Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مارغريت آتوود تفتح الأقفال المحكمة لسجن التمييز الجندري

"حكاية الجارية" وثيقة تاريخية متخيلة عن التراتبية الاجتماعية المتغيرة

الروائية الكندية مارغريت اأتوود (غيتي)

تروي أوفرد، بطلة رواية "حكاية الجارية" للكاتبة الكندية المرشحة الدائمة لجائزة نوبل، مارغريت أتوود (دار حكايات، ترجمة أحمد العلي، 2020) مرحلة من حياة جمهورية دينية متطرفة تستولي على السلطة، وتأخذ البلاد في اتجاه مغاير للاتجاه الذي كانت عليه البشرية من قبل. لا يمكننا القول إن الرواية تنتمي إلى روايات الخيال العلمي أو الروايات المستقبلية مثل "1984" لجورج أورويل، أو "عالم جديد شجاع" للروائي الدوس هيكسلي مثلاً. فغالبية ما توثقه الرواية في ظل هذا الحكم المتخيل، لم يكن غريباً أو جديداً على البشرية، بحيث عاش جيلنا وأجيال قبلنا هذه القسوة وربما أكثر، فلا أحد ينسى إحراق الشباب في الشوارع في سانتياغو إبان حكم بينوشيه، ولا مجازر بول بوت في كمبوديا. هذه الرواية كلها كتبت لتوثق معاناة المرأة. وإذا ما عرفنا أن مارغريت آتوود تعد واحدة من أشهر نساء "الفيمينست" في العالم، فإننا لن نفاجأ بهذا التركيز على سحق المرأة ليصبح الموضوع الرئيس والأساسي لهذه الرواية التي صنفها النقاد الغربيون في خانة أدب الديستوبيا.

منذ الانقلاب الذي تقوم به مجموعة عسكرية دينية متطرفة، يبدأ تطبيق القوانين المستندة إلى الشرائع الدينية، وهي هنا التوراة. تقول الخالة ليديا شارحة أسباب إعدام رجل في المدينة "عقوبة الاغتصاب كما تعرفن هي الموت. سفر التثنية. الإصحاح الثاني والعشرون. الآيات من الثانية والعشرين حتى التاسعة والعشرين". وما يعزز هذا الأمر هو أن الانقلابيين سمحوا لليهود بالهجرة إلى فلسطين بوصفها دولة لهم. ولا ننسى أن الجمهورية الجديدة تُسمى جلعاد، وهو اسم منطقة في ناحية البلقاء الأردنية، ولطالما ورد في العهد القديم منذ وصل موسى وجماعته إلى شرق نهر الأردن، وقد استولى سبطان من أسباط يعقوب على منطقة جلعاد لما فيها من صلاحية كبيرة للزراعة والرعي والسقاية والأشجار المثمرة. كما ورد جبل جلعاد في "نشيد الإنشاد": "شعرك كقطيع معز رابض على جبل جلعاد".

قضية المرأة

ولكن، لا يبدو أن الروائية معنية كثيراً بهذا الأمر، مقدار عنايتها بوضع المرأة تحديداً في ظل نظام عنصري يوفر كل ما لديه للتعامل مع المرأة بازدراء وانحطاط كبيرين، حيث تتحدد مهمتها فقط في الإنجاب لأن البلاد أخذت تتقلص فيها أعداد المواليد الجدد، ما يهددها بالفناء والانقراض. وبمقدار ما يعلن الموضوع عن نفسه خطاباً صارخاً للروائية وللنص، إلا أن تقنية السرد "البندولية" إن جاز التعبير، تمنح الرواية نكهة تمتاز بالخصوصية والتفرد والمتعة. كما إنها تشكل للقارئ خطاباً فيه بعض الغموض من جهة، وكثير من الرغبة في فتح الأقفال التي تبدو مقفلة بإحكام.

وإذا كانت "أوفرد" وهو الاسم "الحركي" لها في الدار الحمراء، حيث يتم تجميع الجواري والخالات، قد بدأت وثيقتها من قلب الدار الحمراء، إلا أنها تتأرجح بنا قديماً وراهناً ومستقبلاً، فتخبرنا أنها لم تكن امرأة منبتّة، وإنما لها زوج وابنة وحبيب قبل الزواج. وتخبرنا أن الحياة التي تحياها الآن ليست سوى كابوس محا صفحات جميلة في حياتها. لكنها تزرع فينا بين صفحة وأخرى أملاً مشوباً بالحذر، قياساً مع الإجراءات العسكرية القاسية التي تحيط بالدار الحمراء والجواري.

عليها أن تنجب من رئيسها أو وليّها، وإلا فإن تأكد للقائمين على الدار، خصوصا زوجة الرئيس، أن أوفرد لا تنجب، فإنها ستنقل لاحقاً إلى المستعمرات التي لا نعرف أين تقع، ولا يهم القارئ موقعها مطلقاً، بمقدار ما يهمه ما يحدث في تلك المستعمرات، حيث تقوم النسوة المنبوذات هناك بتنظيف النفايات السامة، ما يعني قتلهن ببطء.

يضيق القارئ بهذا المناخ الذي يخيم على أوفرد وزميلاتها من الجواري. وهو في الحقيقة مناخ أقرب ما يكون إلى مناخ سجن لعتاة المجرمين... لا أحاديث بين الجواري، لا شيء مما يعتبر ممنوعاً أو محرماً في حكم الدين كالسجائر والأغاني والتلفزيون وكل ما له علاقة بذلك. لا اختلاط ولا أي خطوة خارج البرنامج المعد لهن، حيث يخرجن يومياً كل اثنتين معاً من دون كلام، لشراء حاجيات الدار، ولكن ضمن حدود مرسومة ومراقبة ومسيجة ومصوبة نحوهن فوهات بنادق، إضافة إلى حائط الإعدام الذي يمررن به يومياً ليرين الجثث المعلقة التي لا تُزال إلا بعد أن تبدأ روائحها في الانتشار، ما يؤثر في الأسياد أنفسهم في المدينة.

فقدان الإسم

أول ما تعانيه أوفرد هو الاسم؛ فقدانها اسمها الحقيقي وإخفاؤه، أو لنقل سرقته منها وهي في منتصف الثلاثينيات. إنها تدرك قيمة هذا الاسم ليس لجماله أو رنينه مقدار كونه جزءاً منها منذ أن فتحت عينيها وبدأت لعبتها مع الحياة. فأن تنادى بعد هذا العمر باسم جديد، يعني أن هنالك من يود هدم كيانها وتدميره من أساسه. إنه ليس مجرد حروف بعد هذه الرحلة في الحياة، بل هو يساوي الحرية، وسرقته أو إخفاؤه أو حظره من التداول يعني حظر صاحبه وتشكيله كما يشكل الأطفال ألعابهم من مواد مطاطية. فهو أمر يحدث حين تصبح وحيدة في الدار الحمراء، ومهيأة للإنجاب. لقد تم سلبها أكثر من ثلاثين سنة من حياتها... تم محوها حين فقدت زوجها وطفلتها وأصدقاءها وأماكن عيشها ويومياتها. وربما يكون أملها في رؤية زوجها وابنتها هو ما يبقيها متماسكة إلى حد ما. إنها لا تنقطع عن التفكير بزوجها وابنتها، وهذا التفكير هو ما يعني لها أن زوجها لوقا موجود. إنها تحكي وتروي كما تقول، فلا بد أن يكون موجوداً إذن، حتى لو غيروا اسمها ومنحوها اسماً غريباً لا يمكنها اعتياده، حتى لو قالت الخالة ليديا إن التعامل مع الأشياء يومياً يحولها إلى أشياء عادية.

ولم يكن ذلك صحيحاً بالنسبة لها؛ فرائحة السجائر تثير فيها نكهة الحرية، ورؤية إحدى صديقاتها القديمات قبل جلعاد تجعلها تتنشق رائحة الحرية، والتحديق لدقائق في شاشة التلفزيون صحبة الرئيس تمنحها أملاً بغد مختلف. ولكن، مهلاً، فما الذي يجعل الرئيس متسامحاً أحياناً؟ إنه سيدها الذي يمتلكها، ويقرر أن تختلف علاقته بها عن سواها من الجواري. تبدو هذه العلاقة باردة وغريبة وربما تنم عن حمق أو رغبات معقدة لدى الرئيس. لا تخبرنا الراوية أوفرد ماذا كان يدور في تلك اللقاءات الليلية بينها وبين الرئيس. نحن نخمّن فقط، ولا نستطيع الجزم بشيء، فلو كان الأمر مجرد لقاء جنسي لما حال شيء بين الراوية وبين قوله والإفصاح عنه. وما يعزز فرضيتنا هو أنه يأخذها ذات ليلة بملابس مغوية، متسللاً بها عبر سيارته وسائقه، إلى فندق تعرفه في المدينة، وتُفاجأ حين ترى نساء شبه عاريات وقوميات أخرى من البشر مثل اليابانيين والعرب.

من غير المفاجئ أن يفكر الناس بالهرب من هذا الجحيم. فلا يوجد سجين في الدنيا لا يفكر بالهرب من سجنه. إنها فتنة الحرية وإغواؤها. وحين تفكر في الهرب فإن عليك أن تتوقع النتائج، وهي النجاح والفشل. والفشل يعني الموت شنقاً على الحائط أو رمياً بالرصاص. ولكن الأهم هو أن تفكر أن غيرك يفكر بما تفكر أنت به. فالبشر تواقون إلى الحرية أياً كانت أشكال القمع والوحشية التي تمارس ضد الإنسان. هنالك دائماً من هو مستعد للتفكير في الأمر من زاوية أوسع، وأعني زاوية الجماعة، فلا عجب أن تكتشف أوفرد أن رفيقتها في الخروج إلى السوق تنتمي لجماعة سرية تعمل في الخفاء للخلاص من هذا الكابوس. ثم تتوسع الدائرة لتكتشف أخيراً أن السائق الذي أقامت معه علاقة جنسية، ينتمي هو أيضاً إلى تلك الجماعة، وهو من يساعدها أخيراً على الهرب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

علاقة ملتبسة

بدت العلاقة ملتبسة بعض الشيء؛ صحيح أن أوفرد كانت تستمتع مع "نك" في لقاءاتهما، ولكنها كانت تتذكر دائما زوجها الغائب أو المفقود لوقا. والمفقود بالنسبة لأوفرد غير موجود وموجود في آن واحد. فهي من جهة تخون لوقا، ومن جهة أخرى تسرق ما يتاح لها من ملامح الحياة البشرية من دون ذنب!

 لا نعرف مصير أوفرد نفسها حين جرى تهريبها بمساعدة السائق "نك". ولا نعرف مصير زوجها لوقا وابنتها الضائعين أو المفقودين. وهو أمر ليس غريباً لولا أن أوفرد تميزت بقدرتها على حفظ تلك الحقبة وتسجيلها من دون رغبة أو طلب من أحد سوى رغبتها هي. وهي رغبة تبدو اختلاقاً لتبادل الحديث مع زوجها المفقود، وكأنها تبعث له برسائل شخصية من دون أن تعرف مكانه أو عنواناً له. كان يكفيها أن تتحدث إليه شارحة وضعها وما يحدث لها، ولديها أمل دائم أنه سوف يستمع إليها ذات يوم. ولم تكن تدرك أن البشرية كلها سوف تستمع إلى تلك الوثيقة، وتتوقف عندها متسائلة عن ماهية البشر التي تمتلك كل هذه القسوة وهذه الوحشية التي لم تكن تخطر ببالها من قبل.

وعلى رغم أن الرواية ليست رواية سياسية، إلا أننا لا نعثر على هذه القسوة في الروايات السياسية التي تتناول حياة السجن والتعذيب وحظر الحريات. لقد حاولت مارغريت آتوود أن تضع معاناة المرأة وتشرحها أمامنا وتقدمها لنا بعين مجهرية، لكنها في واقع الأمر كشفت لنا عن تفاصيل البنية الإنسانية، الراغبة والرافضة في الوقت نفسه، الذاهبة والآيبة، الشابة والمسنة. كشفت لنا مدى تعلق الإنسان بالحياة الحرة والكريمة، واستعدادها للتضحية عند اللزوم بنفسها لأجل سلامة الآخرين، كما فعلت رفيقتها أوفغلين التي شنقت نفسها حين افتُضح أمرها، ما يعني أنها قد تنهار تحت التعذيب وتوقع برفاقها في الجماعة السرية.

رواية تصلح حقاً لتكون وثيقة تاريخية، تبين فيها التراتبية الاجتماعية التي تتغير بين زمن وآخر، بين أيديولوجيا وأخرى، بين سلطة سياسية وأخرى. وربما هذا هو السبب الذي يجعل من النساء المنخرطات في الحركات النسائية العالمية، ينتمين إلى عرقيات وإثنيات متباينة، إضافة إلى اختلافهن أحياناً في معتقداتهن السياسية التي لا يولينها أي اعتبار إلا بمقدار ما يخدم النضال النسوي نفسه!

المزيد من ثقافة