Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مايرهولد ظل مشاكسا حتى رصاصات ستالين الأخيرة

صاحب تجديدات "المسرح المسرحي" الذي اختفى فجأة بعد سنوات من النضال في سبيل عروض فرجة

بورتريه لفسيفولد مايرهولد (موسوعة الأدباء الروس)

قد يكون برتولد بريخت معذوراً في تغييب أي ذكر لصديقه القديم فسيفولد مايرهولد في يومياته، منذ آخر صفحة ذكره فيها وتعود إلى عام 1939 حيث يكتفي بالقول بأن "أخبار مايرهولد تبدو غائبة تماماً" و"لا نعرف شيئاً عما حدث له". فالحقيقة أن السلطات السوفياتية لن تعترف باعتقالها المخرج المسرحي الكبير وتعذيبه ومن ثم اغتياله رمياً بالرصاص في معسكر الاعتقال إلا بعد عامين من رحيل ستالين معيدة إليه اعتباره حقوقياً، من طريق المحكمة العليا؛ كما أنها لن تعيد إليه اعتباره فنياً إلا في عام 1988 حين جرى الاعتراف بما حدث له وبالطريقة القبيحة التي أعدم بها، كما أزيح الستار عن رسالة كان بعث بها من قلب زنزانته إلى "مفوض الشعب لشؤون الخارجية" مولوتوف يروي فيها كل ما حصل له وضروب التعذيب الوحشية التي تعرض لها. وهي رسالة يبدو أنها لم تصل أبداً إلى مولوتوف. قد يكون بريخت معذوراً إذاً. ولكن كثر كانوا يعرفون ما حدث لمايرهولد في ذلك الحين، لكنهم كانوا يعتقدون أن اعتقاله واحتمال اغتياله إنما كانا لأن السلطات طفح الكيل بها إزاء نزعته الشكلانية ونزوعه إلى المسرح "المسرحي" الذي ظل يمارسه عقدين من السنين وأكثر فيما السلطات تنبهه إلى أن العمال لا يفهمون عليه. طبعاً لن يفوّت مايرهولد فرصة لإثبات العكس كما سنرى بعد سطور، ولكن بعد أن نوضح السبب الحقيقي الذي أدى إلى التعجيل بنهايته فيما كان لا يزال في الخامسة والستين وفي عز عطائه الإبداعي وقمة مكانته العالمية.

ضحية الاتفاق مع هتلر؟

فالحال أننا إذا صدقنا ما يرويه الموسيقي شوستاكوفيتش في مذكراته التي صدرت بعد موته وقد هُربت إلى الغرب، سنرى كيف وقع عدد لا بأس به من مبدعين سوفيات ضحية للتقارب الألماني النازي والاشتراكي الستاليني في عام 1939 عشية الحرب العالمية الثانية. وكان مايرهولد من بينهم. فباكراً في ذلك العام وكان مايرهولد يجهل مجريات السياسة العليا وخفاياها، اشتغل مع صديقه الموسيقي سيرغاي بروكوفييف على عرض مسرحي أوبرالي أراد أن يقول من خلاله إن الألمان شعب همجي يحتل أوكرانيا. ولكن أواسط صيف ذلك العام وقّع ستالين اتفاقية عدم اعتداء مع هتلر. وكتمهيد لذلك التوقيع أمر سيد الكرملين بمنع أي عرض يبدي عداء للحلفاء الجدد بل باعتقال من يعندون في ذلك. وهكذا اعتقل مايرهولد أول ذلك الصيف. وفتح ملفه بالتأكيد وسيكون ما كان: تراكمت التهم ضده وتراكمت ضروب التعذيب حتى اختفت آثاره. بل حتى تم اغتيال زوجته بعد شهور قليلة. أخيراً إذاً تخلصت السلطات السوفياتية من مشاكس عنيد سخر فنه وثقافته وموهبته، بل دهاءه حتى للالتفاف على القواعد الفنية الرسمية التي كان كثيراً ما يخرقها. ومن ذلك أنه ذات مرة وجد نفسه متهماً من قبل الرقابة بأن الفن الإخراجي الذي يمارسه والذي سماه "المسرح المسرحي" و"الأسلوب الميكانيكي" الذي يبدّي الأشكال المسرحية الشكلانية على مضمون النصوص حتى وإن اجتذب جمهوراً في المدن فإنه غير مفهوم لأبناء الطبقة العاملة، فما كان منه إلا أن انتقل بفرقته وديكوراته ومهرجيه وأساليبه المنوعة إلى معاقل عمال بناء السفن والمناجم وعمال السكك الحديدية ليعرض أعماله بنجاحات فاقت التوقعات!

فنان استثنائي

بكل تأكيد كان فسيفولد مايرهولد (1874 – 1940) حالة استثنائية بل حالة في منتهى الجرأة في تاريخ المسرح. وهو دفع الثمن غالياً، لكنه قبل أن يدفع ذلك الثمن، كان لديه من الوقت ما يكفيه لكي يعيد إلى الإخراج المسرحي، والسينمائي في بعض الأحيان، قيمة كان قد هذان قد بدآ يفقدانها لحساب "الرسائل السياسية" و"المضمون" و"استخدام المسرح في النضالات"، وهي أمور مايرهولد أمضى الجزء الأكبر من حياته يحاربها. ولئن كان مايرهولد واحداً من الذين آمنوا بثورة 1917 البلشفية وسرعان ما خيبت سياسات سلطات تلك الثورة آماله وأحبطت أحلامه، فإنه كان قد بدأ نشاطاته المسرحية باكراً ومنذ 1898 حين قيض له أن يضحي جزءاً من الحراك المسرحي والثقافي الذي يتحلق من حول "مسرح الفن" في موسكو ومن حول تجديدات قسطنطين ستانيسلافسكي الذي أخذه تحت جناحه، معطياً إياه أدواراً جيدة في عدد من مسرحياته الاجتماعية الواقعية كممثل. لكن مايرهولد كان يتطلع إلى ما هو أكثر من ذلك: كان يتطلع إلى إحداث ثورة في فن الإخراج المسرحي تعطي هذا الفن أسبقية على كل ما عداه. وهكذا وبالتوازي مع الآمال التي بعثتها لديه ثورة 1905 التي مهدت لثورة 1917، تخلى مايرهولد عن أي ارتباط بـ"مسرح الفن" ليتجه صوب مسرح رمزي ربطه مباشرة بتيار يبتعد تماماً عن واقعية ستانيسلافسكي السيكولوجية ويقربه إلى عتاة المسرح الجديد من طينة إبسن (في مرحلته الشاعرية) وماترلنك وحتى كنوت هامسن والنمساوي آرثر شنيتزلر. وهكذا أسس مايرهولد "فرقة الدراما الجديدة" وراح يدور في الأرياف متنقلاً بأعمال تجمع بين الكوميديا ديل آرتي وألعاب السيرك والموسيقى والغناء والتهريج. ولسوف يواصل المخرج الشاب تلك الممارسات "المسرحوية" الخالصة حتى عام 1908 وفي مسرح وفرقة فيرا كوميسارجيفسكايا حيث قدم عروضاً صاخبة ضجت بها بطرسبورغ ومنها "الأخت بياتريس" لماترلنك و"كوخ المعرض" لألكسندر بلوك.

إمكانات غير محدودة

صحيح أن مايرهولد لن يلبث أن يترك هذه الفرقة لخلافه من جديد مع صاحبتها التي شعرت بأنه يعطي أهمية فائقة للعناصر غير التمثيلية ما يهدد فن الممثل نفسه والذي كان أستاذهما ستانيسلافنسكي قد أوصله إلى ذروة غير مسبوقة. لكن مايرهولد لم يبق من دون عمل إذ ها هو سيستدعى من قبل هيئة المسارح الإمبراطورية في سانت بطرسبرغ ليكلف بإخراج عروض لتلك المسارح أعطي الحرية التامة في العمل عليها ووفرت له إمكانات ضخمة تناسب تطلعاته إلى المسرح الشامل الذي يتوق إلى فرضه، وبالتحديد إلى أساليب مستقاة من الفرجة الإيطالية واليابانية كمسرح النو والكابوكي والكوميديا ديل آرتي. وعلى هذا النحو تمكن من أن يجعل تقديمه لـ"تريستان وإيزولت" لفاغنر ثم "دون جوان" لموليير، فـ"الحفل المقنع" لليرمنتوف علامات تجديدية في تاريخ المسرح الروسي... ولسوف يقول حتى هنا مع النجاحات الكبيرة التي حققها أنه لا يشعر بعد بالرضا التام عن نشاطه. وسيقوده هذا "القلق" الإبداعي ما إن قامت ثورة 1917 إلى الإنضمام إليها محاولاً أن يضافر بين التجديدات السياسية وتجديداته الإبداعية. وهو وجد ضالته لدى ماياكوفسكي الذي سيرتبط معه مخرجاً لمسرحياته ومسؤولاً عن الجوانب الشكلانية في تلك الكتابات التي رفدت المسرح بما سيعتبر معادلة ذهبية. لكن الأمور لن تكون بالطبع على مثل تلك البساطة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ستالين يكشر عن أنيابه

فالثورة سرعان ما كشرت عن أنيابها مطالبة مايرهولد كما غيره من المتحمسين للفن والثورة في آن معاً، بالعودة إلى كلاسيكيات مسرحية تربط بين "الاشتراكية والميلودراما للترفيه عن الطبقات العاملة"، بعيداً من تلك "النزعة النخبوية" التي هيمنت مثلاً على التقديم الغريب والتجريبي لمسرحية "ميستري بوف" حتى وإن كان كبار المبدعين قد اعتبروا أن ماياكوفسكي ككاتب ومايرهولد كمخرج أوصلا الثورة المسرحية إلى ذروة في هذا العمل! وتحديداً انطلاقاً من مبدأ بدا قاسماً مشتركاً بينهما فحواه أن "المسرح ليس مرآة بل زجاجة مكبرة تنقل الصورة التي يريد مبدعوه إيصالها". ومن هنا ستلوح خيبة الأمل كبيرة بخاصة لدى مايرهولد الذي كان قد أعلن حين تعيينه مفوض شعب لشؤون التربية خلال الأعوام الأولى التي تلت الثورة عن ولادة "أكتوبر مسرحي" تيمناً بأكتوبر الثورة. ولئن كانت حماسة مايرهولد قد راحت تتضاءل عاماً بعد عام، وغضبه يتفاقم وهو يرى طوال العقد التالي رفاقه المبدعين يضطهدون وينفون وينتحرون (ماياكوفسكي ويسينين بخاصة). وهكذا أطل عليه العقد الأخير من حياته، بين 1930 و1939 ليجد نفسه موضع حذر أولاً ثم عاطلاً من العمل بأمر من ستالين بعد ذلك، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن ستانسلافسكي قد أخذته الرأفة به فأسند إليه إخراجاً أوبرالياً في مسرح الفن، غير أن طاقة مايرهولد الإبداعية كانت قد نفدت كما نفد صبر النظام تجاهه فكانت نهايته على الشكل الذي تحدثنا عنه أول هذا الكلام.

المزيد من ثقافة