Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سلمان رشدي من الفتوى إلى الطعن

شبح الماضي لا يزال يطارد الكاتب الذي يرفض أن يصنف نفسه "كياناً جيوسياسياً"

تمثل تجربة سلمان رشدي روح عصر كامل لجسر بين ثقافتين شرقية وغربية (أ ف ب)

ينتمي سلمان رشدي إلى قبيلة الناس متعددي المواهب، فهو كاتب وروائي ومتحدث وممثل في مناسبات خاصة، كما أنه على الصعيد الاجتماعي متنقل القلب، إذ تزوّج أربع مرات، وله ولدان، غير أن أكثر ما عُرف به يعود إلى عام 1989، بعد مرور خمسة أشهر على صدور روايته "آيات شيطانية" التي فتحت عليه النار إلى اليوم، إذ أصدر وقتها الخميني فتواه الشهيرة بقتل الرجل، ما جعله يعيش مُختبئاً عشر سنوات.

لا يزال ذلك المشهد، وتلك المطاردة حاضرة على الرغم من مرور السنوات، إذ يُعيد موقف تعرضه لمحاولة اغتيال في نيويورك، قبل بدء محاضرة له في المدينة التي يقيم فيها منذ قرابة عشرين عاماً، الصور القائمة عن تهديد إرهابي يبدو أنه لم ينتهِ بعد، فالفتوى التي رُفعت اسمياً عام 1998، ما سمح له بالتحرك الحر بعيداً من حماية الشرطة وحياة الظل، لا تزال متبوعة بمكافأة قدرها أربعة ملايين دولار لمن يظفر برأسه.

ظل رشدي محافظاً على إنتاجه الذي وصل إلى عشرين كتاباً، وفي السنوات الأخيرة أصدر كتابه الذي يضم مجموعة من المقالات تحت عنوان "لغات الحقيقة"، الذي يدافع فيه عن فكرة الكتابة وحرية الكاتب في عالم معقد، من خلال تجربته الشخصية، على الرغم من أن ثمة من عارض الكتاب. وقال إنه بوق سياسي لأفكار مُسبقة، وإن الرجل يعيش في بوتقة الماضي لم يغادرها، فحديثه عن القرن الحادي والعشرين يأتي محمولاً بإيقاع قرن قديم، أي العشرين.

وربما تكون تلك أحد الأفخاخ التي يقع فيها الروائي عندما يريد أن يتفلسف، أو يصبح كاتباً مفكراً، والعكس صحيح عندما يقع المفكر والفيلسوف في فخ أن يكتب الرواية، فإذا كانت الرواية تسمح للأفكار أن تتخفى بناءً على قدرة الكاتب على البوح من خلال شخوصه، فإن المفكر صوت لاذع وقوي يكون له طابع المنطق حتى لو يخلو من الإثارة.

 

 

لم يكن العالم من حول سلمان رشدي جميلاً كما ينبغي ربما منذ البداية، فقد عاش في فترات من التوتر عالمياً، ولد في السنة نفسها التي انقسم فيها بلده الأم الهند إلى بلدين: باكستان والهند، ووصل كصبي ناشئ إلى بريطانيا في سن الرابعة عشرة من عمره، حيث أجبر على الاختباء عقداً من الزمان لاحقاً بعد صدور الفتوى ضده، قبل أن يسافر إلى الإقامة في أميركا مستبقاً أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، حيث عاش خلال فترة حكم بوش إلى ترمب فجو بايدن حالياً.

في مشواره الأدبي حصد كثيراً من الجوائز، وأبرزها بوكر الإنجليزية عن روايته متعدد الأصوات "أطفال منتصف الليل"، عام 1981، ويبقى أن كتابه الأخير يمثل صوتاً يلخص فيه تجربة عقدين من العمل الشاق مع مهنة الكتابة، بخاصة فيما بعد الظروف التي عاشها بسبب ملاحقة الموت إلى الانعتاق الذي ظن أنه حدث.

في الكتاب يعرض لكل شيء بما في ذلك حكايات عن أسامة بن لادن، وعارضة الأزياء الكندية ليندا إيفانجليستا، يغوص من عوالم سرفانتس صاحب رائعة "دون كيشوت" التي تعتبر الرواية الملهمة لمسار فن الرواية الحديثة، إلى حكاية واقعية اسمها "كوفيد-19" عاشها العالم أجمع، والجميع كانوا أبطالاً فيها.

في مقالات عدة جرى توصيفه بأنه لا يرغب في العادة بالحديث عن الجانب الشخصي من حياته، المتعلق بحياة الظل ومخاطر التعرض للموت، لأنه أراد إخفاء ذلك العالم لكي يعيش على الضفة الثانية من وجوده، لكنه يقول إن الأمر أبسط مما يمكن تصوره، فهو يكره أن يتم تصنفيه بناءً على هذه الوجهة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذا صحيح لحد ما لأن البعض يربط شهرة رشدي في البلدان العربية والإسلامية تحديداً بعمله "آيات شيطانية" وفتوى الخميني، هذا بالنسبة لأي أديب قد يكون اغتيالاً بحد ذاته، يجرده من الموهبة الأدبية، ويضعه في خانة السياسي أو المتمرد أكثر من كونه كاتباً حقيقياً، يلخص الأمر في مقابلة مع "ذا غارديان" بقوله "هذا يحطم فردانيتي كشخص وككاتب. أنا لست كياناً جيوسياسياً".

غير أن الجغرافيا والسياسة، وكذلك العقيدة، لها انعكاسات في حياته ككاتب وفي أعماله الروائية، بما في ذلك طريقة حديثه، التي تمثل جواز سفره بتعبير "الغارديان"، حيث يبدو أنه يتحدث الإنجليزية بتقاطع ما بين اللكنة الهندية والحروف المتحركة الإنجليزية والتسكين الأميركي، هذا التنوع الصوتي والأسلوبي وفي موضوعات كُتبه يجعله قوياً بما يكفي، بما يتجاوز قدرة فتوى، أو خنجر إرهابي أن يحطم صوته الحقيقي ككاتب.

في الـ19 من يونيو (حزيران) الماضي كان قد أكمل رشدي رحلة 75 عاماً في الحياة، من دون أن يخصم من ذلك لهفه بالانفتاح والتقدمية والميول اليسارية، حيث ظل يقاوم الميل إلى اليمين كما يحدث مع بعضهم مع تقدم العمر، وظل محافظاً على روح التفاؤل بداخله، فتقريباً حافظ على الموضوعات التي بدأ بها حياته الأدبية ومشى عليها من قضايا الأدب والهجرة وحرية التعبير. ويرى أن واحدة من الفوائد التي تعود على المرء من كونه كاتباً، أنه يعيش لكي يختبر العالم، ويكتشف حياته، ليكون قد وصل نقطة متقدمة يكون قد عرف كثيراً عن الأشياء بحيث يفهم المرء عن نفسه، ولماذا تعتقد أو تفكر بأمر ما، إذ ستكون اقتربت من فهم الدوافع وراء الوقائع والتجارب، مع اليقين بأن ثمة من يذهبون في اتجاه آخر.

في الفترة الأخيرة ظل مواظباً على العمل ككاتب مقيم في كلية الصحافة بجامعة نيويورك، مدافعاً مع طلبته عن قيم الإنسانية وتفاصيله التي خبرها من الصبا في بومباي، تلك التي عكسها في رواية "أطفال منتصف الليل" للدرجة التي تجعل ثمة من يخلط بين رشدي الحقيقي ورشدي الذي يتجلى في أبطاله وشخوصه داخل الروايات.

تبقى الإشارة إلى عمله الروائي الأخير "كيشوت" الذي يعيدنا إلى رائعة سرفانتس، وقد اختيرت الرواية ضمن القائمة القصيرة للبوكر في 2019، فهي تعرض الاختبار الذي يصور شخصيته كما هي بعد حصاد العمر، لإنسان يكون له حس التفاؤل والقدرة على مداراة الجراح، بغض النظر عن عدد اللكمات التي يمكن أن يتعرض لها في الحياة، ولا يخفي رشدي كم هو معلق بالأمل والتفاؤل على الرغم من كل شيء "هذا صحيح. أنا متفائل لحد الغباء، وأعتقد أن ذلك ساعدني في اجتياز السنين السيئة، وأؤمن بأن هناك نهاية سعيدة لا شك في ذلك، حتى لو كان هناك قلة من الناس ستصدق ذلك".

بغض النظر عمن يرى في رشدي مارقاً ضد القيم العقائدية، أو متمرداً على الجذور، التي طالما دافع عنها بطريقته الخاصة، يبقى أن تجربته تمثل روح عصر كامل لجسر بين ثقافتين شرقية وغربية، حيث المقاومة اللازمة ما بين المتحرك في التاريخ والهش واللزج، والصامد في الحاضر وما يمكن أن يشكل المستقبل الإنساني، بطريقة كهذه يمكن للأدب أن ينتصر على جميع الظروف الصعبة والقيم المقيدة للحريات ويقهر الظلمات.

المزيد من تقارير