Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الفن حين يناهض "الحرب" في "ثلاثية" لأوتو ديكس

هكذا يصلب الإنسان من جديد في القرن العشرين

لوحة "الحرب" (1929 – 1923) لأوتو ديكس

كثيراً ما شُغف الفنانون طوال التاريخ المدوّن لفن الرسم بإنجاز رسوم بالغة التنوع، تنطلق من موضوع الحرب. طبعاً لا يمكن بالتحديد فَهم الدوافع الكامنة لكل فنان منهم. فهل كان الأمر افتناناً بالحرب نفسها وبما فيها من بُعد بصريّ؟ أم كان تعبيراً عن موقف سياسي احتجاجي ضد الحرب أم كان متفاخراً مثنياً عليها؟ هل كان مجرد ذكريات يريد الفنان أن يعبر عنها مرتبطة بحرب خاضها مقاتلاً؟ أم كانت أعمال توصية لهيئات أو سلطات معينة؟

الحقيقة أن هذه الأسئلة لا تتناول سوى نزر يسير من الإجابات الممكنة، ولكن، منذ الجداريات الفرعونية ورسوم الآزتيك والأنكا، مروراً بالإيطالي النهضويّ باييتسيلو أوتشيلو، الذي كرّس للحروب عدداً لا بأس به من لوحاته، والفرنسي أنطوان غارون الذي جعل معظم لوحاته تتحدث عن الحروب ومجازرها، وصولاً إلى بيكاسو في "غيرنيكا" في القرن العشرين، كان للحروب التي رُسمت أسماء وعناوين معروفة مهما كانت الغاية من رسمها.

قبل القرن العشرين غالباً ما كانت الحرب المرسومة حرباً محدّدة لها اسم وللأطراف المشاركة فيها صفات محددة. ولكن في القرن العشرين بات من الملاحَظ وجود رسامين كبار رسموا الحرب "مجردة"؛ أي أن الحرب التي اهتموا بها، وغالباً ما كانت لوحاتهم احتجاجات سياسية عليها بالمطلق، كانت الحرب كحرب موضوعها بصرف النظر عن المشاركين فيها، أو المنهزمين، أو المنتصرين. وهم خارجون من دمائها ودمارها المعمّم.

ونعرف أن القرن العشرين عرف أعداداً هائلة من لوحات رُسمت مناهضة للحرب؛ كل الحروب ومنتصرة للإنسان؛ كل إنسان، بحيث لن يكون من الإنصاف ذكر أسماء وأعمال وإغفال أخرى. ومع ذلك يمكننا هنا أن نختار عملاً محدداً، يُعتبر إلى جانب لوحة "غيرنيكا"، واحداً من أقسى وأقوى اللوحات التي نددت بالحرب بالمعنى العام للكلمة، حتى وإن كنا نعرف أن لخلفية لوحة بيكاسو غرضاً سياسياً وأيديولوجياً محدداً؛ إذ رُسمت للتنديد بالغارات الفاشية التي قتلت العديد من سكان تلك البلدة الإسبانية الشمالية في عملية قامت بها طائرات ألمانية وإيطالية. واللوحة التي نتناولها هنا هي لوحة "الحرب" للرسام الألماني أوتو ديكس.

صحيح أن لديكس لوحات عديدة تدور حول الحرب، وربما تتخذها عنواناً دائماً لها، لكننا نعني بالتحديد تلك "الثلاثية" الضخمة، التي تبلغ مساحتها الإجمالية أكثر من أربعة أمتار عرضاً، ومترين وأربعة وستين سم ارتفاعاً. ومعلقة في أيامنا هذه في "غاليري المعلمين الجدد" في مدينة درسدن الألمانية.

 

 

"ثلاثية" أم "رباعية"؟

منذ البداية لا بد من توضيح، فإذا كانت لوحة "الحرب" هذه تعتبر "ثلاثية" فإنها في حقيقة أمرها تتألف من أربعة أجزاء، ثلاثة عُليا؛ مُرتَّبة إلى جانب بعضها البعض، ورابعة ممتدة في الأسفل على عرض اللوحة الوسطى. وهذه الأخيرة هي الأضخم والحاملة للموضوع الأساس؛ مشهد الحرب في حد ذاتها، الذي يعتبر ما هو مصوّرٌ على اللوحتين الجانبيتين مجرد تنويع عليه، فيما يبدو ما هو مرسوم في اللوحة السفلى تفصيلاً لا أكثر.

ولا بد من الإشارة إلى أن اللوحة إنما تستعيد ما يمكننا اعتباره ذكريات ديكس حول الحرب العالمية الأولى التي خاضها متطوعاً في جبهة مدينة درسدن. ورسمها خلال ثلاث سنوات لينجزها كاملة في عام 1932، أي قبل عام من وصول النازيين إلى السلطة في ألمانيا. وحين وصلوا كان من الواضح لديكس أن هذه اللوحة لن تسلم إن وصلت إلى أيديهم. فالحقيقة أن النازيين وقبل استيلائهم على السلطة وتحكّمهم بكل شؤون البلاد والعباد، كانت قوائم المبدعين والمفكرين الذين لن يفلتوا منهم حين تستتب لهم الأمور، تتوسع كل يوم. وكان أوتو ديكس على رأس قائمة الفنانين المستهدفين باعتبار فنه "انحطاطياً" يبتغي نسف معنويات الشعب الألماني.

من هنا ما إنْ بدأ وصولهم إلى السلطة يتجسد حتى سارع ديكس إلى إنقاذ اللوحة بمساعدة عدد من أصدقائه، حيث فككها إلى عدة أجزاء فاحتفظ هو بالجانب الأيمن منها ووزع الجوانب الثلاثة الأخرى على أصدقاء خلّص له، راح كل واحد منهم يخبئها على طريقته، وما إن انتهت الحرب العالمية الثانية حتى أعادوا الأجزاء إليه لتكتمل اللوحة من جديد.

وتعد منذ ذلك الحين أهم أعمال ديكس إلى جانب ثلاثيته الرائعة الأخرى "المدينة"، التي كان قد رسمها بين عامين 1927 – 1928، وهي معلقة اليوم في شتوتغارت، التي تتنافس مع درسدن، بكون كل منهما، تمتلك واحدة من أقوى نتاجات الفن الألماني في النصف الأول من القرن العشرين. ونعرف أن ثلاثية "المدينة" كانت قد أثارت غضب النازيين بقدر ما ستفعل "الحرب"، لكن اللوحتين نجتا بنوع من معجزة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المصلوب في أزمنتا الحديثة

كان لافتاً أن مؤرخي فن ديكس نظروا إلى لوحة "الحرب" على أنها لوحة عن صلب المسيح دون أن يكون له وجود فيها. في نظرهم استوحى ديكس في هذا المشهد الذي يكاد يكون بلا لون سوى ألوان الرماد والحريق والموت والثلج، ولا خطوط واضحة حيث تتداخل كل العناصر تداخل صورة الجحيم. استوحى الحدث (التاريخي – الديني) الجلل ليرسم ما اُعتبر نوعاً من شهادته الذاتية على الهول الذي عاناه بنفسه خلال الحرب العالمية الأولى. بل إن كثراً من النقاد والمؤرخين رأوا أن الجندي الذي يرفع عن الأرض في القِسم الأيمن من اللوحة رفيقاً له، ليس واضحاً ما إذا كان جريحاً أو ميتاً. الجندي الذي يبدو هنا بثياب وملامح قديس من قديسي لوحات عصر النهضة، التي كانت قد بدأت تعطي للقديسين سمات إنسانية، ليس في حقيقة أمره سوى أوتو ديكس نفسه، ما يجعل هذا الجزء من اللوحة، على الأقل، نوعاً من بورتريه ذاتي، مندمجاً بعمل يريد استعادة ذلك النوع من "ثلاثيات المصلوب" التي كان اشتهر برسمها في البلاد الواطئة قبل ذلك بعدة قرون مبدعون من طينة ماثياس غرونولد، وروجير فان دير فايدن، اللذين يعتبران حلقة الوصل بين الفن البدائي الهولندي والفن الإنساني الذي غلب على تيارات الرسم، التي جاءت بعدهما بحسب دراسة عميقة للباحث إرفن بانوفسكي.

ومن هنا رأى العديد من النقاد أن هدفاً أساسياً من أهداف ديكس في رسمه لهذه (الثلاثية- الرباعية) إنما كان الربط مع بدايات الفن الإنساني للتعبير عن "صلب" الإنسان في العصور الحديثة.

ومن الواضح أن تأملاً ممعناً في اللوحة يوصلنا إلى هذه النتيجة. بالتالي إلى النظر إلى الحرب بوصفها صلباً للإنسان المعاصر يوازي ذلك الصلب الذي كان مصيراً للمسيح. ولا يعود غريباً أن يكون الرسام قد خاف على لوحته من بطش النازيين الذي كانوا منذ ظهورهم يمجدون الحرب.

حياة تجوال لا ينتهي

ولد فلهلم هاينريخ أوتو ديكس عام 1891 قرب مدينة تورنغ لينتقل في عام 1909 وبعد دراسة ابتدائية في قريته إلى درسدن، حيث راح يدرس الفنون التزيينية حتى عام 1914، حين جنّد في الجيش وخاض الحرب حتى عام 1918 في سلاح المدفعية كما في سلاح المشاة. وعاد من الحرب التي خاضها على الجبهتين الفرنسية والروسية وحقق خلالها رسوماً عرضت في درسدن، عاد إلى هذه المدينة ليبقى فيها حتى 1922 دارساً الرسم مباشرة هذه المرة في أكاديمية الفنون الجميلة. وهو في ذلك الحين شارك مع جورج غروش وغيره في أول معرض لحركة دادا، ليبدأ بعد ذلك جولات ومعارض بالعديد من المدن الألمانية الأخرى بالتزامن مع تصاعد شهرته وبداية اتخاذ أسلوبه فرادة ملحوظة ترسخت عام 1925 حين استقر في برلين لثلاثة أعوام.

ولسوف تكون المرحلة التالية التي زار خلالها، وعرض في مدن أوروبية عديدة، بينها باريس، مرحلة رسوخ اسمه كواحد من كبار الفنانين الأوروبيين إلى درجة رفعت من غيظ النازيين، خصوصاً حين رفض أن يرسم بورتريهاً لوزير خارجيتهم ريبنتروب لاحقاً. وسوف يبقى ديكس على تنقله وإبداعه حتى رحيله في عام 1969 إلى مدينة سنغن غير بعيد من درسدن.

المزيد من ثقافة