التعديل الوزاري المرتقب بمصر... شارع لا يبالي وإعلام يخرق سقف التكهنات

يبقى سر التغييرات الحكومية بالغرف المغلقة... والمواطنون لا همّ لهم سوى تحسّن مستوى المعيشة

مرّت مصر بتقلبات سياسية عدة تبدلت معها انطباعات الشارع تجاه التعديلات الوزارية في كل فترة (أ.ف.ب)

التغييرُ لم يعد مثيراً، والتعديلُ فقدَ مواطن جاذبيته، حتى طرح الأسماء في برامج الـ(توك شو) الليلية وتجاهلها، وطرح غيرها في البرامج الصباحية لم يعد وارداً.

أنباءُ التعديل الوزاري المتواترة تارة في هيئة تصريح لصحافيين مقربين من متخذي القرار، وأخرى على ألسنة مذيعين مطّلعين على بواطن الأمور، وثالثة من قَبيل الهبد والرزع على مواقع التواصل الاجتماعي لم تعد تستهوي الشارع أو تستوجب البحث والتدقيق من قِبل "عم أحمد" حارس العقار الهاوي الأخبار المحلية والعالمية، أو "دكتور سالم" طبيب الأمراض النفسية والعصبية المراقب الأوضاع العصبية للمسؤولين ومحلل الحالة النفسية للسياسيين، أو حتى لـ"مدام سلوى" التي تمضي جلّ نهارها بالنادي مع الزميلات المتقاعدات ينتفن خلالها ريش الوزراء ويقطعن فروة الوزيرات.

غادة والي... قليل من التشويق
وزيرة التضامن الاجتماعي غادة والي باختيارها لمنصب وكيل السكرتير العام للأمم المتحدة والمدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة، أعادت بعض الحياة ونثرت قليلاً من التشويق في مسألة التغيير الوزاري الذي تملأ أخباره الإعلام التقليدي بأجنحته الورقية والمرئية والمسموعة والعنكبوتية والجديد بمنصات تواصله الاجتماعي.

اجتماعياً، مرَّ المصريون بحقبٍ عدة من الاهتمام الجارف بأي خبر هنا أو هناك عن تشكيل أو تغيير أو تعديل وزاري، طوال سنوات حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك ظلت عبارة (تغيير وزاري) تدغدغ مشاعر الملايين المشتاقين إلى تغيير لا يأتي. وزراءٌ عدة ظلوا مقيمين في وزاراتهم عقوداً لا تنتهي حتى تصوّر البعض أنها "مناصب أزلية".

فمِنْ وزير الإعلام السابق صفوت الشريف الذي ظل بوزارة الإعلام 22 عاماً، إلى وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني شغل المنصب نحو ربع قرن، إلى وزير الدفاع المشير محمد حسين طنطاوي الذي بقي وزيراً للدفاع عقدين من الزمن، إلى وزير الزراعة الدكتور يوسف والي وغيرهم، اعتاد المصريون بقاء الوزراء عقوداً دون تغيير.

لذلك حين كان يتردد حديثٌ هنا أو تنتشر إشاعة هناك طوال ثلاثة عقود من حكم مبارك عن تغيير وزاري كان الجميع يسارع إلى طرح التوقعات وتبادل الأقاويل، وذلك من باب ملء وقت الفراغ والتظاهر بالضلوع في السياسة.

عصر مبارك... لا تغيير إلا مع الموت أو الكوارث
الضلوع في أحاديث التغيير الوزاري ظلت طوال عهد مبارك أشبه بالحديث عن قضايا البيئة في القطب الشمالي أو اليورانيوم بجنوب أفريقيا، إذ ظلّ الوزراء المحوريون في مناصبهم سنوات طويلة دون تغيير يُذكر طوال العقدين الأولين من حكمه.

وعلى العكس من وتيرة التغييرات الكثيرة والمتواترة في عهدي الرئيسين الراحلين جمال عبد الناصر وأنور السادات، التزم مبارك إيقاعاً هادئاً بطيئاً في التغيير، وهو ربما ما جعل المصريين يتحرقون شوقاً إلى حديث التغيير، حتى وإن ظل حديثاً عصيّاً على التفعيل.

 

يقول جمال أحمد، 68 عاماً، (موظف متقاعد)، "أغلب سنوات حكم مبارك اتّسمت بهدوء التغيير".

ويضيف، "الناس بطبيعتها تحلمُ بالتغيير في أوقات الملل، ويبدو أن وتيرة التغيير الهادئة جداً خلال 30 عاماً من حكم مبارك جعلت البعض يتشوّق إلى التغيير لكسر الرتابة".

ويستكمل، ضاحكاً، "الموت أو الكوارث هما السببان الوحيدان للتغييرات الوزارية في كثيرٍ من الدول، ولأن الموتَ كان رفيقاً بوزراء مبارك فإن كارثة تصادم قطاري العياط في العام 2009 وما نجم عنها من استقالة وزير النقل حينئذ المهندس محمد منصور ظلّت حديث القاصي والداني، نظراً إلى حداثة مفهوم أن يستقيل الوزير".

ثورة يناير... كسر الملل والشوق إلى التعديل
وما افتقده المصريون من اشتياق إلى كسر الملل انقلب إفراطاً في التغيير وغرقاً في التعديل في أعقاب أحداث يناير (كانون الثاني) 2011، فمن تقلبات سياسية نتجت عنها تغييرات عاصفة إلى بزوغ نظام إخواني تضمَّن وزراء إمَّا داعمين الجماعة وإمَّا منها وإمَّا لا يخشى منهم عليها، إلى إطاحة الإخوان وما تلا ذلك من معاودة التقلبات وتواتر الأسماء على الوزارات، ومنهم من لم يبقَ إلا أشهراً وربما أسابيع.

وبعد عقودٍ من التصاق وزراء بمقاعدهم التصاقاً شكك البعض في حلحلتهم، وترسَّخ أسماء وزراء في وزارات حتى ظنّ البعض أنهم باقون مخلدون فيها إلى أن يرحلوا عن الدنيا وصل المصريون إلى درجة العجز عن تذكّر أسماء الوزارات لفرط التغيير وتواتره دون هوادة.

وفي أحد استطلاعات الرأي النادرة التي تجري في شأن موقف المصريين من التعديلات الوزارية، وكان ذلك في العام 2013 المِفصلي، قال 47% ممن شملهم الاستطلاع إنهم يفضلون تغيير الحكومة برمتها بدءاً من رئيسها ومروراً بالوزراء.

واكتفى 24% بالمطالبة بتغيير بعض الوزراء فقط، في حين قال 21% إنهم غير متأكدين من شكل التعديل المناسب، وقال 7% إنهم لا يريدون أي تغيير.

الاستطلاع الذي أجراه في ذلك العام المركز المصري لبحوث الرأي العام (بصيرة) كان الأول والأخير لحين إشعار آخر، وقد عكس تشتت المصريين في موقفهم تجاه التغييرات الوزارية، وضبابية الرؤية فيما يختص بالغاية من التغيير.

قليلٌ من التغيير... لا يضر ولا ينفع
"ما الغاية من التغيير؟ لا أعتقد أن التغييرات الوزارية في المرحلة الراهنة تعنينا كثيراً كمواطنين. سياسة الدولة والرئيس عبد الفتاح السيسي أصبحت واضحة وصريحة، وستمضي قدماً بغض النظر عن أسماء الوزراء أو هُوياتهم. وعموماً قليلٌ من التغيير لا يضر وربما أيضاً لا ينفع"، حسبما تقول أمل العزبي، 50 عاماً، (معلمة).

المنطقة الرمادية التي تقف فيها العزبي، حيث لا اهتمام بالتغيير أو موقف واضح تجاه الضرر أو النفع، هو سيد الموقف الشعبي.

الموقف الشعبي الراهن تجاه القيل والقال في الإعلام عن التغيير أو التعديل أدهش البعض وأحبط البعض الآخر. المندهشون يطرحون تساؤلات على مواقع التواصل الاجتماعي حول "الثبات الانفعالي غير المتوقع للمصريين الذين كانوا يمضون ساعات طويلة على المقاهي وفي البيوت وهم يتكتكون لوزارة قادمة ويكسرون قلة وراء وزارة راحلة" حسبما كتب ساخراً أحمد سامي أحد الناشطين على موقع (تويتر).

وهو ما استدعى ردوداً أكثر سخرية، حيث "أين أيام المئة مليون خبير استراتيجي وعالم سياسي واختصاصي تغيير وزراء؟"، و"مطلوب خبراء استراتيجيين لتوقع الوزراء الراحلين والقادمين ولدينا" وغيرهما.

الغرف المغلقة... هنا تكمن الأسرار
تغيير الوزراء أو الإبقاء عليهم من الأسرار التي طالما ظلَّت وستظل حبيسة الغرف المغلقة، لكن الغرف المفتوحة في مدينة الإنتاج الإعلامي والكثير من الصحف والمواقع الإخبارية تنضح هذه الأيام بكم مذهل من الأخبار التي في ظاهرها "قنبلة" وفي باطنها خاوية.

"دمج ست وزارات في التعديل الجديد"، "فصل أربع وزارات في التعديل الجديد"، "التعديل الجديد محدود"، "التعديل الجديد واسع"، "ثماني وزراء خارج الحكومة"، "تسعة وزراء خارج الحكومة"، "18 وزيراً خارج الحكومة"... عناوين تبحث عن متابعين. ولمّا لم يأتِ المتابعون، صعَّد المصرحون من حدة التصريحات وسخونتها.

عددٌ محدودٌ من الصحافيين والإعلاميين المعروفين بقربهم من دوائر صناعة القرارات واتخاذها يمطرون الأثير بالكثير عن كواليس التغيير، "قائمة التعديل الوزاري كاملة بأسماء الراحلين عن الوزارة"، "قائمة بتوقعات الوزراء الجدد"، "كفاءات تنضم إلى الحكومة ومخفقون يرحلون عنها"، "رحيل وزراء الصحة والعمل والكهرباء"، "بقاء وزراء الكهرباء والصحة والعمل"، "وجوه شابة في التشكيل الجديد"، "وجوه قديمة في التشكيل الجديد".

الأدهى من ذلك، أن مذيعين يستضيفون صحافيين من زملائهم ليتحدثوا عن توقعاتهم ومعلوماتهم المأخوذة من مصادر مسؤولة اشترطت عدم ذكر أسمائها. وفي صباح اليوم التالي تتحوّل توقعات الصحافيين الليلية التي نسبوها إلى مصادر سرية إلى أخبار حصرية لفريق ثالث من الصحافيين.

ومن المتكهنين من لا يخجل من المجاهرة بأن مصدر التوقعات يعتمد على تأملات شخصية في وجوه الوزراء في الفعاليات الحالية، فمن كانت ملامحه هادئة مطمئنة كان حتماً من الباقين، ومن ظهرت عليه أمارات الإرهاق أو التوتر فهو بكل تأكيد من الراحلين.

غياب المتلقي... لا أحد يهتم
كل ذلك الضجيج يدور رحاه في ظل غياب الطرف المتلقي، وفي تلك الأثناء يتمسّك البعض بالطبع من سكّان العالم الافتراضي الدائمين بتلابيب العنكبوت سواء للمتابعة أو المجادلة أو حتى الدعابة.

تطبيق "تيك توك" دخل على خط الدعابة بمقاطع مصوّرة تعكس تدني الاهتمام بالتغيير وتعاظم التركيز على التنكيت، لا سيما أن تسابق البعض من الإعلاميين والصحافيين على حجز مكان في السباق "الحصري" دفعهم إلى قول اللا معقول.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"هناك كلام كثير على وزيرة الصحة، ويبدو أنها ستخرج من الوزارة، ونأمل في وجه جديد طموح متحمس لشغل هذا المنصب، ونتمنى أن تبقى الدكتورة هالة (وزيرة الصحة الحالية) معنا"، "المؤكد أن التغيير مطلوب، لكن كنّا نود الإبقاء على الموجود ضماناً لاستمرار النجاح واستدامة التنمية" وغيرها مما يتردد في الأثير يكشف عن محاولات الإمساك بالعصا من المنتصف، فإن حدث التغيير ورحل وزراء يكون المذيع أو الصحافي تنبأ بالرحيل وطالب بالتعديل، وإن لم يحدث التغيير وبقي الوزراء فإن المذيع أو الصحافي يكون طالب بالبقاء واستدامة الأوضاع.

كل ما يشغل القاعدة العريضة من المصريين حالياً هو انعكاس تحسّن الأداء الاقتصادي على حياتهم وفواتير معيشتهم وجيوبهم، وقلة قليلة تحلم بالعمل على الاستثمار في البشر أسوة بالحجر من طرق وجسور ومدن سكنية جديدة، وسواء تحقق ذلك عن طريق استمرار وزراء حاليين أو استقدام آخرين، فإن التفاصيل لا تستوقفهم كثيراً.

إنه التعديل الوزاري المرتقب الأقل إثارة شعبياً، والأعلى استثارة إعلامياً سواء كوسيلة لجس النبض وقياس الرأي، أو كطريقة لإذكاء الـ"ترافيك"، والبقاء على الترند.