Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"بورتريه ذاتي" من أوتو ديكس تمهيدا لعمله الأشهر "المدينة الكبرى"

"نخب الجمال" تسبق بسنوات طويلة اللوحة التي فضحت دهاليز المجتمع

جزء من ثلاثية "المدينة الكبرى" لديكس (متحف داسلدورف)

بين العامين 1927 – 1928 أنجز الرسام الألماني أوتو ديكس لوحته "المدينة الكبرى" التي سرعان ما ستصبح بأجزائها الثلاثة ومقاساتها الضخمة التي لا تقل معاً عن 400 سم عرضاً و181 سم ارتفاعاً، والمعلقة اليوم في متحف داسلدورف واحدة من أشهر أعمال الفنان. حينها وسط الإعجاب العام تقريباً والسجالات الهائلة التي أثارتها تلك اللوحة التي سرعان ما ستضحى الأشهر بين إنجازات المرحلة أيضاً، تساءل كثر من الناظرين إليها حين شاهدوها للمرة الأولى، عما إذا لم يكونوا قد شاهدوا ما يدنو منها من قبل. وبسرعة تنبهوا إلى لوحة أخرى كان الرسام نفسه قد عرضها قبل ذلك بأكثر من نصف دزينة من السنوات وتحديداً في عام 1922 تحت عنوان "نخب الجمال". وتذكروا كيف أن تلك اللوحة السابقة التي لا يزيد ارتفاعها على 141 سم وعرضها على 122 سم إنما كانت بورتريهاً ذاتياً رسم فيه ديكس نفسه، ولكن في إطار ينتمي إلى تلك "الواقعية الموضوعية" التي حقق ضمن إطارها بعض أقوى أعماله خلال تلك المرحلة من مساره الفني.

موسيقى جاز في ألمانيا

والحقيقة أن ما قارب بين اللوحتين في رأي الجمهور والنقاد كان الأجواء و"المفردات" المشتركة إلى حد التطابق بين العملين من دون التوقف طويلاً عند كون السابقة بورتريهاً ذاتياً والثانية عملاً ضخماً ينتمي في موضوعه إلى تلك الواقعية النقدية التي سادت في الفنون الألمانية حينها، إنما في بعد نضالي سياسي أراد أن يفضح موبقات مجتمع الابتذال الذي ساد في ألمانيا بعد هزيمة الحرب العالمية الأولى العسكرية، والهزيمة السياسية والاقتصادية التي أسفرت عنها معاهدة فرساي التي أذلت الشعب الألماني موصلة إياه وإن لاحقاً بعض الشيء، إلى التحلق من حول النازيين وهتلر كدرب للخلاص. فالعوالم المشتركة بين "نخب الجمال" و"المدينة الكبرى" عوالم ليلية قاتمة مزيفة تتحرك الشخوص فيها كالروبوتات تحت إيقاع موسيقى جاز يعزفها لاعبون سود من الواضح أنها "مستوردة" مقحمة على المجتمع الألماني كعازفيها أنفسهم، ولكن لتعبر عن حداثة آلية وزيف اجتماعي لئن كان الرسام قد قرر في النهاية، في "الثلاثية" أن يبعد نفسه عنه مكتفياً بتعبيرية قاسية تطبع هذه اللوحة، فإنه كان في اللوحة الأولى قد حرص على أن يجعل نفسه في نقطة المركز من "نخب الجمال" من دون أن يقول بالطبع أين هو النخب وأين هو الجمال. ومع ذلك كان ثمة عادية غير مؤذية لا تزال تطبع شخوص اللوحة في محاولتهم العيش والانشراح على الرغم من كل شيء. وهي العادية التي رسمت حيرة ما على وجه أوتو دبكس نفسه في اللوحة وكأنه لم يقرر بعد أن إذا كان عليه أن يحزن أو يسلك درب حياته سلوكاً عادياً. ولا ننسى هنا أن "نخب الجمال" حققت في عام 1922 قبل أن يتفاقم الأسى والذل في ذلك البلد.

حداثة ما وأمل كاذب

في "نخب الجمال" التي كانت تحمل أسئلة قلقة إنما من دون يأس مطبق، يشغل الرسام نفسه وسط اللوحة ممسكاً بهاتف -كان يرمز إلى الحداثة حينها- ويكاد يبدو راضياً بشكل أو بآخر عن موسيقى الجاز التي كانت بدورها ترمز إلى حداثة ما. وكان من الواضح أن الهاتف وموسيقى الجاز يرمزان في تضافرهما هنا إلى أمل بالحداثة يمكنه أن يبدو مطمئناً، بل يمكننا الافتراض مع الذين كتبوا عن اللوحة عندما عرضت، بأن ديكس إنما اشتغل هنا انطلاقاً من نوع من توليف بين عناصر وأجواء عديدة تحيط به فيبدو وسطها وكأن أمامه خيارات عديدة كما لو كان على مفترق طريق عليه أن يختار أي وجهة فيه بين الماضي والحاضر والمستقبل، حيث إن الماضي يرمز إليه هنا تحديداً (تبعاً لتحليلات باتت اليوم سائدة واستعيدت لمناسبة مشاركة هذه اللوحة بالذات في معرض عن "برلين" يقام في هذه الأيام وحتى بدايات سبتمبر (أيلول) المقبل في مركز جورج بومبيدو وسط العاصمة الفرنسية باريس) عبر تقسيم اللوحة إلى ثلاثي على شاكلة ثلاثيات الرسم النهضوي الديني، فيما يرمز إلى الحاضر المعتبر تكنولوجياً من خلال الموسيقى وجهاز الهاتف كما أشرنا قبل سطور، فيما يعبر عن المستقبل من خلال ما تبدو عليه اللوحة كلها من عمل استباقي تنبئي. ولعل في مقدورنا أن نقول في هذا السياق، إن لوحة "المدينة الكبرى" التي حققت بعد نصف دزينة من السنوات من "نخب الجمال" التي وجد الرسام أن ليس عليه أن يحضر هو شخصياً على شكل بورتريه ذاتي في أي من أجزائها الثلاثة، تبدو وكأنها تلخص الخيار الذي إن لم يكن أوتو ديكس مسؤولاً عنه فالمجتمع وتدهوره والانحطاط الذي آل إليه كان المسؤول عنه ومن هنا أخرج نفسه من اللعبة مكتفياً بدور المراقب.

لعبة التوليف القاسية

هذا من ناحية "الرسالة" التي أراد الفنان إيصالها، أما من ناحية الكيفية التي بها أوصل هذه الرسالة فتقوم كما ألمحنا بشكل مختصر قبل سطور، على ذلك التوليف الذي حرض كيف يقيمه بين العديد من العناصر التي ترمز إلى العديد من العوالم المتضافرة والأجواء التي سرعان ما سنراه يصورها في اللوحة التالية وقد فقدت "بعض براءة" كانت تسمها. ولا سيما من خلال تعرية اللوحة اللاحقة للأقنعة والغلافات التي كانت، في رأي الرسام على أية حال، تخبئ الشرور والتفاهة خلف التبرج والثياب الزاهية ونظرات الاستسلام لواقع "يمكنه ألا يكون على مثل هذا السوء" كما سيقول ناقد لاحق في سياق حديثه عن رواية روبرت موتسيل "برلين، ألكسندر بلتز" التي غالباً ما تعتبر العمل الأدبي المعادل بشكل من الأشكال لفن أوتو ديكس، وحتى لفن جورج غروس وأوسكار كوكوشكا، حيث نعرف أن هؤلاء الثلاثة كانوا تشكيلياً، وأحياناً إلى جانب ماكس بيكمان، خير المعبرين عن الكارثة الألمانية التي تفاقمت بدءاً من منتصف عشرينيات القرن المنصرف، الكارثة التي لا ريب أن لوحات متنوعة لأوتو ديكس كانت المعبر الأقسى عنها بعد أن كان قبل ذلك من أقسى المعبرين عن كارثة الحرب العالمية الأولى في لوحات رسم فيها تجربته الشخصية مع الحرب وكانت أبرزها "ثلاثية الحرب" التي لا تنافسها في القوة والشهرة بين أعماله سوى "ثلاثية المدينة الكبرى".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لوحتان مقابل ألوف الصفحات

ولعل في مقدورنا أن نقول على أية حال إن ثلاثية المدينة ستبدو أشد قسوة من ثلاثية الحرب، وذلك ببساطة لأن الحرب هي الحرب وأن يبقى هناك من يرسمها ويتحدث عن أهوالها يبقى أمراً مفعماً بشيء من الأمل وقادراً على أن يمثل درساً مباشراً. أما ثلاثية المدينة فإنها تأتي لتقتل كل أمل، لتكشف عما وراء الأكاذيب الاجتماعية والانهيار الأخلاقي. وبصورة أكثر قسوة تأتي لتحسم الوهم الذي كان الرسام قد زرعه في "نخب الجمال" من خلال حيرة ما تبدو واعدة في نهاية الأمر، وتبدو في عينيه ولكن أيضاً في موضعة نفسه وسط المشهد في نوع من تفاعل "تساؤلي" مع ضحكة عازف الطبل الذي لا يفوته التعبير عن سعادته بما يدور من حوله، وهو تفاعل سنلاحظ غيابه في تصرفات عازفين سود آخرين يبدون كالأشباح في ثلاثية "المدينة الكبرى"، فيما يشغل مركز الاهتمام في الثلاثية رجال مجتمع سرعان ما نكتشف زيفهم ولا سيما في الجزء الثالث من هذه الثلاثية وقد زالت الأقنعة وانتهى الاحتفال فاختفى التكاذب الذي سنكتشف الآن أنه كان قد خدعنا في "نخب الجمال"، وها نحن أولاء نكتشف كيف أن ذلك النخب نفسه إنما كان إطاراً للكذبة الكبرى في مجتمع كان لا يتوقف عن الهبوط إلى جحيمه ضارباً عرض الحائط بكل الوعود. بكلمات أخرى من الواضح أن الرسام أوتو ديكس (1891 – 1969) قد قال في هاتين اللوحتين ما احتاج من المؤرخين والكتاب إلى ألوف الصفحات كي يتمكنوا من قوله.

المزيد من ثقافة