Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جرائم الروائية مارغريت أتوود تنتشر في مسرحية مصرية

المخرج اقتبس نص "أليس غريس" بحرية واحتفظ بجوهر الصراع الدموي

من أجواء المسرحية المصرية المقتبسة من رواية لمارغريت أتوود (الخدمة الإعلامية)

يظل نجاح تحويل رواية إلى عمل مسرحي مرهوناً بقدرة الدراماتورج على الإمساك بجوهر الرواية وأسئلتها الرئيسة، حتى لو لم يلتزم بتفاصيلها الدقيقة أو أغفل كثيراً من أحداثها، إدراكاً منه بأن كل وسيط له آلياته وطبيعته التي يجب العمل وفقها.

ولعل مهمة الدراماتورج تكون صعبة، وأشبه بالمغامرة عند التعرض لرواية شائكة وضخمة الحجم، وتعتمد فضلاً عن السرد على استخدام اقتباسات من الشعر، وروايات وأخبار من الجرائد، وسجلات وكتب ورسائل، كما هو الحال في رواية "أليس غريس" للروائية والشاعرة والناقدة الكندية مارغريت أتوود (1939)، التي صدرت عام 1995 وترجمتها سحر توفيق ضمن المشروع القومي المصري للترجمة عام 2005 تحت عنوان "المذنبة".

الرواية تدور أحداثها في كندا خلال القرن الـ19، وهي عن واقعة حقيقية، فقد دينت غريس وصديقها في جريمة قتل بشعة راح ضحيتها مخدومهما الثري ومديرة منزله وعشيقته، وحكم على الصديق بالإعدام بينما حكم على غريس بالسجن مدى الحياة ثم أفرج عنها بعد ذلك. وكانت هذه الجريمة مثار حديث الصحف في أميركا وأوروبا لفترة طويلة، ولجأت الكاتبة إلى كل الوثائق المتعلقة بالجريمة، وإن استخدمت خيالها في بعض الأحداث، مشيرة إلى ذلك في تذيلها للرواية.

هذه الرواية أخرجها للمسرح أحمد سمير، وقدمها فريق كلية الفنون الجميلة في جامعة الإسكندرية، الذي قام بإعداد الرواية تحت إشراف المخرج الذي أدرك أن الكاتبة التي اهتمت بقضايا المرأة، بخاصة نساء الطبقات الأدنى وما يتعرضن له من قهر بدني ونفسي سواء من أقرب الناس إليهن (تعرضت غريس للتحرش من أبيها) أو من المجتمع بشكل عام، أدرك أنها لم يكن هدفها تناول الجريمة بقدر ما كان كشف الأوضاع الاجتماعية والظلم الطبقي والحياة البائسة التي عاشتها نساء الطبقات الأدنى خلال تلك الفترة.

هذا الإدراك انعكس على الإعداد الذي جاء مختزلاً ومكثفاً ومستغنياً عن كثير من التفاصيل، بل وإلى مخالفة بعض أحداث الرواية نفسها بما لا يخل بالهدف الرئيس منها.

ظروف قاسية

كان هدف مارغريت أتوود ليس كتابة رواية بوليسية، بل كشف الأسباب التي أدت إلى جريمة غريس، وتصوير الظروف المهينة والقاسية التي صاحبت رحلتها، منذ قدومها على ظهر مركب من إيرلندا الشمالية إلى كندا بصحبة والديها، ثم عملها خادمة في أجواء شديدة البؤس والشقاء، حتى إن فترة الراحة التي كانت تتمناها هي الجلوس في الشمس بعد الظهر لرتق الثياب. وتناولتها باعتبارها نموذجاً لنساء الطبقات الأدنى في تلك الفترة، تاركة للقارئ أسئلة كثيرة وربما غامضة ليجيب عنها بمعرفته.

لعب المخرج على هذا الهدف وحده، وترك الأسئلة نفسها من دون إجوبة، واهتم أكثر بتشكيل الفراغ المسرحي وصناعة الصورة التي أتاحت له اختزال مساحات كبيرة من السرد. وقد مزج ما بين الواقعية والتعبيرية التي ناسبت توجهه وأتاحت له تقديم "روح الرواية"، التي يتجاوز عدد صفحاتها 700 صفحة في حوالى ساعة لا أكثر. وقد استغنى عن المونولوغات الطويلة وحتى الديالوغات التي جاءت خاطفة وسريعة، متنقلاً بين الأزمنة والأحداث بخفة ورشاقة.

في منظر واحد ثابت (صممه محمد علاء) أدار المخرج أحداثه، بدا المسرح مقسماً إلى مستويين. في المستوى صفر تدور الأحداث التي تشارك فيها الطبقة الأدنى، بينما تقبع الطبقة الأعلى في مستوى يرتفع حوالى مترين، فيعكس المستوى الأول بفوضاه وقذارته وضعية طبقته، بينما يتميز المستوى الأعلى بالفخامة التي تشير إلى مكانة ساكنيه. والأمرنفسه بالتالي عكسته الملابس (صممتها ريم الصواف) وفق المنهج الواقعي التعبيري الذي اعتمده المخرج، وشكلت الإضاءة (صممها علاء شاهين) عنصراً مهماً في تشكيل الصورة، بخاصة في لحظات المشاهد التي تمت بالتوازي.

تشكيلات حركية

تموت والدة غريس أثناء الرحلة من إيرلندا إلى كندا، ويتم إلقاء جثتها في المحيط بشكل حركي تعبيري (كوريغراف مصطفى البنا). وعلى المنوال نفسه تأتي مشاهد عدة، في دلالة واضحة على وعي المخرج بالمنهج الذي يعمل عليه. وحتى في مشهد قتل العائلة الثرية، فإنه لا يرجعه إلى غريس وصديقها فحسب، بل إلى ثورة قام بها الخدم الذين جعل منهم المخرج أفراداً ضمن خلية متمردة تسعى إلى التخلص من الظلم والبطش لدى الطبقة الإقطاعية. واستغل معلوماته عن الاضطرابات والصراعات السياسية التي سادت كندا في تلك الفترة، وهي رؤية أخرى تضاف إلى العرض، وتدعم الرؤية الأصلية لكاتبة الرواية. وكأن ما قامت به غريس وصديقها تعبير عن توجه جمعي وليس مجرد جريمة فردية ارتكبها الصديقان لأسباب شخصية تخصهما وحدهما.

وأمام تشابكات الرواية وطولها وتشعب أحداثها ومصادرها، بدأ المخرج / الدراماتورج عرضه بمشهد الجلسة بين الطبيب النفسي وغريس. وكي يحاول الطبيب قياس القدرات العقلية لغريس لجأ المخرج إلى أسلوب التقطيع، حيث تبدأ غريس برواية جزء من الحدث ثم يبدأ استكمال الحدث عبر التشخيص، وتعود لتروي وهكذا دواليك. في لقطات سريعة ومكثفة، وإمعاناً في فكرة الاختزال فإن أكثر ما حدث يدور في الوقت نفسه من دون حدوث أي تشويش على المشاهد، مما يشير إلى الدقة التي تعامل بها المخرج في تقديم تجربته.

العشاء الأخير

تجلس غريس في مواجهة الطبيب النفسي على مائدة طويلة أشبه بمائدة  لوحة "العشاء الأخير" لدافنشي، هذه المائدة نفسها تستخدم كسفينة تقل غريس وعائلتها من إيرلندا إلى كندا، وتستخدم كمائدة طعام. وكذلك تستخدم كغرفة جراحة يتم بداخلها إجهاض صديقتها التي حملت سفاحاً من مخدومها، وغيرها من الاستخدامات التي تلح على فكرتي الاختزال والتعبيرية، اللتين سيطرتا على وعي المخرج.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

16 ممثلاً وممثلة (آلاء وهبة وسهيلة الوجيه وعماد محمد وإسراء كرم ومريم مصطفى وعبدالرحمن طلعت وإبراهيم رحال وجنى أبوزيد ويوسف طارق وآية الشافعي وفرحة صبحي وأنس زياد وأحمد الإبياري وعمار محمد ومحمد رمضان والطفل شهاب الكاشير) هؤلاء جميعاً يقف أغلبهم على المسرح للمرة الأولى في حياته، وعلى رغم ذلك اتسم أداؤهم بالانضباط والتناغم وعدم الرهبة في مواجهة الجمهور، فضلاً عن الانضباط اللغوي بقدر معقول، وهو ما نفتقده في عروض الهواة، حيث استعان المخرج بمدقق لغوي (مدحت عيسى) مما يشير إلى اهتمامه بأدق التفاصيل حتى يخرج عرضه في صورة طيبة، كما استطاع توظيف قدرات ممثليه، كلٌ حسب موهبته وإمكاناته ومواصفاته الجسدية.

هواة ومحترفون

أمران مهمان يطرحهما عرض غريس، أولهما يتعلق بمساحة الحرية المتاحة للدراماتوج عند تصديه للعمل على مسرحة رواية، إلى أي مدى يمكنه أن يحذف أويضيف، أو حتى يغير في بعض الأحداث، وكيف يفعل ذلك كله مع الاحتفاظ بجوهر الرواية وأسئلتها، وظني أن المخرج هنا كان موفقاً، بخاصة أنه أعمل خياله وتصرف بذكاء واضعاً نصب عينيه طبيعة الوسيطين المنقول منه والمنقول إليه، محتفظاً بجوهر الوسيط الأول، مستجيباً لشروط الثاني.

أما الأمر الآخر وهو كثيراً ما يثير مناقشات نقدية فيتعلق بفكرة الهواية والاحتراف، فنحن أمام مجموعة من الهواة قدموا عرضاً احترافياً بكل ما تشير إليه كلمة "احتراف"من دقة وفهم ووعي والتزام، فالأمر إذاً يتعلق بالموهبة وكيفية إدارتها وتوظيفها بواسطة "رائد ثقة"، وهو هنا مخرج العرض.

المزيد من ثقافة