Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رؤساء لبنان مادة دسمة للكاريكاتير

شكّل هذا الفن الذي أسهم في ترسيخ الحرية والدفاع عنها بعداً صحافياً سياسياً بالمشهد وبات روزنامة وأرشيفاً ضخمين

"رؤساء لبنان من شارل حلو إلى شارل دباس" بريشة بيار صادق (النهار) 

منذ إعلان دولة لبنان الكبير في الأول من سبتمبر (أيلول) 1920، كان رأس السلطة ورمزها في ملعب رسم الكاريكاتير الوافد حديثاً إلى ربوع الوطن الجديد. فعلى الرغم من إلغاء سلطات الانتداب الفرنسي قانون المطبوعات الذي أصدرته السلطنة العثمانية في 1908، وفرضها في 1924 أحكاماً صارمة على المطبوعات وأصحابها، فتحت جريدة "المعرض" ومؤسسها ميشال زكور، ابتداءً من عام 1925، معركة مع الحاكم الفرنسي ليون كايلا. وقد تركزت الحملة في هذه المطبوعة الجديدة التي اعتمدت رسم الكاريكاتير على انتقاد الموقف "العدائي للحاكم الفرنسي تجاه الشعب اللبناني وإهماله مسألة الأمن على الحدود وتدخلاته في الانتخابات النيابية"، وفق إسكندر نجار في "قاموس لبنان". وفيما أغاظ ذلك كايلا، ودفعه إلى مضايقة "المعرض" وزكور، اللذين نجيا عندما أبعد الحاكم الفرنسي عن لبنان، أسهمت هذه التجربة المعارضة في ذيوع صيت "الفتى المخيف"، "أسد الشياح"، وانتشار شعبيته. وبعد أن أخفق أمين نقابة الصحافة (1922-1924) في الوصول إلى البرلمان في 1925، مع وجود كايلا في بيروت، استطاع الفوز في 1929 و1934، وصار فيما بعد وزيراً، لكنه توفي في عمر 42 عاماً.

ووفدت إلى هذا المضمار في عام 1923 صحيفة منافسة لـ"المعرض" هي "الدبور" التي أسسها الكاتب اللاذع يوسف مكرزل بعد أن صقل تجربته في القاهرة. وحشد مكرزل في صحيفته عدداً من الرسامين الموهوبين الذين عمل بعضهم في مصر وسوريا، إذ أسهموا في نجاح تجارب صحافية كاريكاتيرية عدة. ومن هؤلاء عزت خورشيد، وهو تركي الأصل، وكان موظفاً في الشرطة، ثم مديراً للبروتوكول في وزارة الخارجية، وديران عجميان، وخليل الأشقر، ومصطفى فروخ، الذي رسم في مجلة "النديم".

 

 

وتوسع المجال الساخر الذي أدخل البُعدين السياسي والاجتماعي إلى موضوعاته، بعد أن كانت المطبوعات تزين صفحاتها برسوم "فنية" تركز على المرأة، مع إصدار جريدة "الأحرار" لصاحبها جبران تويني ملحقاً أسبوعياً أدبياً ساخراً حمل عنوان "الأحرار المصورة". وإذ صدر العدد الأول من "الأحرار المصورة" في 1926، سنة إقرار دستور لبنان، حفلت صفحاتها بالرسوم الكاريكاتيرية للرئيس الأول لدولة لبنان الكبير، شارل دباس (1926-1934). وفيما كان ملحق "الأحرار المصورة" ناقداً لسياسات الدولة المنتدبة، لا سيما تأجيجها الطائفية وتكريسها أعرافها، إضافة إلى الفساد والأوضاع الاجتماعية، تطرقت أعداده الخمسون (حتى 1927) إلى عناوين تلك الحقبة التأسيسة من تاريخ لبنان وسوريا.

وبعد كايلا وشارل دباس، و"المعرض" و"الأحرار المصورة"، بقي الكاريكاتير ناقداً وساخراً ومستعيناً بالشرح والكلام، متأرجحاً بحسب قوة الصحف ومديريها، لكن يسجل له أنه كان وطنياً ونقدياً تجاه السلطة وشخصياتها وسياساتها، فلم يهادن موقعاً ومنصباً أو يحيد فريقاً.

الكاريكاتير يستدرج الشعب

ومع الاستقلال في عام 1943 ولدت مجلة "الصياد" لصاحبها سعيد فريحة، الذي بدأ عمله في بيروت مع "الأحرار" و"الحديث"، و"الصحافي التائه"، وفي دمشق مع "القبس"، وغيرها. وبعد أن حملت صفحتها الأولى رسماً كاريكاتيرياً بريشة الرسام خليل يجمع رئيس الحكومة الاستقلالية الأولى رياض الصلح وإلى جانبه رئيس مجلس الوزراء السوري سعد الله الجابري، يقول، "بلاقيك سبقتني، على مهلك شويّ"، وبعد أن تضمن العدد الأول من "الصياد" رسالتين من رئيسي جمهوريتي لبنان وسوريا بشارة الخوري وشكري القوتلي، لم تتردد "الصياد" بين 1946 و1947 في الهجوم على الرئيس اللبناني الذي اشتهر عهده بفساد حاشيته، ولا سيما شقيقه الملقب "السلطان سليم". وقد أوصلت هذه المعركة ضد "السلطان والأسرة الحاكمة"، والتي كان فيها الكاريكاتير سلاحاً إلى جانب الكلمة، بفريحة إلى السجن، لا سيما بعد أن أصدر ملحقاً خاصاً بـ"السلطان والأسرة الحاكمة".

 

 

هكذا، ومنذ السنوات الأولى لجمهورية الاستقلال، كان الرئيس والسلطة عموماً في مرمى الكاريكاتير والصحافة الساخرة. ولم يقتصر الأمر على ذلك، ففي تلك الأيام ولدت على صفحات "الصياد" شخصية "أبو خليل" التي تمثل الشعب اللبناني. لقد أدخلت الصحافة والكاريكاتير المعارضان الشعب في المعركة بوجه السلطة ومناصبها ورجالها وأحزابها. وبعد أن كانت الصحافة والكاريكاتير يواجهان السلطة وحدهما، ويتحمل الصحافي والرسام الأعباء، بات الشعب من خلال السلطة الرابعة، الصحافة، سلطة أو مصدر السلطات. وقد جاء ذلك على إيقاع انتفاضة الاستقلال في نوفمبر (تشرين الثاني) 1943، والثورة البيضاء في 1952 التي أجبرت رئيس الجمهورية بشارة الخوري المجدد له في 1949 على الاستقالة في منتصف ولايته الثانية.

ولم يكن الكاريكاتير والصحافة المعارضان وحدهما مع المعركة ضد الرئيس وحاشيته الفاسدة و"الكونسورسيوم، وفق التسمية التي أطلقت على الأوليغارشية التجارية المالية التي استولت على السلطة الاقتصادية في البلاد مع العهد الاستقلالي"، وفق المؤرخ فواز طرابلسي، بل ثمة حركة اعتراضية واسعة تعبر لبنان. "شاعر الشعب" عمر الزعني، مثلاً، كان في الميدان. وهذه أغنيته الساخرة "جددلو" التي أنشدها عشية التجديد للرئيس بشارة الخوري، تنشر في الصحف المعارضة وتتردد على كل لسان، ومنها:

"جدّدلو ولا تفزع/ خلّيه قاعد ومربّع

بيضلّ أسلم من غيرو/ وأضمن للعهد وأنفع

وجه عرفناه وجرّبناه/ وعرفنا غايتو ومبداه

ووافق هوانا هواه/ قدّام خصمو يا محلاه".

الكاريكاتير منتج صحافي

إثر الثورة البيضاء وإسقاط الرئيس بشارة الخوري، كانت صحيفة "النهار" (تأسست في 1933) برئاسة غسان تويني مع العهد الجديد والرئيس كميل شمعون. وانشغلت "الصياد" وصاحبها بالتوسع نحو الفنون، فأطلقت في 1956 مجلة "الشبكة"، ثم في العام التالي جريدة "الأنوار" التي اتّسعت صفحاتها لرسم الكاريكاتير. وإذ بقيت منشورات "الصياد" في تلك السنوات مسرح الكاريكاتير، برز في الصحافة اللبنانية عموماً جيل من الرسامين: جان مشعلاني، وملحم عماد، ونيازي جلول، ومحمود كحيل، وحبيب حداد، وأبرزهم لعقود بيار صادق. فقد حوّل صادق خريج الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة، ورفاقه، السياسة اليومية والسياسيين، بمن في ذلك الرؤساء، إلى مادة رئيسة لريشته اليومية. وإضافة إلى إطلالاته الصباحية، ومعارضه في لبنان والخارج، أصدر مجموعة من الكتب في هذا الاتجاه: "كاريكاتير صادق" (1964)، "اضحك مع بيار صادق على السياسيين" (1972)، "كلنا عالوطن" (1977)، و"بشير"  (1983).

 

 

وإذ عارض برسوماته نهج الرئيس فؤاد شهاب (1958-1964)، وعهد الرئيس شارل حلو (1964-1970)، والجهاز الأمني الذي حكم في ظلهما (المكتب الثاني)، كرمه الرئيس سليمان فرنجية (1970-1976)، الذي صفى إرث سابقيه وحاكمه، وقد منحه وسام الأرز الوطني من رتبة فارس (1972). وفي تلك السنوات، تحول الكاريكاتير مع بيار صادق الذي كان يشارك في اجتماع تحرير جريدة "النهار"، ويحضر في صالونها، حيث يجتمع السياسيون، ولا سيما المعارضون منهم، إلى منتج صحافي مثل المانشيت أو افتتاحية رأي الجريدة. كذلك، تمددت ريشة بيار صادق إلى الإصدارات المرافقة لـ"النهار"، ولا سيما منها التي تتناول السياسيين، وفي مقدمتهم الرؤساء.

وكتب الشاعر أنسي الحاج عن إحدى محاكماتهما، مع لويس الحاج وجوزيف نصر، في 9 مارس (آذار) 1969، "وقف بيار صادق كأنه لص، أو مهرب، أو قاتل، ليدافع عن نفسه ضد تهمة المس بالكرامة والسمعة، وهو، في الواقع، يدافع عما لا يحتاج إلى دفاع، يدافع عن الضحك، الذي هو دفاع، دفاع الإنسان ضد الهم، والتبويم، والتجهم، وضيق الأفق والروح والصدر".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إلى أن حلّت الحرب في عام 1975، فانتقل إلى صحيفة "العمل" الناطقة باسم "حزب الكتائب اللبنانية"، مقتصراً عمله في "النهار" على المجلة الأسبوعية "النهار العربي والدولي".

وفي "العمل"، بدأت تضيق مساحته، لكونها وسيلة إعلام حزبي وتحت وطأة حساباتها السياسية، ومنها تجاه رئيس الجمهورية إلياس سركيس. وإذا  كان بيار صادق في تلك الفترة قد كسر قاعدة معارضة الكاريكاتير للرؤساء، فآمن ببشير الجميل الذي انتخب رئيساً ولم يصل إلى القصر، إذ اغتيل قبل ذلك في 14 سبتمبر 1982، إلا أنه عاد إلى تلك القاعدة في عهد أمين الجميل. ولم يكتفِ بمغادرة جريدة "العمل" الكتائبية إلى "الجمهورية"، ثم إلى "المؤسسة اللبنانية للإرسال" التي أسستها "القوات اللبنانية" المعارضة لأمين الجميل، بل راح يرسم الرئيس بأشكال ساخرة، أبرزها العصفور، ما أثار غضبه. وعلى شاشة "اللبنانية للإرسال"، حيث حوّل بيار صادق فقرته إلى رسم متحرك، وعلى الرغم من اعتماده على شخصية "توما" التي تمثله هو أو المواطن العادي، كانت تظهر شخصيات السياسيين، ومنهم الرؤساء.

عقدة تناقضات

فيما بعد، عقب الحرب، عاد بيار صادق إلى الصفحة الأخيرة في جريدة "النهار". والآن هنا، وقع في عقدة من التناقضات، فهو مؤيد للرئيس رفيق الحريري الذي يتقاسم الحكم مع رئيس الجمهورية إلياس الهراوي، ورئيس مجلس النواب نبيه بري. فراعت ريشته، إلى حد ما، نظرة الحريري إلى شريكيه في "الترويكا"، وتأرجح علاقته بهما. في هذه الأثناء، ابتكر صادق طريقة لمعارضته "المقيدة" للرئيسين، فراح يلعب في شكليهما أكثر من انتقادهما سياسياً، أو انتقادهما "على الناعم". وبقي على هذه الحال حتى انتخاب إميل لحود رئيساً للجمهورية (1998-2007). ومع توتر العلاقة بين لحود والحريري، تحرر بيار صادق وعاد معارضاً لرئيس الجمهورية، بالموقف السياسي واللعب في الشكل. وهو أصلاً معارض لميشال عون من قبل أن يُنتخب رئيساً للجمهورية (2016)، وغالباً ما كان يرمز إليه ببرتقالة غاضبة، نسبة إلى اللون البرتقالي الذي اتخذه تياره خلفية لشعاره.

 

 

وعقدة التناقضات هذه، التي تتشابك فيها الاتجاهات السياسية للصحف مع المواقف الشخصية للرسامين، حضرت دائماً، وكانت الصحف هي العنصر الأقوى فيها. ومن من الرسامين حظه جميل يعمل في صحيفة يوافق هواها هواه، مع الإشارة إلى أن إدارات الصحف، في غالب الأحيان، حافظت للرسامين على هوامش من الحرية. وخلال هذه المسيرة التي بدأت مع عزت خورشيد وديران عجميان وخليل الأشقر ومصطفى فروخ، ورسامين آخرين أبقوا أسماءهم طي الكتمان خوفاً من السلطات، ثم مع خليل، وصولاً إلى جيل بيار صادق، وما بعده، ستافرو جبرا ونبيل قدوح، ثم إيلي صليبا، ومحمد نور الدين، وحسن بليبل، وأرمان حمصي، وأنطوان غانم، وعبدالحليم حمود، اضطر السياسيون، بمن في ذلك الرؤساء، إلى قبول تحولهم إلى مادة كاريكاتيرية دسمة على صفحات الصحف والشاشة الصغيرة. فالسياسيون، وفي مقدمتهم الرؤساء، كانوا دائماً ومنذ عقود الحاضر اليومي في الكاريكاتير والانقسامات السياسية التي تظهرت في اتجاهات وسائل الإعلام والرسامين، إلى درجة أن رساماً هو أرمان حمصي (النهار) الذي اختار لنفسه طريقاً فنياً ينطلق من الحدث إلى فكرة مجردة تقريباً، تجده بين حين وآخر يرسم السياسيين، وقد تجاوز في ذلك معارضة سياسة الرئيس ميشال عون إلى نقد شخصيته العنيدة التي تتشاجر مع نفسها.

وهكذا، شكّل الكاريكاتير الذي أسهم في ترسيخ الحرية والدفاع عنها بُعداً صحافياً سياسياً في المشهد السياسي اللبناني الحديث. وقد بات روزنامة وأرشيفاً ضخمين لتاريخ لبنان، وليس للسياسيين والرؤساء فحسب، على مدى قرن.

المزيد من منوعات