Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"إسبرانتو"... لغة سلام عالمية موحدة أم هدفها السيطرة؟

يتحدثها أقل من مليوني شخص في 120 بلداً وتعترف بها "يونسكو"

مركز لودفيك زامنهوف لتعليم لغة "إسبرانتو" في مدينة بياليستوك شرق بولندا (أ ف ب)

في مثل هذا الأسبوع قبل 135 عاماً وبالتحديد في الـ 26 من يوليو (تموز) عام 1887، نشر طبيب يهودي في مدينة بياليستوك البولندية التي عاش بها خليط من أعراق وديانات يتحدثون لغات مختلفة ما يسمى "بالكتاب الأول" الذي قدم وصفاً للغة جديدة محايدة، صممها على أمل تعزيز السلام بين شعوب العالم وأطلق عليها اسم "إسبرانتو"، وهي لغة يتحدث بها الآن أقل من مليوني شخص حول العالم في 120 بلداً، فما قصة هذه اللغة التي رفض الفرنسيون أن تكون لغة علاقات دولية في عصبة الأمم؟ وكيف فشل الحلم في الانتشار؟ ولماذا قاومها ستالين وهتلر الذي اعتبرها مؤامرة يهودية للسيطرة على العالم، في حين تُدرسها الصين حالياً في جامعاتها واعترفت بها منظمة "يونسكو" وتتوافر لها دورات تعليمية على الإنترنت؟

بينما تمزق أوروبا مرة أخرى النزاعات والتوترات بسبب الحرب بين روسيا وأوكرانيا التي كانت مدفوعة جزئياً على الأقل بنقاش سياسي حول الاختلافات اللغوية، يعيد بعضهم إلى الواجهة فكرة قديمة ذبلت نسبياً ولم تحقق النجاح، لكنها في نظرهم قضية مثالية ترتكز على أن النزاعات حول اللغة شائعة في جميع أنحاء العالم، وأن وجود لغة محايدة مثل "إسبرانتو"، والتي تعني "الشخص الذي يأمل"، من شأنها أن تعزز السلام وتتجاوز الحواجز الثقافية الخلافية وتزيد التفاهم بين الشعوب.

كيف ظهرت "إسبرانتو"؟    

في أواخر القرن الـ 19 كانت مدينة بياليستوك التي كانت في السابق بولندية ثم بروسية ثم روسية وهي اليوم جزء من بولندا مرة أخرى، مركزاً للتنوع الثقافي واللغوي والتعدد العرقي بسبب وجود أعداد كبيرة من البولنديين والألمان والروس والتتار والبيلاروس والليتوانيين واليهود الأشكناز الناطقين باليديشية، حيث كانت كل مجموعة تتحدث لغة مختلفة وتنظر بريبة إلى أعضاء المجتمعات الأخرى.

لكن إل إل زامنهوف، وهو طبيب عيون يهودي من بياليستوك، كان يحلم بطريقة تتيح لأي مجموعات متنوعة من الناس حول العالم التواصل بسهولة وسلام، وساعده في ذلك أنه كان شغوفاً باللغات، فوفقاً لموقع "كلتشر" الأميركي كان زامنهوف يتحدث اليديشية والروسية والبولندية في المنزل، وتعلم أيضاً الألمانية والفرنسية.

وفي صالة وارسو للألعاب الرياضية درس اللغات الكلاسيكية مثل اللاتينية واليونانية والعبرية والآرامية، كما كان لديه أيضاً اهتمام باللغات الليتوانية والإيطالية والإسبانية، فضلاً عن قليل من الإنجليزية.

ومن هذه الذخيرة اللغوية التي تعلمها على مدى سنوات نشر زامنهوف ما يسمى بالكتاب الأول في يوليو عام 1887، والذي قدم وصفاً للغة "إسبرانتو" التي كرس حياته لها وصممها لتكون لغة محايدة وجسراً بين شعوب العالم، ووفقاً لجوشوا هولتزر وهو أستاذ مساعد العلوم السياسية في جامعة ويسمنيستر، لم يكن الهدف منها استبدال اللغة الأولى لأي شخص، لأن لغة "إسبرانتو" صممت لتعمل كلغة ثانية عالمية من شأنها أن تساعد في تعزيز الانسجام والتفاهم الدولي.

وعد السلام

كان المقصود بلغة "إسبرانتو" أن تكون بياناً للسلام منذ البداية أو وسيلة لتعزيز التعايش السلمي بين مختلف الناس والثقافات، لكن "إسبرانتو" تأثرت بشكل أساس باللغات الأوروبية، فمعظم مفرداتها مستمدة من الإنجليزية والفرنسية والألمانية واليونانية والإيطالية واللاتينية والبولندية والروسية واليديشية، وهي اللغات التي كان زامنهوف أكثر دراية بها. ولكن المثير للاهتمام أن بعض ابتكارات "إسبرانتو" تحمل تشابهاً مع الميزات الموجودة في بعض اللغات الآسيوية، واحتوى الكتاب الذي نشره زامنهوف على 16 قاعدة نحوية أساسية للغة "إسبرانتو"، إضافة إلى 917 من جذور الكلمات المأخوذة في معظمها من اللغات الأوروبية الحالية، إذ كانت الفكرة هي إنشاء أسهل لغة ممكنة يمكن تعلمها في أقصر فترة زمنية ممكنة، ولهذا لا يوجد تذكير وتأنيث أو تصريف أفعال في لغة "إسبرانتو"، ويقال إن الأديب الروسي ليو تولستوي تعلمها في فترة زمنية قصيرة جداً تتراوح بين ثلاث وأربع ساعات.

دوافع زامنهوف

على الرغم من أن زامنهوف حدد الحاجة إلى "لغة محايدة" أثناء نشأته في بياليستوك، إلا أن الرئيس السابق لجامعة هارتفورد ورابطة "إسبرانتو" العالمية همفري تونكين أوضح أنه بينما كان زامنهوف يدرس الطب في موسكو خلال العشرينيات من عمره تغير عالمه، فقد اغتيل القيصر وانتشرت الاغتيالات والمذابح في روسيا والتي انتشرت في النهاية غرباً إلى بولندا، وكان من بينها موجة لمعاداة اليهود أثرت في تفكير زامنهوف وجعلته يقتنع أكثر بأن العالم بحاجة إلى لغة واحدة من شأنها أن تجعل من الممكن للناس سد الفجوات الدينية أو العرقية، وفي الوقت نفسه فإن اختراع وسائل الاتصال السريعة آنذاك مثل الـ "تلغراف" كان لها أثر مواز، فقد كانت تعني أن الأشخاص ذوي الخلفيات المختلفة إلى حد كبير أصبحوا فجأة على اتصال وثيق أكثر من أي وقت مضى. وتزامنت هذه الفترة مع إنشاء المنظمات الدولية الأولى مثل الاتحاد البريدي العالمي والاتحاد البرقي العالمي التي مثلت موجة مبكرة أولى من العولمة التي دمرها صعود التيارات القومية بداية القرن الـ 20.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

غير أن زامنهوف كان مهتماً بالقضية اليهودية في أوروبا الشرقية وشارك في الحركة الصهيونية المبكرة وفقاً لمجلة "تايم" الأميركية، لكنه استقال بعد ذلك بوقت قصير.

وفي العام 1901 نشر بياناً قال فيه إن الحركة الصهيونية لا تستطيع حل مشكلات الشعب اليهودي، وأوضح في رسالته إلى منظمة الإسبرانتيين اليهود أنه على قناعة تامة بأن كل قومية لا تقدم للإنسانية سوى أكبر قدر من التعاسة، وأنه على الرغم من أن قومية الشعوب المضطهدة التي تظهر كرد فعل طبيعي للدفاع عن النفس تختلف عن قومية الشعوب التي تضطهد، إلا أنه إذا كانت قومية الأقوياء "دنيئة" فإن قومية الضعفاء غير حكيمة، وكلاهما يدعم بعضهما بعضاً.

انتشار بطيء ومحدود

لكن لغة "إسبرانتو" لم تنتشر على نطاق واسع، إذ تشير بعض التقديرات إلى أن هناك ما يصل إلى مليوني متحدث حالياً بلغة "إسبرانتو" في أكثر من 120 بلداً حول العالم، ولا تزال تنتشر ولكن ببطء، فقد انتشرت اللغة على نطاق واسع في أوائل القرن الـ 20، وتم تنظيم أول مؤتمر دولي للـ"إسبرانتو" عام 1905، وبعد الحرب العالمية الأولى كان ينظر إلى هذه اللغة على أنها أداة شبه ثورية أقرها الاشتراكيون لتحرير البروليتاريا.

ومع ترجمة هذا الكتاب إلى أكثر من 12 لغة، وفي بداية كل طبعة تخلى زامنهوف بشكل دائم عن جميع حقوقه الشخصية على اعتبار أنها ملك للمجتمع، وانتشرت اللغة في آسيا وأميركا الشمالية والجنوبية والشرق الأوسط وأفريقيا، ومنذ عام 1905 بدأ متحدثو "إسبرانتو" من جميع أنحاء العالم في التجمع مرة واحدة سنوياً للمشاركة في مؤتمر "إسبرانتو" العالمي للاحتفال واستخدام اللغة.

تجاهل وحروب مضادة

وبين عام 1907 ووفاته عام 1917، تلقى زامنهوف 14 ترشيحاً لجائزة نوبل للسلام لكنه لم يفز بالجائزة أبداً، كما تم ترشيح جمعية "إسبرانتو" العالمية، وهي منظمة تسعى إلى تشجيع العلاقات بين الناس، لجائزة نوبل للسلام أكثر من 100 مرة، تقديراً لمساهمتها في السلام العالمي من خلال السماح للأشخاص في مختلف البلدان للدخول في علاقات مباشرة من دون حواجز لغوية، ولكن حتى الآن لم تفز المنظمة بالجائزة أبداً.

وبعد الحرب العالمية الأولى تم تأسيس عصبة الأمم على أمل منع نشوب صراع في المستقبل، وبعد ذلك بوقت قصير اقترح المندوب الإيراني لدى عصبة الأمم اعتماد "أسبرانتو" كلغة للعلاقات الدولية، ومع ذلك رفض المندوب الفرنسي هذا الاقتراح، فقد كان يخشى أن تفقد اللغة الفرنسية مكانتها في الدبلوماسية، وخطت الحكومة الفرنسية خطوة أخرى إلى الأمام عام 1922 وحظرت تدريس "إسبرانتو" في كل الجامعات الفرنسية على اعتبار أنها أداة لنشر الدعاية الشيوعية.

ومن المفارقات أن الحياة خلف الستار الحديدي لم تكن أيسر مع لغة "إسبرانتو"، إذ اتهم الاتحاد السوفياتي الـ "إسبرانتيين" بأنهم جزء من "منظمة تجسس دولية"، وتعرض كثيرون إلى الاضطهاد ثم لقوا مصرعهم لاحقاً خلال عملية التطهير العظيم للزعيم السوفياتي جوزيف ستالين. أما بالنسبة إلى الزعيم النازي أدولف هتلر فقد كانت "إسبرانتو" دليلاً على مؤامرة يهودية للسيطرة على العالم، وخلال الرايخ الثالث، تلقى الـ "جستابو" (الاستخبارات النازية) أوامر محددة للبحث عن أحفاد زامنهوف، إذ مات جميع أبنائه الثلاثة في الـ "هولوكوست"، كما مات العديد من المتحدثين بالـ "إسبرانتو".

محاولة إنقاذ

وعلى الرغم من سياسات التجاهل أو المواجهة ضد "إسبرانتو"، أصدرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) عام 1954 قراراً بالاعتراف برابطة "إسبرانتو" العالمية والدخول في علاقة معها، مما فتح الباب أمام حركة "إسبرانتو" لتكون ممثلة في أحداث "يونسكو" المتعلقة باللغة، وفي عام 1985 أصدرت "يونسكو" قراراً يشجع الدول على إضافة الـ "إسبرانتو" إلى مناهجها المدرسية.

وخلال السنوات الأخيرة أعلنت "يونسكو" عام 2017 عام زامنهوف في ذكرى وفاته الـ 100، ومنذ ذلك الوقت أصدرت مجلتها الرئيسة (رسالة يونسكو) طبعة بلغة "إسبرانتو" تنشر كل ثلاثة أشهر.

أما الصين فقد عرضت لغة "إسبرانتو" كخيار للغة الأجنبية في عدد من جامعاتها التي تضم إحداها متحفاً للغة "إسبرانتو"، كما تدرس جامعة آدم ميكيفيتش البولندية برنامجاً في اللغة البينية بلغة "إسبرانتو".

لغة "إسبرانتو" اليوم

ويتحدث لغة "إسبرانتو" حالياً عدد من المتحمسين في جميع أنحاء العالم لا يزيدون على مليوني شخص بدرجات مختلفة، كما تنتشر مجموعة كبيرة من المواد التعليمية المجانية لتلك اللغة على الإنترنت، فضلاً عن قاموس مصور ودليل كامل للقواعد وإمكان الترجمة عبر "غوغل".

وعلاوة على ذلك فهناك أكثر من 230 ألف مقالة مكتوبة بلغة "إسبرانتو" على صفحات موسوعة ويكيبيديا، وهي تزيد على عدد المقالات باللغة الدنماركية أو اليونانية.

رهان على المستقبل

 قد يجادل بعضهم بأنه من المثالي الاعتقاد بأن لغة "إسبرانتو" يمكنها توحيد البشرية، خصوصاً في خضم حرب كبرى أخرى، ومع ذلك فإن قصة نشأتها وتطورها هي درس في المثالية يمكن أن نتعلمه اليوم، ذلك أن الحروب الأكثر عنفاً لا تنتهي من دون محادثات سلام غالباً ما تتطلب مترجمين لترجمة لغات الأطراف المتعارضة، لكن إذا كانت اللغة المحايدة يمكن أن تساعد الناس في سد انقساماتهم فهذا سيكون أفضل.