Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المصريون غارقون "افتراضيا" في تحليل التعديل الوزاري

لا ينتهي التنظير الشعبي على "التواصل الاجتماعي" مهما كانت تعقيدات القضايا الاقتصادية والإقليمية والدولية وغيرها

التنظير الشعبي في كل صغيرة وكبيرة سمة مواقع التواصل الاجتماعي في مصر (أ ف ب)

يسطر المصريون تاريخاً مغايراً لمسارات الأمم ومراجع فريدة في عوالم الاجتماع والسياسة وعلم النفس والأنثروبولوجيا منذ تم الإعلان عن التعديل الوزاري، وعلى الرغم من أن الوزراء الجدد لم يستقروا بعد على مكاتب أسلافهم ولم ينتهوا على الأرجح من نقل متعلقاتهم الشخصية وأوراقهم الرسمية إلى وزاراتهم المكلفين بها بعد، إلا أن جيوشاً من المواطنين بدأت بالفعل سن التوقعات وسرد الطلبات وعقد المقارنات والتلويح بعين الانتقاد الحمراء وأسلحة السخرية الرمضاء في وجه كل الوافدين الجدد.

الوزراء الجدد وعددهم 13 وزيراً ووزيرة يشكلون الكتيبة الوزارية المعدلة الأكبر منذ عام 2018. قوة الكتيبة الجديدة المضافة إلى الباقين في مناصبهم تقف في مواجهة قوة قاعدة عريضة من المواطنين الذين احترفوا التحليل وامتهنوا التنظير واعتبروا كل ما يكتب على الـ"سوشيال ميديا" من مشاعر وإشاعات وقيل وقال وتأويل نظريات يجب أن يؤخذ بها وقواعد على الجميع التزامها.

الصمت الاحتياطي

التزم المصريون نوعاً من أنواع الصمت الاحتياطي لبضع دقائق عقب الإعلان عن التعديل الوزاري الأسبوع الماضي. هذه الدقائق النادرة والعزيزة من السكوت كانت بغرض النظر إلى أسماء الوزراء الخارجين من الحكومة والبحث عن أصل وفصل الوافدين. بعدها انطلقت ملايين التغريدات والتدوينات والصور والفيديوهات تمخر عباب الـ"سوشيال ميديا" ومنها إلى الإعلام التقليدي الذي يجد نفسه لا حول له خبرياً ولا قوة انتشار ومشاهدة مقارنة بقرينه العنكبوتي.

عنكبوتياً، تحديداً على ما يعرف بـ"غروبات الماميز" سطرن ما يمكن وصفه بـ"التأييد الانتقامي" لوزير التربية والتعليم والتعليم الفني الجديد رضا حجازي وذلك على سبيل الكيد والانتقام من سلفه طارق شوقي الذي قدم إلى الوزارة من خارجها رأساً من الأستاذية الجامعية الهندسية والبحثية في الأمور التكنولوجية، فرحل من حاول أن يرسي دعائم نظام تعليم قائم على إعمال العقل واعتناق البحث والتعلم بديلاً عن الحفظ والدرس الخصوصي، وذلك في بيئة اجتماعية ونفسية رافضة للجديد ومقاومة للتجديد. وجاء حجازي الكادر الوزاري منذ عقود طويلة لتحتفي به الـ"ماميز" على نحو غير مسبوق عبر صفحاتهن المتناثرة يميناً ويساراً، هذا الاحتفاء يسميه البعض "انتقامياً" ولا علاقة له بالوزير الجديد الذي لم يستقر في مكتبه بعد.

وعلى الرغم من تسريب امتحانات الدور الثاني للثانوية العامة وضبط حالات غش وتصريحات الوزير الجديد المؤكدة لاستمرار مسيرة تطوير التعليم وإصلاحه وغيرها من الإشارات التي تعني أن جديداً لم يجد بعد في الوزارة، إلا أن أفراح الـ"ماميز" وطبل وزمر البعض من الطلاب يؤكد شبهة الفرحة الانتقامية.

مشاعر انتقامية

مشاعر انتقامية أخرى ولكن لأغراض مغايرة تتدفق صوب وزارة الثقافة، فبينما الوزيرة السابقة عازفة الفلوت إيناس عبدالدايم تلملم أغراضها استعداداً للعودة إلى صفوف الأوركسترا والعروض الموسيقية والوزيرة الجديدة نيفين الكيلاني تنقل متعلقاتها من مكتبها كعميد للمعهد العالي للنقد الفني في أكاديمية الفنون، هرع مثقفون ومهتمون بالشأن الثقافي والفني والإبداعي والتنويري إلى سرد مئات المطالب المتعلقة بالوزارة التي عنونوها كلها "عاجل جداً".

 

الفنانون والمتعاملون مع دار الأوبرا المصرية والمسارح التابعة لها اعتبروا عروضهم الفنية الأولوية القصوى. والمترجمون والنقاد اعتبروا أعمال الترجمة المختارة وشؤون النقد المأزومة على رأس الأولويات. أما إعادة توزيع موازنة الوزارة ودفع الكفة صوب الرواتب والأجور أو جذبها لجهة المشاريع الجماهيرية والأهداف التنويرية، فخناقة كل تعديل وزاري حديث أو قديم.

خناقات التعديلات الوزارية قديمة قدم تاريخ الوزارات والتغييرات، لكن في كل مرة يجد جديد فهي تتلون بألوان المجتمع وحراكاته وتقلباته وتطوراته. وعلى رأس التطورات الحادثة في المجتمع المصري التي تنعكس في ردود فعله على التعديل الوزاري هذا الاهتمام الوطني الشعبي الوليد بقضية "سد النهضة" الذي بات ملء سمع المصريين وقلقهم الذي يدفع البعض إلى الغوص في أعماق التخطيط الاستراتيجي وأغوار التحرك التكتيكي.

 وعلى مدار الأعوام الـ11 الماضية، تحديداً منذ أحداث يناير (كانون الثاني) 2011 تسلل عدد من القضايا الوطنية إلى قائمة اهتمام المواطن العادي التي كانت متروكة كلية لتعامل النظام معها من دون اهتمام يذكر من الجماهير. إحدى هذه القضايا سد النهضة الذي يهدد نصيب المواطن المصري من مياه نهر النيل عماد الحياة في البلاد، لذلك أصبحت وزارة الموارد المائية والري في مرمى الاهتمام والمتابعة والتعليق.

أعوام الكمون

وبعد أعوام من الكمون والخفوت والجنوح بعيداً من اهتمامات المواطن العادي، تعود وزارة الموارد المائية والري والمعروفة شعبياً بـ"وزارة الري" إلى اهتمام المصريين، وعلى الرغم من أن الغالبية المطلقة لا تعرف اسم الوزير المغادر محمد عبدالعاطي ولم يعلق اسم الوزير الجديد هاني عاطف بعد، إلا أن كثيرين يتحدثون هذه الأيام عن أمنيات بتحرك فعلي على صعيد سد النهضة وآمال معلقة عليه لإدارة أفضل لملف السد، بخاصة أن المفاوضات تتعثر على مدار ما يزيد على عقد.

عقد من التعثر في ملف السياحة بالغ الحيوية في مصر لم يكد يشم أنفاسه، أو على الأقل تتوافر له وجوه وكفاءات قادرة على إعطائه قبلة الحياة، تكلل بخروج وزير السياحة والآثار خالد العناني الذي افتتحت في عهده متاحف عدة ومعابد يهودية كانت مغلقة، ناهيك عن متحف وموكب المومياوات وغيرها.

ولأن سوء الحظ وفي أقوال أخرى سوء تطور الأوضاع الإقليمية والدولية يقفان للسياحة بالمرصاد، فإن محاولات استعادة السياحة وإنعاشها تقابل بحدث جلل في كل مرة على مدار العقد الماضي. فمن أحداث 2011 إلى تطورات 2013، ومنها إلى الوباء ما إن بدأ يتحقق الاستقرار، ثم حرب روسيا في أوكرانيا وغيرها، كان للعناني نصيب غير قليل من سوء الحظ، وتضاف إلى كل ذلك قوائم المطالب الفئوية التي لم تدخل وزارة إلا وخربتها ولم تهيمن على مظالم إلا وأهلكت الظالم والمظلوم ومن بينهما.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبين أحلام تطوير السياحة وإنعاشها ورفع وعي المواطن بقيمة السائح وسبل الترحيب به وليس التضييق عليه من جهة، وبين مطالب المرشدين والعاملين في ديوان عام الوزارة ومكاتبها المتناثرة يميناً ويساراً ويقبع فيها آلاف الموظفين والموظفات من أصحاب الكادر الروتيني والفكر البيروقراطي هوة شاسعة.

هوة شاسعة أخرى تقبع بين وزير السياحة المنصرف أستاذ الإرشاد السياحي في كلية السياحة والفنادق خالد العناني والجديد الرئيس التنفيذي لقطاع تجارة التجزئة المصرفية في البنك التجاري الدولي أحمد عيسى، وهي الهوة التي وقع فيها التنظير الشعبي غير القادر على فهم أبعادها أو هضم عواملها. ولولا تصريح رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قبل ساعات بأن الهدف من اختيار اقتصادي لتولي ملف السياحة هو إدارته بعقلية اقتصادية ما يسهم في زيادة العائد الاقتصادي، لظلت قاعدة المنظرين الشعبية العريضة غارقة في ضرب الأخماس بالأسداس لفهم هذا التغيير.

لا تعني كثيراً

التغييرات الوزارية بشكل عام لا تعني كثيراً في حياة المصريين على مدار التاريخ المعاصر. يأتي وزراء ويرحل آخرون، يتعلق الشعب ببعضهم لأسباب معظمها عاطفي أو شخصي أو روحاني إذ يضع الله محبة الوزير في قلوب العباد أو ينزعها.

ويكفي مثلاً أن قطاعات من المصريين في أعوام مختلفة طرحت أسماء مثل المدرب السابق لمنتخب كرة القدم حسن شحاتة ووزير الخارجية وأمين عام جامعة الدول العربية السابق عمرو موسى والمطرب الشعبي الراحل شعبان عبدالرحيم لرئاسة الجمهورية. أما الأسباب، فمختلفة وإن ظل بعضها على سبيل الدعابة. الأول حقق انتصارات للمنتخب في بطولة كأس الأمم الأفريقية، والثاني اكتسب شعبية أثناء حكم الرئيس الراحل محمد حسني مبارك لمواقف بدت جريئة، إضافة إلى انسحابه من جلسة أثناء المنتدى الدولي للسلام في فرنسا عام 2014 اعتراضاً على "تسييس الجلسة لصالح إسرائيل" والثالث لأنه غنى "باحب عمرو موسى وأكره إسرائيل".

لكن في أعوام ما بعد أحداث يناير عام 2011، تحول قطاع عريض من المصريين إلى عناصر فاعلة افتراضياً في تقييم الوزراء وإقالتهم وتعيين غيرهم واقتراح أسماء لشغل مناصب بعضهم.

الأدرينالين الثوري

جانب من هذا التحول نابع من الأدرينالين الثوري والآخر مصدره التمكين العنكبوتي. ففي مقدور كل من لديه شاشة متصلة بالإنترنت أن يشكل وزارة ويقيل وزراء، وحتى لو لم يأخذ صناع القرار بتشكيلاته، فإن الهبد العنكبوتي الصاخب خلال الأعوام الأخيرة يؤثر أحياناً في تسريع اتخاذ قرار أو ربما التأثير في محتواه، لكن يبقى التغيير نفسه سراً لا يعلمه إلا الله وأصحاب قرار التغيير.

تصورات التعديل

يقول الباحث والكاتب عمرو الشوبكي في مقالة عنوانها "التعديل الوزاري" إن أي تعديل وزاري في النظم الرئاسية أو شبه الرئاسية يحكمه عادة تصوران: الأول أن يأتي التعديل بغرض مراجعة بعض أو كثير من السياسات المتبعة، والأخير هو الاحتفاظ بالسياسات ذاتها مع إعطاء قوة دفع جديدة لها بتغيير بعض الوزراء"، ويرجح الشوبكي أن يكون التعديل الوزاري الأحدث من النوع الأخير ويضيف أنه على ثقة بـأن "كثيرين سيعتبرون هذا التعديل إيجابياً لدعم السياسات والتوجهات الحالية. أما تغيير المجموعة الاقتصادية من أجل وضع سياسات وأولويات تنمية جديدة، فقد تم تأجيله".

 

تأجيل التعديلات الاقتصادية الجذرية في ما يتعلق بالمناصب الوزارية ربما ليس تأجيلاً من الأصل وربما يكون توكيداً للمسارات الاقتصادية الحالية، ومن الوارد أيضاً أن يكون استمرار البعض من حاملي الحقائب الوزارية الاقتصادية رسالة إلى المواطن والمتابع بأن الرؤية الاقتصادية لمصر في مجملها باقية.

الرؤية الوزارية الحالية تشير إلى رحيل ثلاثة من وزراء المجموعة الاقتصادية وهم وزراء السياحة والآثار والتجارة والصناعة وقطاع الأعمال العام، لكن بقاء الآخرين من تخطيط وتنمية اقتصادية وتعاون دولي ومالية يعطي رسائل متضاربة إلى المواطن الذي غرق تماماً في أعماق التحليل الشعبي.

الطريف أن المحللين الشعبيين على أثير الـ"سوشيال ميديا" انقسموا إلى قسمين: الأول يعتبر التغيير الوزاري تعديلاً اقتصادياً شاملاً، والأخير اعتبره إبقاء على الرؤية الاقتصادية بحذافيرها. الطريف أن الفريقين المتناطحين اتفقا في نهاية الأمر على عدم قدرة كليهما في تحديد ملامح عامة أو معالم بعينها للرؤية الاقتصادية، سواء التي رحلت عن وزاراتها أو التي بقيت.

البنك المركزي على الساحة

بقي أن "استقالة" محافظ البنك المركزي طارق عامر وتعيين حسن عبدالله قائماً بأعمال المحافظ تثير كماً غير مسبوق من الاهتمام الشعبي. البنك المركزي الذي ظل لعقود طويلة "بنكاً" كغيره من البنوك بالنسبة إلى ملايين المصريين، لا يثير اهتمام الغالبية أو يحرك قرون البحث في طبيعة عمله واستشعار سلطته أو سطوته أو أثره في عوالم السياسات النقدية والائتمانية والمصرفية وإصدار العملات النقدية والإشراف على نظام المدفوعات القومي وغيرها. كل ما كانت تعرفه الغالبية هو أن الاسم الموقع على أوراق البنكنوت هو لمحافظ البنك المركزي.

هذه المرة تستحوذ "استقالة" طارق عامر على كم من القيل والقال لم يحظ بهما البنك المركزي المصري منذ تأسس بقرار جمهوري عام 1961. بات البنك المركزي محرك أحاديث الناس في المواصلات العامة وجلسات المقاهي وصارت أسماء المرشحين عقب "استقالة" عامر محط بحث وتقص عبر "غوغل" وتصدر البحث عن القائم بالأعمال حسن عبدالله جهود التنقيب والتفنيد.

ارتفاع كل شيء

فبين ارتفاع أسعار كل شيء وأي شيء وتصدر الدولار وتحركاته أو بالأحرى الجنيه وحركاته المشهد ومصير مبادرات التمويل العقاري ومآل دعم قطاعات إنتاجية معينة ومقاليد التحكم في أسعار الفائدة وعلاقة قروض صندوق النقد الدولي بمصير البلاد ووضع العباد، تدور أحاديث المصريين في أعقاب التعديلات الوزارية و"استقالة" محافظ البنك المركزي.

الملاحظ هذه المرة أن حراك النقاش الشعبي لم يعد يتطرق إلى الحريات السياسية، أو القيود الأمنية، أو العلاقة مع الشرطة، أو أوضاع القضايا والقضاة، أو موقف بطاقة التموين وإن كان الرز سيبقى ويرحل الزيت أم يتحول كلاهما إلى نقطا، أو مصير الإعلام المثقل بقيود مادية وبشرية أو غيرها من سابق مواضيع الاهتمام وقضايا الجدال. أحوال المصريين الآنية وتوقعات المستقبل القريب اقتصادياً ومعيشياً تهيمن على تحليل التعديل.

رحل وزراء وقدم آخرون وبقي جدال المصريين لا ينتهي ولكن بنكهة الأوضاع الاقتصادية والنكهات الإقليمية والمذاقات الدولية التي بات الجميع يعلم أنها تدلو بدلوها في الساحة المصرية الوزارية والسياسية.

مادة السخرية والتهكم

وعلى هامش التعديل وبعيداً من الفرحة الانتقامية والأسئلة الاستفسارية وكذلك الاستنكارية حول أسباب التغيير ومميزات الوافدين وتوقعات الناس التي يدور معظمها في دوائر بالغة المحلية، وجد البعض في سلسلة قيام نواب برلمانيين وموظفين حكوميين وآخرين بتهنئة الوزراء الناجين من التغيير وتمني بطول البقاء للوافدين الجدد مادة للتهكم والتندر.