Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

4 دساتير في تاريخ تونس و"صلاحيات الرئيس" هاجسها الأقوى

استأثر البند الإشكالي بالحيز الأكبر من النقاش السياسي عبر مختلف المحطات الفارقة بالبلاد

يعتبر استفتاء الـ 25 من يوليو الحالي الثاني من نوعه في تاريخ تونس السياسي (أ ف ب)

عرفت تونس عبر تاريخها ثلاثة دساتير، يضاف إليها مشروع دستور الرئيس قيس سعيد الذي سيعرض للاستفتاء في الـ 25 من يوليو (تموز) الحالي، وسط انقسام الساحة السياسية بين رافض ومساند للمشروع، ومقاطع للمسار الجديد الذي بدأه سعيد في الـ 25 من يوليو (تموز) 2021.

وكان أول الدساتير التونسية سنة 1861 أعلنه محمد الصادق باي (أو محمد الصادق باشا) قبل أن تسقطه انتفاضة "علي بن غذاهم" سنة 1864، ثم جاء الدستور الثاني الذي صاغه المجلس القومي التأسيسي عام 1959 ووضع أسس النظام الرئاسي، لكنه شهد عدداً من التنقيحات ليتحول إلى نظام رئاسوي بصلاحيات واسعة للرئيس، والثالث دستور 2014 الذي أسس لنظام برلماني مزدوج قبل أن يتم تعليق العمل بجزء كبير منه بداية من الـ 25 من يوليو 2021، وبعد سنة من هذا التاريخ يعرض رئيس الجمهورية قيس سعيد مشروع دستور جديد يعود للنظام الرئاسي.

الاستفتاء الثاني

يُعتبر استفتاء الـ 25 من يوليو الحالي الثاني من نوعه في تاريخ تونس السياسي، إذ شهدت البلاد استفتاء سنة 2002 في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي من أجل تعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية عبر إدخال تنقيحات شملت نصف فصول دستور يونيو 1959، وكان الهدف رفع السن الأقصى للترشح لمنصب رئيس الجمهورية إلى 75 سنة، إضافة إلى عدد الدورات المسموح بها للترشح لرئاسة الجمهورية بعد استيفائه الدورات الثلاث التي حددها التنقيح الدستوري لسنة 1988، والذي نص على أن "رئيس الجمهورية ينتخب لمدة خمسة أعوام ويجوز له أن يجدد ترشحه مرتين، ويجب أن يكون المترشح لمنصب رئيس الجمهورية يوم تقديم ترشحه بالغاً من العمر 40 سنة على الأقل و70 سنة على الأكثر".

وتمكن بن علي عبر استفتاء 2002 من تمديد فترة حكمه من نوفمبر (تشرين الثاني) 1987 إلى يناير (كانون الثاني) 2011، عندما أطاحت به اضطرابات شعبية دفعته إلى مغادرة البلاد.

بين النص والممارسة

وخضع الدستور التونسي إلى 15 تنقيحاً خلال فترتي حكم كل من الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، وتصب معظم تلك التنقيحات في مسار مزيد من تعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية.

يقول أستاذ التاريخ المعاصر عبدالجليل بوقرة في تصريح إلى "اندبندنت عربية"، إنه "في تاريخ تونس المستقلة كانت النية في البداية متجهة إلى سن دستور لنظام برلماني مثلما هي الحال في فرنسا، بسبب تأثر النخب السياسية والفكرية التونسية بالفكر الفرنسي، لكن عدم الاستقرار الحكومي الذي رافق الجمهورية الرابعة في فرنسا دفع الحبيب بورقيبة إلى تغيير التوجه من النظام البرلماني إلى الرئاسي".

وبعد إلغاء النظام الملكي وإعلان الجمهورية طلب بورقيبة من النواب إعداد دستور لنظام رئاسي تفادياً لعدم الاستقرار الحكومي في فرنسا وقتها، وبدأ النظام الرئاسي في تونس مع أول رئيس للجمهورية التونسية وهو الحبيب بورقيبة.

وتوجت أعمال المجلس القومي التأسيسي بإصدار دستور الأول من يونيو 1959، ويعتقد بوقرة أن "العيب ليس في شكل نظام الحكم إن كان برلمانياً أم رئاسياً، بل في كيفية تطبيق الدستور والقوانين، علاوة على السياق السياسي وكيفية التعامل مع ذلك النظام".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف أستاذ التاريخ المعاصر أنه "في الولايات المتحدة الأميركية تم وضع دستور واحد ليستقر في البلاد أكثر من قرنين، بينما في تونس يتم اعتماد إما نظام رئاسي مشوه أو نظام برلماني مشوه، وهو ما لا يتلاءم مع الواقع السياسي التونسي".

ويتابع أن الرئيس بورقيبة "بدأ فترة حكمه بنظام رئاسي ثم أصبح رئاسوياً عندما وسع صلاحيات رئيس الجمهورية وجمد الدستور، وكانت الكلمة الفصل للأوامر والقرارات الرئاسية، وكان الفصل السابع من (دستور 1959) ينص على حق تكوين الجمعيات والأحزاب السياسية لكن الواقع لا يسمح بذلك، إذ منع بورقيبة منذ 1963 تكوين الأحزاب، وخلال السبعينيات أقر الرئاسة مدى الحياة وضرب النظام الجمهوري في مقتل".

وفي العام 1987 ألغى الرئيس زين العابدين بن علي "الرئاسة مدى الحياة"، لكنه أعاد تعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية في ما سمي وقتها بـ "الإصلاح الدستوري" الذي عرض في استفتاء 2002، ونجح بن علي وقتها في تمرير نص الإصلاح الدستوري بنسبة فاقت 99 في المئة، وهو ما اعتبرته المعارضة تزويراً لإرادة التونسيين.

واعتبرت دوائر المعارضة أن بن علي انحرف بالدستور خلال فترة حكمه وأحكم قبضته على الدولة ومؤسساتها من خلال الحزب الواحد، تكريساً لحكم فردي استبدادي استمر 23 سنة.

تقليص صلاحيات الرئيس

بعد أن أطاحت الاحتجاجات الشعبية بنظام بن علي انتخب التونسيون مجلساً وطنياً تأسيسياً في 2011 ليتولى وضع دستور جديد للبلاد صدر عام 2014، مقلصاً صلاحيات رئيس الجمهورية ومتبنياً نظاماً برلمانياً معدلاً اصطدم بالواقع السياسي التونسي، مما فتح الباب أمام صراعات سياسية وتنازع حول الصلاحيات بين ما يعرف بالرئاسات الثلاث، الجمهورية والبرلمان والحكومة.

ولم يعمر دستور 2014 سوى سبع سنوات، حين أعلن رئيس الجمهورية قيس سعيد تفعيل الفصل (80) من دستور 2014، وجمد أعمال البرلمان وأقال الحكومة في الـ 25 من يوليو 2021، واعتبرت تلك الإجراءات تصحيحاً للمسار من قبل مساندي سعيد وانقلاباً من قبل داعمي حكم ما قبل 25 يوليو.

وكشف هذا المسار عن عدم استقرار دستوري في تونس، إذ ارتبط الدستور بالسياق السياسي وبمن يحكم.

ويعتبر عبدالجليل بوقرة أن "الدساتير في تونس حبر على ورق وكل رئيس جديد للبلاد يحمل معه دستوراً جديداً وتاريخاً جديداً لتونس".

وعلى عكس دستور 2014 الذي قلص صلاحيات رئيس الجمهورية ووزع السلطة بين البرلمان ورئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية، فإن مشروع دستور قيس سعيد أعاد إلى الأذهان النظام الرئاسي ذي الصلاحيات المعززة لرئيس الدولة، مما أثار جدلاً في الساحة السياسية حول تلك الصلاحيات، إذ إن رئيس الجمهورية هو "القائد الأعلى للقوات المسلحة ويضبط السياسة العامة للدولة ويحدد اختياراتها الأساس، ويسهر على تنفيذ القوانين ويمارس السلطة الترتيبية العامة ويسند باقتراح من رئيس الحكومة الوظائف العليا المدنية والعسكرية، ويتمتع بحق عرض مشاريع القوانين" على البرلمان الذي يتعين عليه أن يوليها "أولوية النظر" على سائر مشاريع القوانين.

كما يتمتع رئيس الجمهورية بـ "الحصانة طوال فترة رئاسته ولا تجوز مساءلته عن الأعمال التي قام بها في إطار أداء مهماته".

نظرة إلى الوراء

من جهته، يؤكد المؤرخ ورئيس مركز الدراسات الاستراتيجية حول المغرب العربي عدنان منصر أن "دستور 1861 نص على أن الباي يمكن مساءلته، وينص أحد فصول هذا الدستور على أن "البيعة منحلة إذا ما أخل الباي بالتزاماته أو ارتكب خطأ أو خيانة".

ويضيف أن "دستور 1959 وعلى الرغم من التنقيحات التي أدخلت عليه كانت هناك إشارة إلى الشغور الوقتي والشغور النهائي لمنصب رئيس الجمهورية، بينما في مشروع الدستور الجديد لا توجد إشارة إلى هذه المسألة، كما لا يشير إلى مبدأ التداول على الحكم أو حال الفراغ".

ويسعى رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى تدوين صفحة جديدة في تاريخ تونس الحديث أطلق عليها "الجمهورية الثالثة"، ويعتبرها منعطفاً تاريخياً في البلاد، وفق رؤية جديدة للحكم تؤسس لما يسميه بـ "التنظم الذاتي"، ولا يعترف بالأجسام الوسيطة من أحزاب ومنظمات وجمعيات.

وتجد هذه السردية صدى لدى بعض الأوساط المساندة، إذ يعتبر رئيس حزب "التحالف من أجل تونس" سرحان الناصري أن "مشروع الدستور الجديد أعاد للدولة تماسكها وللحكم نجاعته، وسيضع حداً لمنظومة الإخوان".

ويضيف الناصري أن مشروع الدستور الجديد "يؤسس لنظام رئاسي قوي لا ديكتاتوري كما يروج المعارضون، لأنه يخول رئيس الجمهورية تجديد الترشح لمرة واحدة فقط، ويضمن للشعب تمثيلاً واسعاً من خلال مجلس نيابي ومجلس وطني للجهات والأقاليم".

ورحب الأمين العام لحركة "تونس إلى الأمام" عبيد البريكي بمشروع الدستور، وقال إنه سيسمح للتونسيين "بالتنفس وتأسيس تونس الجديدة".

المزيد من العالم العربي