Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"استقلال وتنمية"... المغرب يتقدم في سباق الهيدروجين الأخضر

لجنة وطنية لإنجاز الدراسات واتفاق مع ألمانيا لتطوير القطاع وخريطة طريق للحد من استيراد الوقود الأحفوري

عمل المغرب منذ سنوات على تبني سياسة طاقية تتجه نحو الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة بشكل كبير (أ ف ب)

في ظل المساعي الدولية للتخفيف من آثار الاحتباس الحراري المسببة للتغيرات المناخية، اعتمد المغرب منذ سنوات توجهاً رائداً في مجال الطاقة النظيفة، متوقعاً من خلال ذلك الوصول لتغطية 51 في المئة من حاجاته الطاقية عبر مصادر متجددة بحلول العام 2030، في حين تتجه المملكة لكي تصبح واحدة من أهم البلدان المنتجة لمادة الهيدروجين.

برامج حكومية

و يتجه المغرب للتركيز على إنتاج الهيدروجين، وفي ذلك الاتجاه أنشأت المملكة العام 2020 اللجنة الوطنية للهيدروجين بهدف "قيادة وتتبع وإنجاز الدراسات اللازمة بخصوص مجال الهيدروجين، وكذا تدارس تنزيل وتنفيذ خريطة الطريق لإنتاج الهيدروجين ومشتقاته من الطاقات المتجددة، ويأتي إحداث تلك اللجنة في سياق تسريع خطوات البلاد لتعزيز قدراتها والعمل على التطوير التكنولوجي لقطاع الطاقات المتجددة، بهدف جعل المغرب أحد البلدان الرائدة في مجال إنتاج الجزيئات الخضراء، والمضي قدماً نحو إقامة شراكات طاقية جديدة ذات قيمة مضافة عالية".

وفي ذلك الإطار وقع المغرب وألمانيا اتفاقاً لتطوير قطاع إنتاج الهيدروجين الأخضر، إضافة إلى إنشاء مشاريع للأبحاث والاستثمارات في استخدام تلك المادة، "ومن شأن هذا الاتفاق الإسهام في تطوير التعاون الطاقي بين البلدين، إذ تعد المملكة رائدة في هذا المجال على الصعيد الأفريقي، كما أنه في إطار التعاون بين البلدين هناك اهتمام بالهيدروجين وأيضاً بالميثانول الذي سيشكل المرحلة المقبلة في إطار التعاون مع المملكة".

وإضافة إلى ذلك نظمت المملكة خلال يونيو (حزيران) بمدينة مراكش القمة العالمية للهيدروجين التي شارك فيها 520 متداخلاً من 30 دولة، وتم خلالها تدارس الإمكانات المتاحة في مجال إنتاج واستخدام الهيدروجين، إضافة إلى خلق شراكات في ذلك المجال.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبخصوص سياسة المغرب الخاصة بإنتاج الهيدروجين، صرحت المديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن أمينة بنخضرا أن المغرب يستعد لتطوير الهيدروجين الأخضر خلال العقد المقبل، مشيرة إلى تبني المملكة خريطة طريق من أجل تطوير الهيدروجين عبر إطلاق أول تجمع للهيدروجين الأخضر بأفريقيا "Cluster Green H2" الذي يضم فاعلين عموميين وخواصاً مغاربة وأجانب.

وأوضحت بنخضرا أن الهدف من وراء إنشاء ذلك التجمع هو الانكباب على التطورات التكنولوجية في هذه السلسلة الاقتصادية والصناعية الواعدة للغاية، مؤكدة أن "بإمكان المغرب أن يصبح فاعلاً لا محيد عنه في تصدير الهيدروجين الأخضر نحو أوروبا بكلفة تنافسية جداً، بالنظر إلى توفره على مصادر طبيعية في مجال الطاقات المتجددة ذات الجودة العالية، لا سيما بواجهته الأطلسية وأقاليمه الجنوبية، حيث أضحى وجهة جذابة للاستثمارات العالمية في هذه الشعبة الاقتصادية والصناعية".

من جانبه، شدد المدير العام بالنيابة لمعهد البحث في الطاقات الشمسية والطاقات الجديدة سمير رشيدي على مكانة المغرب المهمة في مجال الطاقات المحافظة على البيئة، موضحاً أن المملكة أصبحت تحظى باهتمام الدول المهتمة باستخدام الهيدروجين الأخضر بسبب ريادة المغرب في مجال الطاقات الشمسية والريحية، مشيراً إلى أن المستثمرين في مجال الطاقة النظيفة وفي إطار سعيهم خفض كلفة إنتاج الهيدروجين يتجهون إلى المناطق التي تتوافر على مصادر الطاقة المتجددة، وللمغرب قدرة تنافسية مهمة في ذلك المجال، على حد تعبيره.

الانتقال الطاقي

عمل المغرب منذ سنوات على تبني سياسة طاقية تتجه نحو الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة بشكل كبير، وبالتالي الحد من الاعتماد على المصادر الأحفورية الملوثة للبيئة، ويوضح مسؤول اليقظة التكنولوجية والعلمية بمعهد البحث في الطاقة الشمسية والطاقات الجديدة الصديق الصباحي أن المغرب شهد مراحل متتالية من سياسات الانتقال الطاقي، في سياق مساعي المملكة نحو تحقيق سيادة طاقية واستقلال عن الاستيراد الخارجي للطاقة الأحفورية الخاضعة لتقلبات الأسعار، مشيراً إلى أنه "منذ عهد الملك الراحل الحسن الثاني أسهمت سياسة بناء السدود في إعداد بنية تحتية لإنتاج الطاقة الكهرومائية، تلتها مشاريع للطاقة الريحية التي ازدهرت خلال العشرية الأولى من عهد الملك محمد السادس الذي أشرف منذ سنة 2009 على إعداد وتفعيل استراتيجية طاقية للمغرب مرتكزة على الطاقة الشمسية، أبرز مشاريعها محطات نور بمدينة ورزازات، مع الاستمرار في بناء محطات ريحية جديدة ومعامل لتخزين الطاقة عبر ضخ المياه".

ويؤكد الخبير المغربي أن استخدامات الطاقات المتجددة تغطي أساساً حاجات إنتاج الكهرباء، إلا أن قطاعات مثل الصناعات الثقيلة وقطاع النقل وإنتاج الحرارة المستخدمة في التدفئة والطهي يصعب خفض انبعاثات ثنائي أكسيد الكربون الناتجة منها، بحكم صعوبة إيجاد حلول ناجعة منخفضة الكلفة لتعويض كميات الطاقة الحرارية التي تستهلكها بالطاقة الكهربائية.

وأضاف أنه من هذا المنطق عرف العالم منذ نحو خمس سنوات سباقاً نحو اقتصاد طاقي معتمد على الهيدروجين الناتج من مصادر طاقية متجددة، واصطلح على تسميته بالهيدروجين الأخضر نظراً إلى كونه منعدماً أو منخفض الكربون، مشيراً أن المغرب كان ضمن الدول السباقة لدرس الفرص التي يوفرها الهيدروجين الأخضر لسوق داخلية وخارجية، مع وفائه بعهوده الدولية للإسهام في خفض انبعاثات الكربون والغازات الدفيئة بصفة أعم ولتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

رائد مستقبلي

توقع تقرير للوكالة الدولية للطاقة المتجددة أن يدفع النمو السريع في مجال السباق العالمي نحو الهيدروجين إلى خلق تحولات جغرافية اقتصادية، مما يسمح بظهور مراكز نفوذ جيو-سياسي جديدة متعلقة بإنتاج الهيدروجين واستخدامه، بالتوازي مع تراجع تجارة النفط والغاز. وأوضح التقرير أن المغرب في طريقه لأن يصبح رائداً عالمياً في مجال تصدير الهيدروجين، إذ رجحت الوكالة الدولية أن تصل نسبة الهيدروجين من الاستخدام العالمي للطاقة إلى 12 في المئة بحلول 2050.

من جانبه، يشير الخبير المغربي الصديق الصباحي إلى أن دراسات وتقارير دولية عدة أجمعت على تصنيف المغرب ضمن دول قليلة تقود سباق الهيدروجين العالمي، نظراً إلى توفره على مؤهلات كبيرة على رأسها إشعاع شمسي يتراوح بين نحو أربعة إلى ثمانية كيلوواط في المتر مربع، وسرعة الرياح يبلغ متوسطها السنوي بين 7.5 و11 متراً في الثانية على ارتفاع 40 متراً فوق مستوى سطح البحر، إضافة إلى 3500 كيلومتر من السواحل البحرية التي يمكن تحليتها بواسطة الطاقات المتجددة، لإيجاد الماء الضروري لإنتاج الهيدروجين الأخضر المرتكز على تقنية التحليل الكهربائي.

ويضيف الخبير أن الدراسات التي أجراها معهد "فراونهوفر" خلصت إلى أن "المغرب يمكن أن يستحوذ على حصة من الطلب العالمي على تكنولوجيا PtX المقدرة بنسبة اثنين إلى أربعة في المئة في 2030"، وقد تم الاستشهاد بهذه الدراسات في تقارير أخرى، على سبيل المثال تلك الخاصة بوكالة الطاقة الدولية (IEA) بعنوان "مستقبل الهيدروجين" والتي توقعت أن يوجد المغرب بين الدول التي يمكن أن يكون الهيدروجين الأخضر فيها منافساً، كما نشرت الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA) في أوائل 2022 تقريرها "جيوبوليتيك تحول الطاقة.. عامل الهيدروجين"، الذي يضع المغرب واحداً من أكثر البلدان التي يرجح أن تصبح مصدرة للهيدروجين الأخضر.

إضافة إلى ذلك، ذكر  مقال أكاديمي لجامعة هارفارد حول الجغرافيا السياسية للهيدروجين، أن المغرب وأستراليا والولايات المتحدة والنرويج في فئة "رواد التصدير الذين يتمتعون بموارد هائلة" في مجال الطاقة المتجددة والمياه".

ويوضح الباحث أنه بعد هذه الدراسات تم إنشاء "اللجنة الوطنية لتكنولوجيا Power-to-X" في 2019، تلتها اللجنة الوطنية للهيدروجين الأخضر في 2020، ثم تأسيس تكتل الهيدروجين الأخضر "Cluser GreenH2" الذي يجمع ممثلين عن مؤسسات عمومية وخاصة معنية بالموضوع، وتكللت هذه الجهود بصياغة خريطة طريق للهيدروجين الأخضر بالمغرب، تعتبر أول استراتيجية للهيدروجين بأفريقيا والمنطقة العربية والإسلامية وبالموازاة مع الإنجازات المؤسسية والاستراتيجية، تم بذل جهود أخرى لتعزيز البحث والتطوير والابتكار في مجال الهيدروجين الأخضر.

وفي هذا الصدد بدأ معهد الأبحاث في الطاقة الشمسية والطاقات الجديدة (IRESEN)، بالشراكة مع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية (UM6P) ومجموعة المكتب الشريف للفوسفات في تنفيذ منصة "Green H2A" التي ستوفر بنية تحتية للبحث الميداني والتكوين والابتكار في مجال الهيدروجين الأخضر وتطبيقاته، إضافة إلى مختبر للهيدروجين يوجد حالياً بمركز الطاقة الخضراء "Green Energy Park" بمدينة بنكرير.

ويخلص الخبير المغربي إلى أنه وفقاً لمختلف الدراسات العلمية والتقارير التقنية، تتوافر للمغرب سوق واعدة محفزة لانخراط المملكة في سباق الهيدروجين، إذ يستعمل هذا الأخير في صناعات الحديد والصلب وفي قطاع الكيماويات والبتروكيماويات، إضافة إلى الفوسفات وصناعة الأسمدة، كما بدأ استخدام الهيدروجين في قطاع النقل المستدام، بخاصة في المدى القريب والمتوسط بوسائل النقل الثقيلة كشاحنات نقل البضائع والقطارات والسفن والطائرات، وقد بدأت بالفعل أولى التجارب والوحدات النموذجية على الصعيد الدولي، إضافة إلى كون الهيدروجين مادة أساساً ستمكن من إنتاج وقود مصنع مستقبلاً لمختلف وسائل النقل.