Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سيلبي وين شوارتز وصرخة النساء التي لا تخفت بالتقادم

الروائية البريطانية تقتحم لائحة بوكر بجرأة متحدية الذكورية التاريخية

الروائية البريطانية سيبلي وين شوارتز (صفحة الكاتبة - فيسبوك)

حين منح الإنسان الأول ملكة تسمية الأشجار والطيور والحيوانات والبهائم لم يجد بينها ما يشبهه، فاعترته الوحشة وتاقت نفسه إلى الونس، إلى أن أعياه التوق، فسقط في نوم عميق يشبه التخدير. وفي الأثناء، اقتطع البارئ من أحد أضلاعه لحماً ودماً وعظاماً، لتشكيل المرأة الأولى عبر جراحة لم يتسنَّ له أن يراها بعينيه، وإن كان بوسعه تحسسها في تلك الرغبة الملحة في الالتصاق بالمرأة، أملاً في استعادة ضلعه المفقود، لكن الفردوس الذي فقداه معاً لم يسعَ أي منهما إلى استرداده قط، كما لم يحسنا استخدام غرائزهما لتعويضه على الأرض، بعد أن استأثر هو فيها بنصيب الأسد، واستمرأت هي دور الضحية.

وعلى الرغم من قدم القضية وندرة الأصوات النسائية التي تمردت على هذا الشرط المخزي فقد أثبتت هذه الأصوات عبر تاريخها، أنها من ذلك النوع الذي لا يسقط بالتقادم. مع كل مولود أنثى، ومهما اختلف الزمان والمكان، تتجدد الصرخة من تلقاء نفسها بانضمام صوت جديد إلى الجوقة الغاضبة على درب التمرد.

رماد فوق رماد 

 

في رواية "بعد سافو" (After Sappho) للكاتبة سيلبي وين شوارتز المرشحة في القائمة الطويلة لجائزة بوكر 2022، نلتقي بعدد لا بأس به منهن، تحملن عبء الانفصال عن القطيع من أجل مسارات متباينة. في عام 1892، استبدلت الشاعرة والكاتبة رينا فاكيو سن الإبرة بالقلم، وكانت تبلغ من العمر 12 سنة حين اغتصبها أحد موظفي والدها وأجبرت على الزواج والإنجاب منه. وعلى الرغم من أن ابنها كان محور حياتها فقد حاولت الانتحار هرباً من ذلك الإحساس المزري باغتصابها المتكرر في الزواج من هذا الصنف من الرجال. إلى أن قرأت كتاب غوغليلمو فيريرو "شباب أوروبا"، الذي وصف الزواج كعقوبة بالسجن، فإذا بحياتها الكابية تتسلل إليها بذور المقاومة، وتقرر تغيير اسمها وإلى جانبه حياتها بأكملها.

عام 1902 أبحرت الرسامة الأميركية رومين بروكس إلى كابري وليس معها أي رصيد يبقيها يوماً على قيد الحياة، سوى أجرة العبارة التي ستقلها إلى معتزلها، فضلاً عن فراشات من رسمها، وهي ناحلة بالألوان المتخثرة عليها، ولكنها كانت على ثقة بقدرتها على بيع لوحاتها في تلك الجزيرة البعيدة عن ماضيها المثقل بالمعاناة. مع اندلاع الحرب العالمية الأولى قامت رومين مع زميلتها المصورة إيدا روبنشتاين بقيادة سيارات الإسعاف إلى الجبهة الفرنسية، وبعد ذلك، وبسبب الصدمة لا شك، أخذتا ترسمان الواحدة الأخرى، "بدأت رومين ترسم إيدا، وعيناها الغائرتان تتجهان إلى الأفق، واقفة أمام أنقاض إيبرس الدخانية بالصليب الأحمر على كتفها. ماذا ترين من بعد؟ سألتها، ردت رومين (رماد فوق رماد، ولا سبيل للعودة)". وفي عام 1923 كتبت فيرجينيا وولف، "أريد أن أجعل الحياة أكثر امتلاءً"، لكن الحياة الفارغة لم تكن لتمتلئ بالأمنيات فحسب، فإذا بها تقرر بحسم أن تسلم الجسد المحبط لمياه النهر.

حكاية مع الزمان

 

أكثر ما يثير السخرية في انتشار بدعة النقاب في العصر الراهن هو التبجح بإطلاق لقب الحرائر على نوع من النساء تم التغرير بهن للرجوع بالمرأة إلى عصور قديمة، ولكن ما أبعد حرائر اليوم عن حرائر الأمس، كما يتضح لنا من السير الموزعة في كتاب شوارتز على شكل مقالات قصيرة تشبه الشذرات. لقد كن رائدات بحق، سواء بنضالهن الشرس ضد الحدود المفروضة على المرأة، أو بحبهن لجميع النساء وتضحيتهن من أجلهن ليعشن حياة طبيعية تمليها عليهن الفطرة السليمة، "ماذا كنا نريد؟ بادئ ذي بدء، أردنا ما حصل عليه نصف السكان بمجرد ولادتهم".

على الرغم من عدالة القضية بما لا يدع مجالاً للشك أو لاعتراض المعترضين فقد قدر لها أن تظل عالقة من دون تقدم ملحوظ في سجل التاريخ. وحين يتم استنهاضها من تحت الأنقاض تلجأ الرواية في معظم الأحيان إلى العودة بالزمن للوراء، كما لو أن المرأة في الوقت الحاضر لم تفقد حريتها فحسب، بل ابتلعت لسانها أيضاً، ما يجعلها في حاجة ماسة إلى التوقف مؤقتاً، للتعلم من غرائز الأسلاف، كما نستخلص من كلام وولف، أحد الأصوات في تلك الجوقة، "لم أولد في 25 يناير (كانون الثاني) 1882، بل ولدت منذ آلاف السنين، وكل ما اكتسبته من غرائز تعود إلى آلاف من النساء واجهنها قبلي". من هذا المنطلق ارتأت شوارتز ضرورة الحكي بالضمير "نحن"، ليشمل جميع النساء اللائي تمردن على تلك السيادة الغاشمة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هكذا تتقدم الحكاية من خلال الأجزاء، كل جزء يمثل سيرة لواحدة من هؤلاء، فإذا بالزمن يمضي من تجربة إلى تجربة دافعاً تاريخ المرأة من ثمانينيات القرن التاسع عشر في إيطاليا، التي سافرت إليها الطفلة التي ستكبر لتصبح الشاعرة الإيطالية لينا بوليتي في لفتها المبطنة، ثم إلى باريس ولندن في عشرينيات القرن الماضي.

 

عبر هذا المسار نلتقي ناتالي بارني ورومين بروكس وسارة برنهارد وإيزادورا دنكان ونانسي كونارد وجيرترود شتاين ورادكليف هول وغيرهن من النساء، بعضهن مشهورات، والبعض الآخر غير معروف حتى الآن، يشاركن في جوقة شرسة وشاعرية، غاضبة ومضحكة، للاحتفال بالرائدات من نساء الماضي، الأكثر جرأة وشراسة من نساء اليوم. وإن كانت بوليتي من بينهن، فهي النموذج الأمثل واكتشاف شوارتز العظيم، سواء في تغييرها لهيئتها، أو أفق رؤيتها، "شخص ما سيتذكرنا أقول، حتى لو في زمن آخر".

تمثل سافو هنا صيرورة المرأة التي حثت الفتيات على الجلوس في الأشجار، باختيار أعلى الأغصان ملاذاً، فلا يكون بوسع أقدام الرجال الدوس عليه. وهي تعمل إلى جانب فكرة التراكم على التئام الأجزاء المنفصلة في نوع من الديمومة لتلك الدراما الإنسانية التي كلما تحركت خطوة للأمام عادت خطوتين للوراء، والتي تبدأها شوارتز بتلك العبارة، "أول شيء فعلناه هو تغيير أسمائنا. كنا على وشك أن نصبح سافو" بعد قرون من صرخة الشاعرة اليونانية، لتمثل سافو في كل فصل شخصاً مختلفاً منا. وهو ما يقودها إلى السؤال، هل النسوية في الوقت الحاضر مدينة أكثر لسافو أم لكاساندرا، نبية طروادة، المحكوم عليها بعدم التصديق، حتى عندما تنبأت بمستقبل رهيب بدقة مروعة؟ وإلى صوت من نصغي؟ يبدو صوت سافو أكثر إغواء للضمير الجمعي، مما يجعل شوارتز تخشى علينا من أن ننسى كاساندرا، صوت الدمار والخطر، والمستقبل الذي يكتسحنا على غير استعداد له. من خلال وضع الاثنتين الواحدة قبالة الأخرى، تسأل شوارتز عن نوع القوة التي يمكن أن نكتشفها في رواية القصص الجماعية، وتجد أننا لا يمكننا تجاهل صوت الهلاك. "أردنا قصصاً تدور أحداثها عنا مثل الأسطح المتلألئة، تعكس آمالنا وتصقلها. ألم يأت زمن في نهاية المطاف لنصبح صافو؟".

ناشرون مترددون

 

"بعد سافو" هو العمل الروائي الأول لشوارتز، وكان طبيعياً جداً أن ترفضه دور النشر الكبرى لجرأته وكسره القالب الروائي التقليدي، على الرغم من حقيقة أنه لا يوسع كثيراً من إمكانات الرواية. لهذا أعربت شوارتز عن تقديرها لمؤسسي دار غالي بيغار لأنهم قرروا أنها رواية بالفعل، وكذلك لأعضاء لجنة تحكيم جائزة البوكر الذين بدورهم نالوا كثيراً من الاستحسان باختيارهم هذا العمل الجريء ضمن قائمتهم الطويلة، غير مكترثين بالبناء السردي المتشظي. الأمر نفسه تكرر مع عدة روايات كان لدار غالي بيغار فضل نشرها بعد أن رفضتها دور نشر عدة. وليس أدل على ذلك من رواية إيمير ماكبرايد "الفتاة هي شيء نصف مشكل" التي لم تشهد النور إلا بعد عقد من كتابتها. وعلى الرغم من ذلك فازت بجائزة غولدسميث، وأدرجت في كثير من القوائم.

وكذلك رواية "نحن أولئك الشباب" للكاتبة الهندية بريتي تانيجا الفائزة بجائزة ديزموند إليوت. وهو ما يذكرنا بما حدث مع رواية "أونا دونا" لسيبيلا أليرامو التي اضطرت إلى نشرها في دار صغيرة في تورينو، وتفاجأت دور نشر كبرى بعد أن رفضتها بحشود من القراء يستنفدون جميع النسخ في زمن قياسي. وبصفة دور النشر مؤسسات تجارية ذكية، تراجعت للفور عن رفضها الأول وسعت للحصول على حقوق إعادة طبع الرواية. لا أظن أننا بمنأى عن هذا، فدور النشر لدينا أكثر حرصاً على عدم خوض مغامرات غير مأمونة، وإن كنت أشك في أمل العثور على دار نشر مثل غالي بيغار، في وسعها أن تتحمل المجازفة.

المزيد من ثقافة