Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العيدية "رقمية" والولائم "إلكترونية" فهل تندثر الطقوس؟

التطبيقات الحديثة ظهرت للتحايل على كورونا وتشجيع التباعد وتحذيرات من استسهال استخدامها وتأثيرها السلبي في روابط العائلة

العيدية الرقمية أصبحت بديلا للهدايا التقليدية في العيد (مواقع التواصل)

مع دخول التكنولوجيا الحديثة في كل تفاصيل الحياة اليومية، تغيّرت طقوس وتبدلت مظاهر اجتماعية كانت سائدة، فحتى الاحتفال بالأعياد أصبح رقمياً من خلال تطبيقات ومواقع "السوشيال ميديا"، كـ"العيدية" التي تتسلمها بضغطة زر على "الموبايل"، ما يثير التساؤل حول خطورة أو منفعة ذلك التطور، فنجده، من جانب، يفقدنا الشعور بدفء الزيارات العائلية والتواصل الفعلي، لكنه من جانب آخر، يختصر المسافات التي تفصل بين أحبة فرّقتهم ظروف الحياة والعمل، أو الغربة.

ومن المدهش أيضاً أن تقيم التكنولوجيا الولائم في البيت للاحتفال بالعيد من خلال الجزار الرقمي والشيفات الإلكترونيين.

العيدية الرقمية و"كوفيد-19"

ظهرت فكرة العيدية الإلكترونية أثناء تفشي فيروس كورونا المستجد، المعروف بـ"كوفيد-19" خلال العامين السابقين، ومن ثم خطورة التلامس والمصافحة والزيارات للأهل والأقارب، فخرجت بنوك عدة بتلك الفكرة مع حلول العيد لإسعاد عملائها وتشجيع التزام إجراءات التباعد، فأنشأت عدداً من التطبيقات المستحدثة بحسابات الأفراد، ترمز إلى "العيدية" بتسميات مختلفة، منها "عيديتي" و"العيدية" وهكذا.

وعلى الرغم من كونه إجراء اتُّبع بالأساس لمعالجة أزمة ومنع التلامس، بخاصة أن تداول النقود واحد من أخطر الأسباب لنقل العدوى، لكن بدا أنه سيتحول إلى تقليد بديل عن عادة الأطفال في الأعياد زيارة الأقارب وتلقي العيدية في أجواء من البهجة لمتلقيها ومانحها، لتحل محله، تدريجاً، "العيدية الرقمية"، كما حدث مع المعايدات الرقمية التي يتبادلها كثير من الأصدقاء والأقارب على مواقع التواصل الاجتماعي.

الجانب السلبي الذي يهدد الموروث الاجتماعي في تلك المعايدات، يقابله جانب آخر مضيء، إذ تعمل العيدية الرقمية على تقليص المساحات الشاسعة بين الأقارب التي تفصل بينهم دول وقارات، فتسهل عليهم وصل الود معهم وإسعادهم واستشعار أجواء العيد التي حرمتهم منها الغربة. تقول سلمى ممدوح، 22 سنة، إنها تدرس خارج مصر في مدينة بون الألمانية، ويتعذر عليها قضاء العيد وسط عائلتها، وتفتقد أجواء بهجته، لكنها تشارك ذويها طقوسه عبر "الفيديو كول"، وتشعر أيضاً بالفرح عندما تأتيها رسالة بوصول العيدية.

الدكتور علاء الغندور، استشاري التأهيل النفسي والسلوكي، يقول إن مرحلة الطفولة، بخاصة السنوات الخمس الأولى من حياة الأطفال، تشكل أهم مرحلة في بناء المعتقدات والأفكار والرواسخ، بل وتُعدّ أهم مراحل نمو الشخصية والتوافق النفسي والاجتماعي، ويوضح أن الانسلاخ الكامل من التقاليد والعادات المجتمعية، كالزيارات العائلية في العيد التي توطد الروابط، ستكون له أبعاد سلبية مستقبلاً، تتمثل في هشاشة اجتماعية بين أفراد العائلة الواحدة وتباعد أكبر.

وتابع "السوشيال ميديا خلقت تواصلاً افتراضياً، وأصبح كثيرون يعتمدون عليها في المباركات، بديلاً عن الزيارات واللقاءات الاجتماعية، لذا ينصح بعدم الاستسهال في استخدام تلك المزايا التكنولوجية الجديدة، إلا في الضرورة وفي أضيق الحدود، والحرص على الموروثات التي تسهم في بناء انتماء وروابط قوية بين أفراد الأسرة والعائلة".

الشيف الإلكتروني

"صواني الفتة" المصرية، و"طواجن اللحم" بجميع أنواعها، والمشاوي، التي تُعدّ أشهر أكلات المصريين في عيد الأضحى، والتي تلتف حولها العائلة أثناء إعدادها، كأحد أهم طقوسها في أول أيام العيد بعد النحر، إذ تُرص في مائدة طويلة مُعدّة بكل أنواع الأكلات البيتية، أصبحت الآن أيضاً تُحضّر بضغطة زر، فيما يُسمّى حديثاً بـ"الشيف الإلكتروني"، فيمكنك من اختيار أكلات العيد من بين قائمة طعام طويلة. وبعد أن كانت العائلة تجتمع في حلقات من السمر والدردشات، وتتعاون في إعداد الطعام والمشاوي وغيرها، بات ذلك "الشيف" يوفر الأكلات ذاتها بشكل سريع وجاهز، وأصبح خياراً سهلا للبعض، في طلب الأكلات "ديليفري"، بعد أن كان يقتصر الأكل الجاهز سابقاً على الوجبات السريعة فقط.

تقول أميرة محمد، 38 سنة، مهندسة معمارية، وأم لثلاثة أطفال، إنها تعمل هي وزوجها خارج مصر، ما يمنعها من مشاركة عائلتها، سواء والدها أو أخواتها تلك الطقوس في الاحتفال بالأعياد والمناسبات، فتستخدم تلك التقنيات الحديثة في المعايدات ومشاركة أهلها الفرحة بالعيد، مضيفة أنها ماهرة في الطبخ ولا تلجأ إلى هذا الخيار إلا لضرورة السفر بعيداً من الأهل، بحيث لا تتمكن من إعداد العزومات، فتعوضهم عن غيابها بمائدة من اختيارها في أحد أيام العيد، أو في شهر رمضان، ومن ثم تشاركهم الأجواء وبهجة العيد وطقوسه.

أما إيناس أحمد، 31 سنة، مهندسة زراعية، فتقول إنها تلجأ إلى هذا الحل كنوع من التيسير واختصار الوقت، بل وتهادي أحباءها من خلال تلك التقنيات الحديثة التي تسهل الحياة في  مناحيها شتى، فحتى السوبر ماركت والتسوق أصبحا عبر ضغطة زر، ما يوفر جهداً ووقتاً.

خروف العيد وجزار "إنستا"

"إنستغرام" أصبح واحداً من أهم تطبيقات "السوشيال ميديا"، في مجال "الماركتينغ" ولم يعُد يقتصر على الاستخدام الفردي، بل أصبحت مؤسسات وأنشطة تجارية كثيرة تعتمد عليه في تسويق مبيعاتها، وحتى الباعة الجوالون المتعلمون، باتوا يهتمون بشكل كبير بإنشاء صفحة خاصة بهم على "إنستغرام"، ويدعون زبائنهم لزيارتها، لكن أغرب التقاليع في مجال التسويق أن يتخذ الجزارون النهج نفسه.

تقول وفاء يحيى، 36 سنة، معدّة برامج، إنها خلال تصفحها موقع التواصل "إنستغرام" وجدت صوراً للجزارين يستعرضون من خلالها جميع أنشطتهم، ومزايا اللحوم لديهم، ما دفعها إلى طلبهم والشراء منهم بالفعل، فوجدت ما تبحث عنه لديهم من دون عناء النزول إلى السوق، اختصاراً للوقت.

من جهته، يرى الشيخ أحمد الششتاوي، أستاذ العلوم الإسلامية، أن الانشغال بالهواتف والتطبيقات الذكية يُعدّ نوعاً من التكاسل عن صلة الأرحام، محذراً من أثره المباشر والعميق في المدى البعيد، بانشغال الأبناء عن التواصل الفعلي مع كبار السن في المنزل، ما يؤدي إلى شعورهم بالوحدة والعزلة داخل البيت الواحد، ومعتبراً أن الحرص على تقاليد المعايدة الحقيقية وتبادل الزيارات الفعلية أفضل كثيراً لصلة الرحم والترابط وتقوية العلاقات.

اقرأ المزيد

المزيد من العالم العربي