Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من يستنزف من في الحرب الأوكرانية؟

تهديد موسكو بتخفيض صادراتها من الغاز يشير إلى أن سلاح العقوبات والضغوط الاقتصادية أصبح متبادلاً

كما كان مقدراً منذ فترة، فمن الواضح أن الحرب الأوكرانية تحوّلت مثلما خططت واشنطن وعواصم غربية إلى حرب استنزاف، وفي الواقع أن تاريخ العلاقات الدولية منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية قد شهد نماذج عديدة لحروب الاستنزاف، وهي نماذج تختلف عن أشكال أخرى من التدخل الخارجي العسكري من طرف واحد أو من الطرفين لإضعاف الخصوم، ولهذا تاريخ طويل، ومن أشكاله المعروفة التدخلات المتعددة البريطانية والفرنسية ضد بعضهما بعضاً في المستعمرات بغرض محاولة تسيد العالم في ما قبل الوفاق بين البلدين والحرب العالمية الأولى.

لكن، بعد الحرب العالمية الثانية وحدوث التوازن النووي بين القوتين العظميين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق، تم اللجوء بشكل واسع لهذه الأداة عوضاً عن المواجهة العسكرية المباشرة، وكان استنزاف واشنطن في فيتنام في ستينيات القرن الماضي، ثم استنزاف موسكو منذ نهايات سبعينيات القرن الماضي أهم نماذج هذه الحروب، فالأولى أرهقت واشنطن وهزت كبرياءها وهيبتها، لكن لم تقض على صدارتها وقوتها الهائلة، أما الثانية فلم ترهق موسكو فقط اقتصادياً، بل كشفت هشاشة نظامها السياسي، وأطلقت عجلة تغيير ضخمة انتهت بانهيار النظام الماركسي، وتحللت الدولة العملاقة، وتركت مرارات لم تختف حتى الآن.

وبهذا الصدد كانت طبيعة حرب الاستنزاف المصرية – الإسرائيلية مختلفة، فبالأساس كانت جزءاً من سلسلة صراع وحروب بين الطرفين، واختبار وتهيئة من الجانب المصري لشن حرب تحرير، كما كانت حرب فرض إرادات ونفسية بين الجانبين، أحدهما يحاول تثبيت ما حققه عسكرياً في حرب 1967، وتدمير إرادة المنهزم المصري وخلفه العربي، بينما الثاني يحاول استعادة ثقته بنفسه من خلال معارك متعددة، كسب بعضها وخسر بعضها، وبالطبع تأكيد عدم الاستسلام، وفي جميع الأحوال ما أردنا توضيحه أن حرب الاستنزاف هذه ذات طبيعة مغايرة لما نريد طرحه في الحالة الأوكرانية.

حروب استنزاف وحروب وكالة

المستقر أن ما سُمى توازن الرعب النووي منذ خمسينيات القرن الماضي بين القوتين النوويتين آنذاك هو الذي أدى إلى بروز ما عرف بحروب الوكالة بين القوتين، وفي ظل مناخ الصراع والاستقطاب الدولي آنذاك اعتبر الباحثون والساسة أن كل صراع ينشب في العالم يكون وراءه هذا الاستقطاب، وإنه حتى عندما ينشب لأسباب أخرى، وهى عديدة داخلية وخارجية، يسارع أحد العملاقين للتدخل، ما يدفع الآخر للتدخل في الاتجاه العكسي، وتتحول هذه الحروب والنزاعات إلى حروب عديدة بالوكالة بين العملاقين، وشهدنا في هذا نماذج عديدة، حتى شملت حروب تحرير للتخلص من الاستعمار التقليدي أو نزاعات حدودية أو حتى صراعات قبلية وانقلابات عسكرية في دول الجنوب، بخاصة أفريقيا، ما أدى إلى شيوع ما سُمي بحروب الوكالة بين العملاقين تفاوتت في شدتها ووصلت إلى توظيف حلفاء آخرين كما حدث في توظيف مرتزقة كوبيين لمساعدة الأطراف أو القوى اليسارية في أفريقيا، وقد انتصرت موسكو في بعض هذه الصراعات، وكسبت واشنطن جولات أخرى، وكانت شعوب البلاد محل الصراعات ضحية هذه الصراعات، سواء من حيث فقد الأرواح أو إرهاق اقتصادات أطراف هذه الحروب بالوكالة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي ظل حروب الوكالة هذه كان نموذجا فيتنام وأفغانستان أخطر وأسوأ هذه النماذج، حيث تحولت إلى حرب استنزاف، فلم تدفع شعوب البلدين، محل الصراع، الثمن فقط، لكن أيضاً الأطراف التي قادت هذه المعارك، بما في ذلك القوتان العظميان، وربما كانت فيتنام حالة أفضل كثيراً من النموذج الأفغاني، فقد خسرت واشنطن اقتصادياً ومعنوياً بشكل هائل، لكنها تملك اقتصاداً عملاقاً وفريداً ليس فقط قادراً على تحمل التكلفة المادية، بل الأخطر أن طبيعته تزدهر على الصناعات العسكرية، ومن ثم لم يؤد استنزافه وغضب العالم واعتراضه إلى انهياره، ومن ناحية أخرى استطاع الشعب الفيتنامي الذي فقد أكثر من مليون قتيل أن يحول نضاله إلى تجربة نهضة اقتصادية حالياً.

أما أفغانستان فلم يستطع الاقتصاد السوفياتي تحمل تكلفتها، فضلاً عن أن نمط تحويلها إلى حرب عقائدية يخوضها الإسلام أضعف من تماسك الجبهة المؤيدة لموسكو، وفي النهاية اقتصاد الاتحاد السوفياتي لم يكن قادراً على المواصلة، وهنا لم تدفع أفغانستان وروسيا الثمن وحدهما، بل أيضاً العالم الإسلامي ذاته الذي أطلق قوى سياسية واجتماعية بتوظيف الدين، أدى إلى عدم استقرار واسع في كثير من بلدانه، وامتدت تأثيراته المتباينة في شكل عمليات إرهابية في العالم ودول غربية كذلك، ولم تختف آثاره حتى الآن.

من الخاسر الأكبر في الحرب الأوكرانية؟

المنطق الذي تستند إليه حروب الاستنزاف يقوم على من سيستسلم أولاً، أو من سيتحمّل التكلفة والخسائر الأكبر، فالأطراف المتصارعة سواء مباشرة أو بالوكالة تدفع أثماناً باهظة متفاوتة، وفي الحالة الأوكرانية الراهنة يتبدى عنصر التكلفة، الذي ستتحمله جميع الأطراف منذ البداية، فكما هو معروف وتناولناه في مقال سابق يوظف الغرب عدة أدوات، وهي مساعدة أوكرانيا واستثمار عزيمة شعبها وحكومتها على المقاومة، وثانيها العقوبات الاقتصادية، وثالثها الحصار السياسي، وهذا الأخير قد استنزف أغلب أوراقه بحكم طبيعة النظام الأممي الراهن، ومن ثم يتم الاعتماد أساساً على ركني الاستراتيجية الآخرين، وهنا أشرنا إلى أن المشكلة المتعلقة بأهم أركانها أي العقوبات الاقتصادية أن الغرب يدفع أثماناً لا تقل تكلفة عن الجانب الروسي، وذلك بحكم حجم الاعتماد المتبادل مع موسكو في قطاعي النفط والغاز، وحتى اللحظة الراهنة تبدو تكلفة الاقتصادات الغربية والأوروبية بشكل خاص سواء في ما يتعلق بالتضخم وتدهور العملة وتراجع مستويات النمو الاقتصادي، وأن الجانب الأوروبي يدفع ثمناً باهظاً لهذه العقوبات، ولا يبدو أن تأثر موسكو بنفس القدر بهذا الصدد، وهو ما سبق لنا وآخرون تناوله في مواضع سابقة، كما أن تهديد موسكو أخيراً بتخفيض صادراتها من الغاز يشير إلى أن سلاح العقوبات والضغوط الاقتصادية قد أصبح متبادلاً.

أما في ما يتعلق بالموقف العسكري الذي يبدو أنه ما زال على درجة كبيرة من التعقيد في هذه المرحلة، فواضح أن تحقق نجاح موسكو الملحوظ في مناطق الدونباس أخيراً لم يقض على المقاومة الأوكرانية، التي كان يمكن توقع انهيارها جزئياً أو تدريجياً في الأسابيع الأخيرة، بل تبدو آثار الدعم العسكري النوعي الغربي ملموسة سواء في تفاوت درجة التباطؤ الروسي من يوم إلى آخر، أو في العمليات النوعية الأوكرانية التي أعلن عنها أخيراً بفضل أنظمة التسليح الغربية الجديدة.

وهذا الوضع الأخير إذا تأكد في الفترة القصيرة المقبلة، ولم تنهر المقاومة الأوكرانية، وهو أمر أكثر احتمالاً في ضوء مجريات الحرب الأخيرة، فسيعني تحول المواجهة إلى حرب استنزاف بطيئة قد ترد عليها موسكو بمستويات عنف عسكري أكبر، أو سيتضح عدم قدرتها على ذلك أو تخوفها من الإقدام على هذه الخطوة، ما سيعني تحول هذه المواجهة إلى حرب استنزاف جديدة ستعتمد نتائجها على من سيتمكّن من المقاومة لفترة أطول.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أمرين، وهو أن مناخ استنزاف طرفي الصراع لبعضها بعضاً ستمتد آثاره إلى بؤر الصراع الراهنة، بخاصة في العالم العربي، ولهذا إرهاصات سبق عرضها وستزيد من بطء التسويات وتزيد من المعاناة الإنسانية لدى شعوب المنطقة، ومن ناحية أخرى فمن المتوقع في هذه الحرب أن كل أطرافها خاسرة ومعها بقية العالم، وأنه حتى من سيتمكّن أكثر من التحمل سيكون كسبه جزئياً ونسبياً، وسيتحمل تكلفة ليست يسيرة، وبما يؤكد مدى غياب الرشادة والحسابات الشاملة عن كل أطراف هذه الحرب.

المزيد من تحلیل