Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

على دقات الترند والهاشتاغ... وزير التعليم المصري والنواب يدخلان 2022

مواجهة شرسة بين أطراف متحفزة كشفت عن الفجوة بين وجهات النظر دون التطرق إلى معوقات التطوير الرئيسة

جلسة البرلمان المصري بشأن تطوير مناهج التربية والتعليم أثارت الجدل على التواصل الاجتماعي  (أ ف ب)

المواجهة الشرسة بين وزير التعليم والبرلمان لم تكن مسك ختام عام صعب مضى، وعام أصعب مقبل، لكنها كانت بكل تأكيد مواجهة ثاقبة، وكاشفة، تأخرت كثيراً، وكشفت أكثر.

أكثر ما تسبب في إطلاق العنان للقيل والقال في أعقاب الجلسة العامة لمجلس النواب (البرلمان) المصري التي تم تخصيصها قبل أيام لمناقشة طلبات الإحاطة الموجهة لوزير التربية والتعليم والتعليم الفني طارق شوقي، عاملان، الأول أن محتوى الجلسة العاصفة أتيح لملايين المصريين عبر "كبسولات" إعلامية تعتمد على اختيار ما يراه الصحافي مهماً، والأخير أنه لا يخلو بيت مصري من طالب أو طالبة، ومعهما ذووهما، الجميع ضالع في العملية التعليمية المدرسية التي تعاني الأمرّين منذ ما يزيد على أربعة عقود.

عقود الأخطاء

عقود طويلة من الأخطاء السياسية وسوء تقدير الأولويات الاقتصادية وإهمال العوامل الاجتماعية مع فتح أبواب التعليم الديني والخاص والدولي على مصاريعها لعلها تخفف الوطأة عن منظومة التعليم الوطنية تجلّت بشفافية صادمة في اتهامات هادرة وجّهها "نواب الشعب" لوزير الشعب، وهي المشكلات نفسها التي يعانيها الوزير على مدار سنوات ترؤسه الوزارة، وتحديداً منذ فبراير (شباط) عام 2017.

فبين غموض مفهوم تطوير التعليم، ونقص عدد المعلمين، وقلة التدريب، وارتفاع كثافة الفصول، والتغذية المدرسية، وتسرب الطلاب، والعلاقة مع أولياء الأمور، وقف شوقي لمدة خمس ساعات كاملة أمام برلمان غاضب يتنافس أعضاؤه في رشقه بشكاوى قالوا إنهم يعرضونها نيابةً عن ملايين الناخبين من أولياء الأمور المتضررين من منظومة التعليم المدرسي، إحدى أكثر المنظومات التي تأثرت سلباً جرّاء عقود التجريف والجمود وانسحاب الدولة من أداء مهامها ومقايضة سوء الإنفاق الحكومي وتبديد الموارد ببقاء النظام وترجيح كفة المصالح الشخصية على الصالح الوطني.

أستاذ الاقتصاد والكاتب الراحل جلال أمين كتب في مقال عنوانه "عن الدروس الخصوصية" (عام 2015) أن "تدهور مستوى التعليم الحكومي له أسباب اقتصادية وسياسية. تتمثل الأولى في عدم مُجاراة أعداد التلاميذ بأعداد ملائمة من المدرسين المدربين تدريباً كافياً، وعدم التوسع في المباني والأدوات المدرسية بالدرجة اللازمة، وكذلك السماح بتدهور وثبات أجور المدرسين بالمقارنة بتطور الأسعار". واعتبر أن هذه المشكلات الاقتصادية ناجمة عن أخطاء سياسية "تتمثل في ترتيب خاطئ للأولويات بالإنفاق الحكومي، ناهيك بتبديد الموارد في مجالات للإنفاق تندرج تحت (الفساد)، أي تقديم المصالح الخاصة والأنانية لمتخذي القرار ومحاسيبهم على تحقيق ما تتطلبه المصلحة العامة، وفي مقدمتها تحقيق مستوى لائق من التعليم".

إرث 4 عقود

إرث عمره أكثر من أربعة عقود من إساءة تحديد الأولويات بالإضافة إلى "خيانة أمانة" كما سماها أمين. فـ"الترتيب الخاطئ للأولويات لا يرجع إلى الجهل، بل إلى نوع من أنواع خيانة الأمانة. كما أنه لا يعكس نقصاً في المعرفة بقدر ما يعكس نقصاً بالأخلاق".

ولأن شروط ومتطلبات العملية التعليمية ليست سراً، فقد سردها الراحل مراراً وتكراراً، وكذلك فعل غيره على مدار عقود طويلة، أعداد كافية من المعلمين، وتدريب جيد ومستمر لهم، ورواتب مُجزية لجذب العناصر الجيدة والإبقاء عليها، والتوسع في المباني والأدوات المدرسية لتتواكب وأعداد الطلاب، وتحديث المناهج وتطويرها بشكل يناسب متطلبات العصر واستشراف المطلوب مستقبلاً، وغيرها الكثير من العوامل المطلوبة والمعروفة للنهوض بالتعليم.

مواجهة شرسة

لكن المواجهة الشرسة في البرلمان المصري لم تعكس فقط شداً وجذباً في هوامش مشكلات العملية التعليمية، أو تربصاً لوزير يناصبه كثيرون العداء لأسباب تتعلق بفهم ما يجري في أروقة التطوير، بل عكست فجوة كبرى وثغرة عظمى بين الوزير من جهة، والمجتمع من أخرى، متمثلاً في ملايين أولياء الأمور، والطلاب والطالبات، والآلاف الصحافيين والإعلاميين والمئات من نواب البرلمان، والعشرات من أعضاء الحكومة يقفون في ضفة غير تلك التي يقف عليها الوزير.

الوزير ذهب إلى مجلس النواب وسط تحفز الجميع، كل لأسباب مختلفة، وعدم إذاعة الجلسة كاملة، بل مجتزأة بعد مونتاج، أو مكتوب بعضها بعناوين تضمن الترند، وتحقق غاية "شاهد قبل الحذف"، بالإضافة إلى تركيز نقاط الاستجواب على هوامش التعليم بديلاً عن قلب التطوير وعقل التحديث جعل المواجهة بالغة السخونة شديدة الاحتقان، ما حقق متابعات رائعة، ومشاهدات مليونية، وهاشتاغات متفجرة، وتعليقات لا أول لها أو آخر، لكن آخر ما تحقق، أو بالأحرى لم يتحقق، هو تقييم ما جرى من تطوير التعليم سلباً وإيجاباً والاطلاع على ما هو قادم لفهمه، ثم مناقشته.

خناقة ووليمة

المناقشة، أو على وجه الدقة "الخناقة"، وفّرت وليمة شهيّة للجميع، باستثناء المهتمين فعلياً بتطوير التعليم. نائبة تسأل الوزير بغرض إحراجه: "كم يبلغ عدد أظافر البطريق؟"، وهي المعلومة الواردة في منهج الصف الرابع الابتدائي المتسبب في كثير من الهرج والمرج بين المصريين، لأنه بات يعتمد على الفهم والتفكير لا الحفظ والتلقين، وهو ما لم تعتده الغالبية المطلقة من المصريين. وثانٍ ينتقد مكونات الوجبة المدرسية. وثالث يرى إلغاءها وإعطاء الفرق للمعلمين لتحسين أوضاعهم المادية. ورابع يطالب باختصار مناهج الصف الرابع الابتدائي التي لا يفهمها المعلم وولي الأمر، وخامس يطالب بإعادة المناهج القديمة المعتمدة على الحفظ. وسادس يطالب بمضاعفة أجور المعلمين، وأخير يتهم الوزارة بنكص وعد تعيين المعلمين بعقود. أما ماهية تطوير التعليم، وتعديل مسار التعلم، فبقيت خارج النقاش!

النقاش الوحيد الذي سلط الضوء على ركن بالغ الأهمية كان نقاش المعلمين، إذ كشفت الجلسة الستار عن أغلب جوانبهم، فحين هاجم النواب الوزير قائلين إن هناك عجزاً بـ120 ألف معلم، باغتهم بقوله، "ليس صحيحاً. العجز 323 ألف معلم".

دقات الترند

هذا العجز الرهيب فجّر ينابيع الترند وزلازل الهاشتاغ، وأشعل غضب الشعب والنواب، لكن الحقائق المتعلقة بسبب الأزمة والحيلولة دون سد العجز، لم تلفت الانتباه كثيراً. وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني تحلم بيوم تتمكن فيه من تعيين آلاف المعلمين برواتب مُجزية، لكن ما يحول دون تحقيق الحلم هو أن الوزارة ليست الجهة المسؤولة عن توفير بند الرواتب، فهي ليست وزارة منتجة للموارد المادية، بل مستهلكة لها.

وزارتا المالية والتخطيط، بالإضافة إلى الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة، وغيرها، هي الجهات المسؤولة عن توفير الأموال. اجتماعات وزارة التربية والتعليم مع الجهات الحكومية الأخرى المسؤولة عن التمويل، والمخاطبات الدائرة رحاها للبحث عن مخرج من أزمة عجز المعلمين وتدني رواتبهم، لم تلقَ أي اهتمام من متابعي الجلسة. حتى محاولة شوقي الخروج من الأزمة باقتراح أن يمضي عدد من خريجي الجامعات فترة تجنيدهم كمعلمين مؤقتين في المدارس، قُوبلت بالرفض الرسمي "لأنها ضد القانون". حقائق تبخّرت في هواء الترند.

هواء الترند محدود

هواء الترند لا يتّسع كذلك للمسكوت عنه، والذي لم يسأل عنه النواب، ولم يتطرق إليه الوزير لحساسيته الشديدة. فجانب غير قليل من المعلمين والمعلمات يشكل جبهة مقاومة شرسة لرؤية الوزير شوقي لتطوير التعليم. الواقع يقول إن الدروس الخصوصية أصبحت منظومة تنافس الوزارة في القوة والتأثير والتوسع، وتتفوق عليها أحياناً. الواقع نفسه يشير إلى أن دخول الغالبية العظمى من المعلمين تعتمد بشكل رئيس على الدروس الخصوصية. أما المنطق والطبيعة البشرية فيجزمان بأن كل ما من شأنه أن يعكر صفو الدخول الإضافية التي باتت أساسية، أو يغير من المنظومة القائمة الملائمة، وإن كانت متهالكة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ضيق ذات اليد

الوزير شوقي يعلم ذلك جيداً، لكن ضيق ذات يد الوزارة، بالإضافة لضيق سعة صدر الوزير، وضيق أفق مفهوم المصلحة العامة لدى قاعدة عريضة من المعلمين، بالإضافة لضيق صبر أولياء الأمور فيما يتعلق بانتظار نواتج التعلم القائم على الفهم لا الحفظ، جميعها أدى إلى الساعات الخمس الساخنة تحت قبة البرلمان.

قبة البرلمان، ومن تحتها، فاتهم الدق على وتر شمولية رؤية تطوير التعليم ومدى مواءمتها مع الإمكانات الموجودة والموارد المتوافرة، وهذا ما كان يستحق المساءلة الأكبر وعلامة الاستفهام الأشمل. رؤية التطوير استشرافية، لكن ملاءمتها للواقع على صعيدي الإمكانات البشرية والموارد المادية ربما يجهضها، أو يتسبب في تنامي العداء المجتمعي تجاهها.

المسكوت عنه

جانب كبير من العداء يحمله المعلمون في قلوبهم. فبالإضافة إلى الإضرار بمصالحهم في الدروس الخصوصية، فالغالبية العظمى منهم نشأ وتعلم وتخرج وتدرب في كنف منظومة التعليم القائمة على الحفظ والتلقين، ولا يعلم سواها. والأدهى من ذلك أن كثيرين يعتبرون التفكير خارج كتاب الوزارة المقرر أو طرح الطالب لسؤال ليس منصوصاً عليه في المنهج أو الإجابة عن أسئلة الامتحان خارج المنصوص عليه في "نموذج الإجابة" مضيعة للوقت.

وبينما الوزير شوقي ونواب الشعب يتناحرون في جلسة هي الأسخن منذ خرج هذا البرلمان، والذي قبله، إلى شبه النور (حيث منع بث جلساته على الهواء منذ سنوات)، كان الملايين من أولياء الأمور، لا سيما الأمهات، يسنّون أسنانهم، ويجهزون شاشات هواتفهم المحمولة للانضمام إلى غزوة التعليم.

"الماميز" الغائب الصاخب

أولياء الأمور، وفي المقدمة "الماميز"، وآلاف المجموعات والصفحات التي تضخ كمّاً رهيباً من الصخب والمناقشات والسجالات الخاصة بتعليم الأبناء والبنات على مدار الساعة على أثير منصات التواصل الاجتماعي، كانوا لاعباً رئيساً غائباً تحت قبة البرلمان في الجلسة الضاربة.

نسبة كبيرة من الأهل تمسك بتلابيب نظام التعليم القديم الذي ظلوا يطالبون بتحديثه على مدار عقود. مطالبات التوقف عن الحفظ والصم وعدم الفهم تحولت في عام 2021 الماضي إلى مطالبات بالتمسك بها ونبذ المنظومة الجديدة القائمة على الفهم والتفكير النقدي.

وبعد أشهر طويلة من اتهام الوزارة بالعشوائية، والوزير بالفوقية، حيث التعليم القائم على التفكير أمر غير مفهوم للغالبية، جاهرت الغالبية بأن غاية المنى والأمل العودة إلى الحفظ واستعادة "الإجابة النموذجية" وإحراز درجات مئة وواحد في المئة حتى ينجح الصغير في الالتحاق بكلية من كليات القمة!

قمة الهزل في الجلسة الأسخن على مدار عام 2021، وربما منذ انعقدت أولى جلسات البرلمان في "الجمهورية الثالثة" كانت الغياب التام لما تحاول وزارة التربية والتعليم الحالية زرعه في طول مدارس البلاد وعرضها، وهو تغيير "فلسفة المناهج".

يقول الوزير، "التفكير النقدي في المنهج الجديد"، فيرد النائب، "الأولاد يجدون صعوبة في الحفظ". يقول الوزير، "بناء الشخصية القادرة على التفكير لنفسها"، فيعترض النائب لأن "أولياء الأمور عجزوا عن مساعدة أبنائهم في حفظ طريقة التفكير المطلوبة". يقول الوزير إن "منظومة التطوير الجديدة من شأنها أن تضع الطالب المصري على قدم المساواة مع أي طالب في نظام تعليم قائم على التفكير"، فتباغته النائبة متساءلة عن "عدد أظافر البطريق".

أظافر البطريق

أظافر البطريق وجدت صدى هائلاً لدى وسائل الإعلام المرئي والمكتوب بشقيه الورقي والإلكتروني، وبالطبع في منصات التواصل الاجتماعي التي انتعشت ونشطت بفعل هاشتاغ "أظافر البطريق". كما نالت كلمة "لعبة" من حظ الترند والهاشتاغ جانباً. فحين تواترت أسئلة النواب الغاضبة للوزير عن وقوع حالات تسمم لطلاب في ثلاث محافظات نتيجة تناول وجبات التغذية المدرسية، قال شوقي، "لا يوجد تقرير رسمي واحد يؤكد حدوث تسمم، كما أن وزارة التربية والتعليم جهة مستقبلة للوجبات، وليست مُصدّرة لها، ويُسأل عن الوجبات وزارة الصحة والسكان". فما كان من بعض النواب إلا أن طرحوا مزيداً من الأسئلة الغاضبة والاتهامات المباشرة للوزير. وهنا قال الوزير، "إنه لا يريد أن يدخل لعبة المقاطعات والاتهامات". ووصل الأمر لدرجة أن طالب البرلمان الحكومة بالاعتذار عن كلمة "لعبة".

أصداء الجلسة الساخنة والبطريق وأظافره واللعبة والحكومة والبرلمان انتقلت من 2021 إلى 2022 بكل سلاسة، لكن ما بقي عصياً على الانتقال ومرسخاً للفجوة العميقة بين الوزارة والمجتمع هو ماهية تطوير التعليم. فلا البرلمان يضع فهم المنظومة كأولوية، ولا الأهل قادرون على استيعاب الفكرة وخوض التحدي والصبر على المردود، ولا المعلمون متحلون بروح المصلحة العامة واعتبار التغيير سنة الحياة وضرورة النهضة، ولا الحكومة مدركة لحقيقة أن التطوير ليس مجرد فكرة، بل إمكانات يجب توافرها، وموارد ينبغي إتاحتها، ولا الإعلام قادر على تغليب المحتوى على صناعة الترند أو توصيل الفكرة أكثر من سخونة "شاهد قبل الحذف"، ولا الوزير  قادر على التخلي عن عصبيته أو تعديل لغة الجسد الغاضبة أو ترويض دواخل الوزارة التي تسير تارة ضد تيار التحديث، وأخرى للتشبث بتلابيب القديم.