Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا تصر الترويكا على تشكيل حكومة مدنية في السودان ذات مصداقية؟

دعوات لإيجاد حل سياسي والاستفادة من الموارد المتاحة من خلال الآلية الثلاثية المشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي و"إيقاد"

أكدت دول الترويكا تشجيعها المحادثات بين الأطراف السودانية لإيجاد حل سياسي (إعلام مجلس السيادة السوداني)

في وقت تشهد الساحة السياسية في السودان تحركات واسعة تقودها أطراف عدة لتسمية رئيس وزراء وتشكيل حكومة مدنية بعد تعطيل قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان الشراكة مع المدنيين أكثر من تسعة أشهر، أكدت دول الترويكا (النرويج، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة)، على أصحاب المصلحة من المدنيين والعسكريين السودانيين تكوين حكومة مدنية ذات مصداقية وجدول زمني واضح وواقعي للانتخابات، تقود فقط عملية انتقال البلاد إلى الديمقراطية، ما سيسمح باستئناف الشراكات الدولية بالكامل مع السودان. وأشارت الترويكا في بيان، إلى أن شرعية الحكومة المدنية ستعزز المشاورات الواسعة والاعتراف بالدروس المستفادة والتمثيل النسائي القوي، مشددة على أهمية أن يفي الجيش بالتزامه المعلن بالانسحاب من المشهد السياسي. وأكد البيان أن المجتمع الدولي واضح في أن الدور العسكري المستقبلي، يجب أن يتم الاتفاق عليه بالتشاور مع الجماعات المدنية من أجل ضمان انتقال مستدام، إلى حين الوصول إلى الانتخابات بنهاية الفترة الانتقالية. ورأى البيان أن استعداد عدد من الأطراف السودانية أخيراً، لطرح مقترحات محددة في شأن الطريق إلى الأمام أمر مشجع، مضيفاً، "نحثهم على مواصلة العمل معاً لتلبية مطالب الشعب السوداني في الحرية والسلام والعدالة".

وأكدت دول الترويكا تشجيعها المحادثات بين الأطراف السودانية لإيجاد حل سياسي والاستفادة من الموارد المتاحة من خلال الآلية الثلاثية المشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي و"إيقاد"، لكن ما الرسائل التي تريد أن توجهها دول الترويكا للأطراف السودانية مجتمعة، وما سبب إصرارها على تشكيل حكومة مدنية ذات مصداقية؟

ملء فراغ

وقال الكاتب السوداني شمس الدين ضو البيت، "واضح جداً أن هناك جهات لديها طموح وحلم لملء فراغ الحكم في البلاد في ضوء ما أعلنه قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان ومن بعده نائبه محمد حمدان (حميدتي) أخيراً، بخروج المؤسسة العسكرية السودانية من المشهد السياسي، فهذه الجهات قريبة من مجموعة انقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول)، إذ تعمل جاهدة ومن خلال محاولات عدة للقيام بدور تشكيل الحكومة المقبلة، ولأن المجتمع الدولي يتابع عن كثب ما يحدث على الساحة السياسية في السودان، فإن بيانات دول الترويكا هي محاولة لتذكير جميع الأطراف السودانية ذات الصلة بالأزمة السياسية، بأن استقرار الأوضاع في البلاد يكون عن طريق تشكيل حكومة مدنية ذات قاعدة واسعة، وأي محاولات خارج هذا الإطار لن يكتب لها النجاح". وتابع ضو البيت، "لقد ثبت تماماً أن الكل يريد الاستقرار السياسي للسودان سواء دول الترويكا أو الاتحاد الأوروبي أو دول الإقليم أو الاتحاد الأفريقي، والتاريخ أثبت أيضاً بالدليل القاطع أنه خلال 66 عاماً، وهي فترة ما بعد الاستقلال الذي كان في 1956، أن الأنظمة العسكرية التي حكمت 53 عاماً كانت خصماً على نهضة وتنمية واستقرار السودان، وشهدت حروباً وتدهوراً اقتصادياً مريعاً، فنظام إبراهيم عبود (1958- 1964) شهد اتساع حرب الجنوب، فيما تعرض حكم جعفر النميري (1969- 1985) لإشكاليات حرب الجنوب والمجاعات، أما نظام الرئيس السابق عمر البشير (1989- 2019) فقد شهد ثلاث حروب أهلية جديدة وانفصال جنوب السودان 2011 وعزلة خارجية غير مسبوقة لرعايته الإرهاب، فضلاً عن فرض عقوبات اقتصادية ألقت بظلالها السالبة على معاش المواطن".

وتابع الكاتب السوداني، "في تقديري أن النظام الوحيد الذي يمكن أن يؤدي إلى استقرار السودان هو النظام الديمقراطي، لذلك يؤكد المجتمع الدولي ممثلاً في دول الترويكا ضرورة اتباع السودانيين هذا النهج باعتباره مخرجاً لبلادهم، بل ربط مساعداته بإعلان حكومة مدنية، فالديمقراطية منصة تسمح بمشاركة الجميع، فبعد إطاحة نظام البشير وتشكيل الحكومة الانتقالية برئاسة عبدالله حمدوك بدأت الأمور تسير نحو الأفضل وإلى الأمام، وتفاءل السودانيون كثيراً بأن بلادهم تسير في الاتجاه الصحيح لكن وقوع الانقلاب هدم كل شيء، وأعتقد أن أي نوع من الشراكة السياسية مع العسكريين لن تكون مجدية، وهذا لا يعني انتقاصاً من دور المؤسسة العسكرية التي يكن لها السودانيون كل الاحترام والتقدير، لكن دخولها في قضايا الحكم أضر بها، ما يستوجب تفرغها لدورها المنوط به وفق الدستور الخاص بها".

حراك متواصل

في سياق متصل، قال أمين العلاقات الخارجية في حزب المؤتمر السوداني فؤاد عثمان، إن موقف دول الترويكا واضح منذ انقلاب 25 أكتوبر، إذ ظلت تؤكد عليه على الدوام، وهو ضرورة تشكيل حكومة انتقالية مدنية، ما يدل إلى أنها ترفض الانقلاب العسكري الذي نفذته المجموعة العسكرية في مجلس السيادة السوداني، وإن كانت هذه الدول لم تعلن الأمر صراحة، لكن، جاءت تأكيداتها في الإطار ذاته الداعم تكوين سلطة مدنية تتولى مهام ما تبقى من الفترة الانتقالية وصولاً إلى الانتخابات العامة لضمان أمن واستقرار السودان سياسياً واقتصادياً واجتماعياً"، ولفت عثمان إلى أن رسائل دول الترويكا في بيانها الأخير موجهة بشكل واضح إلى المكون العسكري بألا يخطو نحو تشكيل حكومة أو دعم أي خطوة لا تعبر عن رغبة غالبية الشعب السوداني لأنها ستكون معزولة ومرفوضة دولياً وإقليمياً، بخاصة أن هناك تحركات حثيثة تتم هذه الأيام من قبل بعض المدنيين الداعمين الانقلاب لبلورة مبادرة تقود لإعلان حكومة تحت مسمى التوافق المدني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأكد أمين العلاقات الخارجية في حزب المؤتمر السوداني أن المخرج من هذه الأزمة، هو كما أعلنته قوى الحرية والتغيير، يتمثل في إنهاء الانقلاب وقيام حكومة مدنية وابتعاد المكون العسكري عن المشهد السياسي والتفرغ لمهامه الدستورية، و"نأمل أن يكون المجتمع الدولي متشدداً في موقفه وألا يستجيب لأي حكومة أمر واقع، وأن يواصل دعمه الحكومة المدنية التي هي مطلب الشارع السوداني وظل يعبر عنها من خلال حراكه الثوري المتواصل".

فرض الشراكة

وأشار أستاذ الاقتصاد السياسي في الجامعات السودانية الحاج حمد إلى أن دول الترويكا ما زالت تراوح مكانها في ما يتعلق بتعاطيها مع الأزمة السودانية، فهي تنطلق من مصالحها، إذ تريد فرض نوع من الشراكة بين المدنيين والعسكريين، وهذا الموقف قائم على ضرورة إبداء نوع من التنازلات لاكتمال هذه الشراكة، وهو رأي طرحه حزب المؤتمر السوداني، ولحد ما أيضاً، حزب الأمة القومي، وهو للأسف سيؤدي إلى إعادة الفشل الذي اعترف به نائب رئيس مجلس السيادة محمد حمدان (حميدتي) حينما قال بصريح العبارة، "لم ننجح في التغيير لأسباب لن أتحدث عنها، وعندما تفكر في تغيير، فمؤكد أن لديك هدفاً ورؤية، لكن للأسف الشديد لم يتم ما كان مخططاً له وفشل الأمر، والآن مضينا للأسوأ، على الرغم من وجود بعض الإيجابيات".

أضاف حمد، "واضح جداً أن البرهان لن يستطيع تشكيل حكومة وفق تصوره ورغبته، لأنه يعرف أنه لن يكون لها مستقبل، والحل في رأيي أن يتحرر النظام العالمي من الشراكة التقليدية التي جربت، ويتجه لإقامة شراكة مع الشارع الثائر باعتباره القوى الحقيقية التي تملك الفيتو في تشكيل الحكومة المقبلة، لكن الموقف مرهون بقبول لجان المقاومة بمبدأ تشكيل الحكومة، بخاصة أنها أعلنت أنها تنتظر مسألة تسليم وتسلم السلطة من المكون العسكري من دون شراكة، في وقت رفعت شعار اللاءات الثلاث (لا شراكة، ولا تفاوض، ولا شرعية مع العسكر)".

احتجاجات متواصلة

ويشهد السودان منذ 25 أكتوبر 2021 احتجاجات شعبية متواصلة تطالب بعودة الحكم المدني الديمقراطي وترفض إجراءات رئيس مجلس السيادة قائد الجيش عبدالفتاح البرهان الاستثنائية التي أطاحت الشراكة مع المكون المدني، وحلت مؤسسات الفترة الانتقالية التي كانت قائمة، بيد أنها اعتبرت تلك الإجراءات انقلاباً عسكرياً، وقوبلت التظاهرات المتواصلة في مدن العاصمة الثلاث (الخرطوم، والخرطوم بحري، وأم درمان) بعنف مفرط من قبل الأجهزة الأمنية راح ضحيته 116 متظاهراً منذ الانقلاب، فضلاً عن مئات الجرحى، ونفى البرهان صحة اتهامه بتنفيذ انقلاب عسكري. وقال إن إجراءاته تهدف إلى "تصحيح مسار المرحلة الانتقالية"، وتعهد تسليم السلطة عبر انتخابات أو توافق وطني.

وكانت الآلية الثلاثية قد رعت أولى جلسات الحوار السوداني المباشر الذي انطلق في الثامن من يونيو (حزيران) الماضي، غير أنها علقت في المهد بسبب مقاطعة تحالف قوى الحرية والتغيير المعارض وقوى ثورية أخرى.