نزاع شيعي - كردي يفاقم الضغوط على رئيس الوزراء العراقي

اتهام "كُردستان العراق" بتصدير النفط خارج الاتفاقيات المعمول بها مع الحكومة المركزية

اجتماع بين عبد المهدي ورئيس إقليم كردستان نيجيرفان بازاني في بغداد (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)

تصاعدت خلال الأسبوع الماضي الضغوط على رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، والتي تركزت على مسألة صادرات إقليم كُردستان من النفط، إذ طالبته القوى السياسية الشيعية الرئيسة بمزيد من التشدد والمراقبة على صادرات الإقليم النفطية، وعدم منح الإقليم أي مبالغ من حصته من الميزانية العامة، ما لم يلتزم بند قانون الموازنة العامة الذي يفرض عليه تسليم كمية ربع مليون برميل يومياً إلى الحكومة المركزية، ليُصدَّر عبر شركة التصدير الوطنية (سومو).
شدّدت حكومة إقليم كُردستان والقوى السياسية الرئيسة في الإقليم على التزامها ما تم الاتفاق عليه سابقاً مع الحكومة المركزية، بالذات في ما يخص تسليم النفط، مذكرين بأن القوى المركزية إنما تسعى فقط إلى تعكير العلاقة الإيجابية بين الحكومة المركزية ونظيرتها في إقليم كُردستان العراق.

 

إستراتيجية العبادي
 

وظهر رئيس الوزراء العراقي السابق، زعيم "ائتلاف النصر" البرلماني حيدر العبادي وكأنه يقود تلك الحملة على رئيس الوزراء، إذ أصدرت "كتلة النصر" البرلمانية الثلاثاء الماضي (25/06/2019) بياناً خاصاً بالأمر، مُحملةً عبد المهدي كامل المسؤولية عن امتناع إقليم كُردستان تسليم الكمية المُتفق عليها من صادرات إقليم النفطية. واعتبر بيان الكتلة أن ما يجري هو خرق لقانون الموازنة الاتحادية، وذكّر أن "الاستمرار بالخروق والتراجع والضعف الحكومي سيدفع بكتلة النصر إلى إعلان المعارضة الكلية للحكومة ويطالب بحلها وتشكيل حكومة جديدة قادرة على النهوض بمسؤولياتها الوطنية".
وقلّل مراقبون كرد من أهمية هذا التصعيد الذي يقوده "ائتلاف النصر"، مُذكرين بأن عدد الأعضاء الفعليين المنضوين ضمن هذه القائمة لا يتجاوزون الـ 10 نواب، وأن أكثرية الأعضاء السابقين لائتلاف النصر صاروا أعضاءً في كتل نيابية أخرى. لكن القراءة السياسية لموقف "ائتلاف النصر"، ذهبت إلى القول إن رئيس الائتلاف إنما يتقصد من وراء هذه الحملة تحقيق ثلاث غايات متكاملة، فهي أولاً جزء من مساعي العبادي الحثيثة للتشكيك في قدرات رئيس الوزراء الحالي، وصولاً إلى مستوى إخراجه من رئاسة الوزراء، وبالتالي خلق المناخات قد تُعيد الأول إلى المنصب.
من جانب آخر، يهدف العبادي إلى تذكير القوى السياسية العراقية بنهجه المُتشدد في العلاقة مع إقليم كُردستان، طوال سنوات حُكمه، وبالتالي شد عصب قومي طائفي موالٍ له ضمن مجلس النواب، لتعويض تفتت كُتلته النيابية. أخيراً، أشار مراقبون إلى سعي العبادي إلى كسر العلاقة الإيجابية بين الإقليم ورئيس الوزراء الحالي، الذي لا يملك كتلةً نيابية، ويُعدّ كُردستان أبرز حلفائه السياسيين، وفي حال فقد دعم الإقليم، فيكون قد خسر أبرز مكامن قوته البرلمانية.
 

مساءلة برلمانية
 

كذلك تواصلت الضغوط على رئيس الوزراء من بقية الكُتل البرلمانية الشيعية، إذ اتهم "تحالف الفتح"، الذي يُعتبر الجناح السياسي لفصائل "الحشد الشعبي"، "كُردستان العراق" بتصدير النفط، خارج الاتفاقيات المعمول بها مع الحكومة المركزية، مذكراً بأن كميات كبيرة من نفط الإقليم تُصدّر عبر ميناء جيهان التُركي، من دون علم الحكومة المركزية.
هذه التصريحات المتواصلة من الكُتل، دفعت لجنة الطاقة النيابية، المؤلفة بأغلبيتها من برلمانيين من هذه الأحزاب، إلى اتهام إقليم كُردستان العراق بالتلاعب بعدّادات أنبوب الصادرات النفطية، مضيفةً أن الإقليم يمتنع عن استقبال أي وفد حكومي أو برلماني للاطلاع على عدادات التصدير. كذلك لوّحت اللجنة إلى إمكان عرض طلب مساءلة برلمانية لوزير النفط ثامر الغضبان، ليوضح موقف الحكومة من هذا الأمر، وبشكل نهائي.
في المقابل، نفى رئيس إقليم كُردستان العراق نيجيرفان بارزاني اتهامات لجنة الطاقة النيابية، مُعلناً استعداد الإقليم لاستقبال لجنة برلمانية للاطلاع على آليات بيع النفط وإيراداته، منبهاً إلى أن صادرات الإقليم تخضع بالكامل لإشراف شركات عالمية مُتخصّصة. تصريحات بارزاني جاءت بعد اجتماعات موسعة أجراها خلال أولى زيارته إلى العاصمة بغداد بعد انتخابه رئيساً للإقليم. وتحديداً خلال لقائه رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، حيث جرى التركيز على مسألة قانونَي النفط والغاز وقانون انتخابات مجالس المُحافظات، إذ أكد بارزاني تقديمه خطةً متكاملة لتطوير العلاقة بين الإقليم والحكومة المركزية.
من جهة أخرى، أكدت كُتلة الجيل الجديد البرلمانية الكُردية المعارِضة، رفضها مقترح رئيس إقليم كُردستان العراق بشأن اللجنة البرلمانية والحكومية لمراقبة صادرات الإقليم، إذ طالبت الكتلة من حكومة الإقليم تسليم الكمية المُتفق عليها مع الحكومة المركزية، من دون أي مسعى إلى تعويم المسألة بغرض إعادة التفاوض. وتطابقت مواقف الكتلة الكردية المعارضة مع مواقف القوى السياسية الشيعية في الضغط على رئيس الوزراء.

 

 
 
الردود الكُردية

 

وأوضح نيجيرفان بارزاني موقف كردستان من المسألة المطروحة، مشيراً إلى أن لا مُشكلة لدى الإقليم في تسليم 250 ألف برميل من النفط يومياً إلى الحكومة المركزية، وفق قانون الموازنة العامة. لكن بارزاني أشار إلى أن مفاوضات تفصيلية يجب أن تسبق ذلك بين الطرفين، في تذكير بملف "ديون شركات النفط العالمية" المتوجبة على إقليم كُردستان. وتُدفع هذه الديون عادة من قيمة الصادرات النفطية، وفي حال "استولت" الحكومة المركزية على صادرات نفط الإقليم، فيجب أن تلتزم دفع ديون الإقليم للشركات النفطية.
وطرح رئيس الإقليم أكثر من مسار يُمكن أن تتعاون حكومة الإقليم فيه مع الحكومة المركزية، وتحديداً ما يتعلق بتصدير نفط محافظة كركوك الذي تشرف عليه الحكومة المركزية عبر أنبوب النفط في إقليم كُردستان العراق، مشدداً على أن قطع الحكومة المركزية حصة الإقليم من الميزانية المركزية هو ما دفع إلى تراكم ديون الشركات النفطية العالمية على الإقليم.
نائب رئيس الوزراء ووزير المالية العراقي فؤاد حسين، الوزير الكُردي السيادي في الحكومة المركزية، شكك في صدقية الحملات السياسية التي تستهدف علاقة الإقليم مع الحكومة المركزية، مذكراً بأن الحكومة المركزية سلمت الإقليم أقل من نصف حصتها من الميزانية العامة، المُقدّرة بحوالى عشرة تريليون دينار عراقي (حوالى ثمانية مليارات دولار)، مُضيفاً أن ما تم تسليمه للإقليم هو مُجرد رواتب موظفي الإقليم، هذه الرواتب التي في حال قُطعت بسبب أي خلاف سياسي بين القوى السياسية، وتحديداً بين القوى المركزية ونظيرتها في إقليم كُردستان، فإنها تُعتبر بمثابة إخلاء للتوافق الذي أُقرّ على أساسه قانون الموازنة، حيث افترضت فصل موضوع رواتب موظفي الإقليم عن أي خلاف سياسي، بحسب تصريحات وزير المالية.

 

تطلع رئيس الوزراء

​​​​​​​
رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي أجرى مباحثات مطولة مع رئيس إقليم كُردستان بهذا الشأن خلال الأسبوع، أشار بعدها إلى أنه كان واضحاً وصريحاً مع رئيس الإقليم، وأن مداولاته تناولت بالأرقام والتفاصيل مسألتَي الخلاف النفطي وقضية كركوك، مُشدداً على أن الجانبين توافقا على تشكيل فريق فنّي مُتخصّص، بوضع التصورات والحلول للمسائل العالقة.
وأكد مصدر مقرب من رئيس الوزراء لـ "اندبندنت عربية" تطلع الأخير إلى خطوة إيجابية من إقليم كُردستان، ليتمكن عبرها من تحقيق خطوتين عمليتين، أولاها تتعلق بزيارته السياسية الأولى إلى الإقليم، لتجاوز كل التبعات الرمزية والسياسية التي نتجت من استفتاء الاستقلال الذي أجراه الإقليم في 25 سبتمبر (أيلول) 2017. والثانية ليرد بها رئيس الوزراء على الحملات التي تستهدفه من قِبل القوى السياسية المركزية، التي منحته الثقة البرلمانية فقط بعد عدم تمكنها من التوافق في ما بينها على اسم رئيس للوزراء يكون من إحداها، التزاماً بضغوط القوى الإقليمية الراعية لهذه القوى المركزية. 

المزيد من