقد قرأت الكتاب، لذلك استوحيت مشهداً منه. قمنا بإعادة ترتيب الأثاث في شقته لأداء المشهد"، يتذكر عرضه أمام المخرج وروبرت دي نيرو. كانت الخطة هو أن يُبهر الجمهور من خلال أداء دور صغير دون حوار وعن طريق الأداء المكثف والمصداقية وحدهما (كان تورتورو على دراية بعالم الملاكمة: كان والده يهوى ممارسة العراك في أوقات فراغه بعيداً عن عمله كبنّاء). كانت هذه هي الخطة. وإذا فشلت تلك الخطة - حسناً، الكل يحب المعجنات، أليس كذلك؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بعد مرور أربعين عاماً، صار بإمكاننا القول بأريحية إنه لم تعد هناك حاجة لفطائر الزبيب عندما يتعلق الأمر بمساعدة الممثل النيويوركي في الحصول على أدواره. إذ تألقت أفلام مثل  ’ليباوسكي الكبير‘، ’بارتون فينك‘، ’عبور ميلر‘، و ’يا أخي أين أنت‘؟ بحضوره الآسر والحيوي - كان هذا ظهوره في أفلام الأخوين كوين فقط. ومنذ أن ظفر بذلك الدور في فيلم الثور الهائج، قدم تورتورو مواهبه في أعمال درامية شهيرة مثل ’كويز شو‘ للمخرج روبرت ريدفورد، عدة أفلام للمخرج سبايك لي، والبرنامج التلفزيوني الذي أحدث ضجة جماهيرية كبيرة ’ذا نايت أوف’. يقوم أيضاً بالتأليف والإخراج، إذ قدم حتى يومنا هذا أداء من وراء الكاميرا في خمسة أعمال درامية حميمية لقيت نجاحاً جيداً. هناك أعمال نفيسة في سيرته الذاتية - سلسلة من التعاون مع آدم ساندلر، دور متكرر الحضور في سلسلة أفلام المتحولون (سنتطرق إلى هذه النقطة لاحقاً) - ولكن الجانب الأكثر شهرة من تورتورو هو أنه دعامة أساسية تمنح الطاقة للسينما الأميريكية الحديثة المستقلة، وأنه الممثل الذي ينجذب نحو الأدوار ذات المضمون بدلاً من تلك التي تحقق إيرادات عالية.

عمله الدرامي الغرامي الجديد، غلوريا بيل، هو خير مثال على ذلك. هذا الفيلم نسخة إنكليزية جديدة لفيلم ناطق بالإسبانية بعنوان غلوريا أخرجه عام 2013 المخرج التشيلي سيباستيان ليليو الحاصل على جائزة أوسكار عن فيلمه ’امرأة رائعة‘. في هذا الفيلم يقف تورتورو أمام جوليان مور، حيث يحاول شخصان في منتصف العمر البحث عن الحب بعد خروجهما من علاقات رومنسية محطمة، ويواجهان صعوبات بسبب تلك الرواسب التي لا نستطيع تجنب حملها من علاقة واحدة إلى العلاقة التالية. ويوضح تورتورو: "يشبه سيباستيان الشخص الذي يحب تصنيف سلوك الناس بطريقة علمية مجنونة ... لديه هذا الاهتمام بالناس وتناقضاتهم على طريقة تشيخوف. ما لديه، أمر نادر جداً."

 

يلعب تورتورو دور أرنولد، وهو ضابط سابق في البحرية يعمل الآن في تشغيل لعبة كرة الطلاء. عندما تقابله غلوريا (جوليان مور) في أحد البارات، يجمعهما غزل معقد بسبب الأبناء وآلام الماضي. إنه نوع مختلف من الرومانسية عن تلك التي نراها عادةً في الأعمال الدرامية التي تتناول العلاقات، والتي عادةً ما تكون مخصصة للأزواج الصغار الذين ما زالت الحياة أمامهم بأكملها. ويتساؤل تورتورو: "حسناً، لماذا هذا؟ بالتأكيد، سيكون ممتعاً أكثر إذا كان لدى الأشخاص هذه التجربة الحياتية قبل أن يدخلوا في علاقة جديدة، بدلاً من الشباب الذين لديهم خبرة أقل؟"

يؤدي تورتورو أداء رائعاً لشخصية أرنولد المعذب، وهو رجل فوضوي أخلاقياً يكافح لتخليص نفسه بالكامل من حياة أسرية سامة. تتقد الكيمياء التي تجمعه مع مور  بشكل ملحوظ طوال مدة الفيلم التي تبلغ ساعة وأربعين دقيقة. "إنها شخصية شجاعة حقاً، وهي تعيش التجربة بكامل طاقتها بالفعل، وجوليان مذهلة. أعتقد أن رسالة الفيلم أنه من الأفضل أن تجرب بدلاً من ألا تختبر الأمر بنفسك على الإطلاق. في بعض الأحيان، قد لا تعود الشجاعة بالفائدة، لكن هذا لا يعني أنك لا يجب أن تحاول."

يعرف تورتورو أشخاصاً مثل أرنولد، ولكن خبرته الشخصية ضئيلة كي يستفيد منها أثناء عمله في غلوريا بيل: إذ يجمعه زواج سعيد بالممثلة كاثرين بورويتز منذ عام 1985 بعد لقائهما في أواخر السبعينيات. ورُزقا منذ حينها بطفلين، أميديو 29 عاماً، ودييغو 19 عاماً.

عندما قلت له إنه لا يشبه تلك الشخصية على الورق إلى حدي كبير، صرخ قائلاُ: "الحمد لله! يالله، حتى أنني عندما شاهدت الفيلم لم أستطع تمالك نفسي في بعض الأحيان من رفع صوتي على ذلك الرجل الظاهر على الشاشة قائلا: ما الذي تفعله؟" يتابع بينما يتقطع صوته الناعم والمبحوح وهو يكتم ضحكته.

لم يتغير الكثير في حياته الشخصية خلال تلك السنوات ، ولكن - حدث الكثير في حياته المهنية.

ولد تورتورو في بروكلين لأبوين إيطاليين أمريكيين، وحصل على إحساسه بالتمثيل في منزل متوتر، حيث كان العنف يندلع في بعض الأحيان: "ليس كثيراً، لكنه كان يحدث بالفعل"، هذا ما قاله لصحيفة الغارديان في عام 2000 ، أثناء حديثه عن والده النجار/ البناء الانفعالي. ("لقد كان منزلاً رائعاً كي تكبر فيه إذا أردت أن تكون ممثلاً. لقد عشت لحظة بلحظة، وكان هناك كثير من الكوميديا السوداء").

في سن المراهقة، كان يزور الإرسالية المحلية المتعددة الديانات. "كنت أشاهد أفلاماً مثل ’ليلة الموتى الأحياء‘ و’الفك المفترس‘ وأشياء من هذا القبيل، و لكنني شاهدت أفلاماً جادة أيضاً مثل ’عصر يوم قائظ‘ ’سائق التاكسي‘، و’العراب‘" يتذكر بحنين.

 

بعد دوره في الثور الهائج، حصل على منحة دراسية في مدرسة ييل اللامعة للدراما في ولاية كونيكتيكت. بعد التخرج، بدأ يأخذ أدواراً في أفلام ذات ميزانية منخفضة، وغالباً ما لعب شخصية العنيف المنبوذ (في فيلم 5 زوايا عام 1988، يرمي والدته من النافذة ويقتل طير البطريق الذي كانت جودي فوستر تربيه كحيوان أليف). في عام 1989 كان الدور الذي اعتبره كثيرون التقديم الحقيقي لمواهبه، عندما لعب دور بينو العنصري في فيلم ’افعل الشيء الصحيح’ للمخرج سبايك لي.

"لقد كان فيلماً مناسباً لزمانه، وصادقاً،" يستعيد التفكير في هذا الفيلم الآن. "نشأت في حي غالبيته من السود قبل أن أنتقل إلى حي للبيض، لذلك كانت لدي تجربة [مع التقسيمات العرقية] بشكل مباشر. إنه فيلم لا يزال مؤثراً."

بعد ثلاثين عاماً، هل يشعر بالإحباط لأن العديد من التوترات العرقية التي سلط الفيلم  الضوء عليها لا تزال موجودة في أمريكا؟ "هممم" يتوقف لوهلة ويتأمل في السياج. "لقد حصلت بعض التحسينات. في هذا البلد، السؤال هو، بسبب [تاريخ أميركا مع] العبودية. نحن بلد من المهاجرين - هاجرت عائلتي إلى هنا. لقد شاركت في العديد من الأعمال اعتباراً من ’افعل الشيء الصحيح’ التي استكشفت جوانب مختلفة من الانقسامات في بلدنا".

هذا النوع من الإجابات المُلطّفة، الراغبة في معرفة كل جوانب النقاش ورفض التصعيد في الوقت الحالي، يبدو نموذجياً بالنسبة لتورتورو. إحدى الفلسفات الأساسية التي تدفع تصرفاته هي الاعتقاد بأن "لا يمكنك اختصار أحد في شيء واحد فقط، جيد أو سيء. من المستحيل أن يكون مجرد شيء واحد. في الأدب،  يمكن للكتاب الكبار أن يحددوا كل هذه التناقضات التي يعيشها الناس". (هذا هو السبب الذي جعل المسلسل التلفزيوني الجديد ’الرثة’ المفضلَ لديه: "لقد كان مثل  يا إلهي، لم أستطع أن أزيح عيني عن الشاشة. هذا المسلسل مميز لهذا السبب بالضبط.")

هذه الرغبة في رؤية جميع الناس على أنهم بشر فقط، وقادرون على امتلاك صفات متناقضة، إيجابية وسلبية، قد تعود أحياناً بنتائج عكسية. في عام 2014 ، تعرض للانتقاد بسبب تعليقاته التي أدلى بها عن وودي آلن، أيقونة الكوميديا التي لن تتكرر والمُتَهَم بالتحرش بابنته عندما كانت في السابعة من عمرها.

"إنه أمر حدث منذ فترة طويلة وسيكون هناك أشخاص يقفون مع الجانبين،" قال لموقع ’إندي واير‘ الفني بعد أن أسند تورتورو دوراً لـ آلن ليقف أمامه في تجربته الإخراجية الخامسة ’الدون جوان المبتذل’: " آمل أن يتمكن الناس من مشاهدة الفيلم فقط. لا أحد يعرف شيئاً حقاً، إنه صديقي وكان يعمل لمدة 20 عاماً منذ أن تسرب هذا الموضوع إلى الصحافة ... لقد كان كريماً جداً معي وسأعمل معه مرة أخرى."

هل تسببت حركة #MeToo على الإطلاق في جعله يفكر في ذلك الموقف؟ من المفترض أنه لم يعد يتقبل العمل معه مرة أخرى، بالنظر إلى الشهادة التي ظهرت منذ ذلك الحين  وتحول المجتمع إلى تصديق الضحايا؟ يتنهد قائلاً: "هذا سؤال صعب ... معرفتي المهنية بوودي تفوق معرفتي الشخصية به.  وكان شخص محترماً بالنسبة لي مهنياً. عندما قررت أن أعمل معه، كان لدي انطباع بأنه قد تمت تسوية كل تلك الأمور. لقد عاد للعمل في التسعينيات. عندما سألته عما إذا كان يحب هذه الفكرة ، وقد أحبها بالفعل، وصنعنا فيلم ’الدون جوان المبتذل’ لكنها صعدت مرة أخرى. كان هذا قبل حركة #MeToo."

وقفة أخرى. "بصراحة، لم أكن لأفكر في [إسناد دور له] لو أن ذلك قد حدث من قبل. لم أكن لأتواصل معه. الآن وقت مختلف. أود أن أقول إنني فعلت ما فعلته وأحببت الفيلم الذي صنعته، لكن سيكون الوضع مختلفاً [الآن]. لا أشعر بالأسف لأنني عملت معه لأنني لم أكن أعرف شيئاً عن ذلك، صدقاً. لو كنت على دراية، لما فعلت ذلك - لم أكن لأظن أنها فكرة جيدة."

يبدأ عرض غلوريا بيل في دور السينما في المملكة المتحدة اليوم، وتورتورو قلق قليلاً من فرصه في شباك التذاكر. "الأمر صعب للغاية بالنسبة لهذه الأنواع من الأفلام. لقد أصبحت منعزلة. هناك أفلام تحظى بتقييمات مذهلة، لكن ما لم يكن الفيلم في روح العصر الثقافي أو يضرب على وتر حساس معين، فلا أستطيع أن أرى الناس يصطفون في الطابور لمشاهدته"، يقول، ربما في تلميح إلى فيلم ’بوكسمرت’ الكوميدي عن سن الرشد الذي حظي بشعبية كبيرة و أشعل نقاشاً في الآفاق المستقبلية للأفلام متوسطة المستوى ضمن المشهد السينمائي المشبع بعوالم الأبطال السينمائيين الخارقين والإفلام التجارية الكبيرة. "لا أعرف ما هو الجواب. إنه صعب."

تورتورو ينأى بنفسه عن سلاسل الأفلام التجارية، لكن كان هناك استثناء في عام 2007 في فيلم ’المتحولون’ للمخرج مايكل باي، حيث كانت لها ثلاثة ظهورات أخرى متتالية بنفس الشخصية، العميل سيمور سيمونز. اعترف ’فيرنر هيرزوغ’ مؤخراً بأنه شارك في برنامج تلفزيوني عن ’حرب النجوم’ لتمويل مشروع أصغر أراد تنفيذه لشغفه به. هل تؤدي هذه الأفلام غرضاً مشابهاً، حيث تمكنه من العمل على دراسات شخصيات حميمية مثل غلوريا بيل؟ أم أنه معجب في سره بالقوى الخارقة؟

يقول ضاحكاً: "هذه هي مهنتي الكهربائية. في العادة، أنا سباك، اسمع، لم أقدم أي نوع من هذه الأفلام حتى طلب مني أطفالي ذلك، واستمروا في مطالبتي بذلك. لم أفعل ذلك مقابل الأجر المدفوع. لقد استمتعت، وحاولت التحلي بروح الشخصية. إنه شخص أشبه برسم بقلم الرصاص مقارنة بلوحة زيتية. أنا أؤدي تلك الشخصيات، فهي تساعدني على الاعتناء بالعائلة، أحتاج إلى الراحة، بسبب الطنين في أذني."

لا ينبغي أن يكون هناك الكثير من الطنين في لائحة مشاريعه المقبلة: غالبية مشاريع تورتورو القادمة هي حميمية، عن العلاقات التي تقودها الشخصيات، ولم يتم توقع أي منها أكثر من ’زيارة الأماكن’،’ ليباوسكي الكبير’ التي أبدع في كتابتها، إخراجها وبطولتها، مثل أدائه دور جيزس كوينتانا في فيلم الأخوين كوين الذي حقق نجاحاً ساحقاً في عام 1998.  "إنه فيلم مفعم بالحيوية. يُظهر مدى غباء الرجال. هذا ما يدور الفيلم حوله، نوعاً ما - النساء هن الشخصيات الأقوى والأكثر تماسكاً."

"كان علي أن أقوم بتعديله قليلاً لكنني الآن أشعر حقاً بالرضا عن ذلك. إنه ببساطة استكشاف جيزس الخارج من السجن. يقول: "إنها كوميديا ​​ولكنها كوميديا ​​إنسانية للغاية"، مضيفًا أن الأخوين "كوين" قد باركا العمل تماماً. "إنهما صديقاي، صديقاي المقربان، وكانا يدعمانني عندما قلت إنني أريد استكشاف هذه الشخصية أكثر. قالا، يجب أن تفعل ذلك لأننا لن نفعل! إذا كان لديّ لأعرضه، أعرضه عليهما إذا كانا قريبين."

حتى ذلك الحين ، يأمل أن ينقر ’غلوريا بيل‘ وترا حساسا ويمنحه المزيد من الفرص لإنتاج أفلام تحكي قصصاً لا يتم سردها في كثير من الأحيان. "لقد تعلمت الكثير على مر السنين. أنا ممثل أفضل. لقد عملت مع الكثير من المخرجين الرائعين وكنت محظوظاً بما يكفي لإخراج بعض الأفلام بنفسي،" يقول قبل مغادرتنا "أريد فقط أن أستمر في النضوج". يودعني بنفس تهذيب ذلك الوافد الجديد الذي جاء قبل أربعين سنة إلى منزل مارتن سكورسيزي وبيده تشكيلة من المعجنات. تغير الكثير في حياة تورتورو، لكن ليس كل ما فيها.

يُعرض فيلم غلوريا بيل في دور السينما في المملكة المتحدة حالياً.

© The Independent

المزيد من سينما