Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

150 مليون دولار يوميا... من يدفع تكلفة إضراب تونس؟

محللون يتهمون الحكومة بتمهيد الطريق للإضراب لإثبات جدية مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي وفتح الأبواب أمام التمويلات

هكذا بدت صالة الوصول بمطار قرطاج الدولي في تونس أثناء الإضراب العام (أ ف ب)

في وقت تستعد فيه تونس لموسم سياحي ينعش اقتصادها المتراجع، ألغيت اليوم الخميس أكثر من 70 رحلة جوية، بفعل الإضراب العام الذي دعا إليه اتحاد الشغل التونسي، بعد أن فشلت مفاوضاته مع حكومة نجلاء بودن في شأن الأجور.

إلغاء الرحلات الجوية لم يكن المظهر الوحيد الذي خلفه الإضراب، حيث أغلقت الموانئ البحرية أمام حركة الملاحة التجارية، إلى جانب تسجيل شلل تام في النقل العمومي، وإغلاق عدد كبير من مصالح الخدمات الموجهة لعموم المواطنين التونسيين وأصحاب الشركات الخاصة.

ووجد عدد كبير من عمال القطاع الخاص في تونس صعوبات كثيرة للوصول إلى مقار أعمالهم بسبب غياب خدمات النقل العمومي، من حافلات وقطارات ومترو، ما اضطرهم إلى البحث المضني والشاق عن سيارة أجرة أو نقل جماعي بتعريفات باهظة.

كلها مظاهر تعكس الشلل الذي أصاب تونس نتيجة تنفيذ إضراب عام في قطاع الشركات الحكومية، أقره الاتحاد العام التونسي للشغل، رفضاً لسياسة حكومة نجلاء بودن، في تجاهل مطالب المركزية النقابية المتعلقة أساساً بالزيادة في أجور العاملين في القطاع العام، بسبب تدني مقدرتهم الشرائية.

وتعرف نسبة التضخم في تونس ارتفاعاً مقلقاً وصل إلى 7.8 في المئة بشهر مايو (أيار) الماضي، مع تسجيل ارتفاعات كبيرة في عدد من المنتجات الغذائية الأساسية.

ومنذ الساعات الأولى من صباح، اليوم الخميس، شهدت شوارع تونس العاصمة، والمحافظات المجاورة، انعداماً شبه كلي للحركة التجارية، بسبب تنفيذ الإضراب العام في الشركات الحكومية، ما أجبر عدداً كبيراً من المواطنين على البقاء في منازلهم وعدم النزول للعمل أو لقضاء شؤونهم الخاصة.

ويدخل اليوم الخميس آلاف الموظفين العاملين في 159 شركة حكومية، من بينها قطاعات اقتصادية حساسة، مثل النقل والملاحة الجوية، في إضراب عن العمل، بدعوة من الاتحاد العام التونسي للشغل، بعد تعذر التوصل لاتفاق بخصوص عدد من المطالب النقابية.

ويتمسك الاتحاد بجملة المطالب التي رفعها، وعلى رأسها فتح المفاوضات الاجتماعية لسنوات 2021، 2022، 2023 للزيادة في الأجور، وإلغاء المنشور 20 الخاص بالمفاوضات، وإلغاء المساهمة الاجتماعية التضامنية بنسبة 1 في المئة، بينما رفضت الحكومة بدورها التنازل عن أي من هذه المطالب.

تكلفة اقتصادية باهظة

ويحذر متخصصون في الاقتصاد بتونس من أن هذا الإضراب ستكون له تكلفة اقتصادية باهظة وتداعيات مالية واقتصادية خطيرة، سواء بشكل مباشر، من خلال خسارة يوم عمل من الناتج الداخلي المحلي، وتراجع المداخيل الجبائية، أو بشكل غير مباشر، من خلال التأثير على مناخ الاستثمار، وبخاصة على مسار التفاوض بين الحكومة وصندوق النقد الدولي.

ويقدر عبد الجليل البدوي المتخصص في الشأن الاقتصادي ورئيس قسم الدراسات بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (منظمة مستقلة) خسائر الإضراب العام بنحو 450 مليون دينار (150 مليون دولار)، وهو ما يعادل تكلفة يوم عمل، من خلال قسمة مجموع الناتج الداخلي الخام (120 مليار دينار أي 40 مليار دولار) على نحو 255 يوماً (دون احتساب أيام السبت والأحد والأعياد الوطنية والدينية) مضيفاً أن الإضراب سيؤثر على قطاعات حيوية عدة، مثل النقل، ما يؤثر على انتقال العمال لمراكز أشغالهم، ومن ثم حدوث اضطراب على مستوى الإنتاج والخدمات.

ولا تختلف تقديرات أستاذ الاقتصاد في الجامعة التونسية، رضا شكندالي، عن مثيلتها لدى البدوي، لكنه يرى أنه لا يمكن حصر التكلفة الإجمالية للإضراب، الذي سيكون له تداعيات اقتصادية خطيرة، بما أنه سيشل الحركة الاقتصادية، بخاصة على مستوى النقل البري والبحري والجوي، ما سيؤدي إلى تعطيل المرفق العام وتراجع إنتاج المؤسسات العمومية الوطنية.

تأثيرات غير مباشرة

الشكندالي يرى أيضاً أنه وإلى جانب التكلفة المباشرة للإضراب، فإنه سيكون له تأثيرات غير مباشرة، وبخاصة أنه يتزامن مع بدء إعداد أجور شهر يونيو (حزيران)، ومن الوارد أن يكون للإضراب تأثير على تخليص أجور الموظفين، باعتبار أن الإدارات المالية ستشارك فيه، بالتالي ستتعطل تعبئة الموارد الضريبية الضرورية.

ويشير المتحدث إلى أن الإضراب له تأثيرات كبيرة على مناخ الاستثمار، بترويجه لصورة غير مطمئنة للمستثمرين الأجانب، وحتى التونسيين، بسبب تعطيله لكل مؤسسات الدولة الحيوية، لا سيما أنها تستعد لاحتضان تظاهرة ترويجية كبيرة، وهي الدورة العشرون لمنتدى تونس للاستثمار يومي 23 و24 يونيو (حزيران) 2022.

يـأتي الإضراب العام في تونس قبيل أيام قليلة من زيارة مرتقبة لوفد من صندوق النقد الدولي، يترأسه جهاد أزعور، مدير الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يومي 20 و21 يونيو، وهو ما جعل موقف الحكومة محسوماً باتجاه رفض كل مطالب اتحاد الشغل، بحسب عبد الجليل البدوي، وذلك لإيصال رسالة لصندوق النقد بأن حكومة بودن جادة وملتزمة بكل تعهداتها مع الصندوق، وهي على استعداد لتنفيذ كل شروطه، وبخاصة ما يتعلق بكتلة الأجور.

وبحسب البدوي، فإن الحكومة لم تكن جدية في مفاوضاتها مع اتحاد الشغل، بل إنها دفعت نحو الوصول للإضراب على الرغم من كل خسائره، آملة من وراء ذلك في فتح الأبواب أمام تمويلات، سواء مباشرة من صندوق النقد، أو بشكل غير مباشر، عبر الخروج على الأسواق المالية الدولية.

واستشهد رضا شكندالي بالتقرير الأخير لوكالة "فيتش" الذي بين أن خروج اتحاد الشغل عن مسار الحوار والتوافق مع الحكومة سيؤثر على المفاوضات مع صندوق النقد، بالتالي فإن الإضراب سيزيد من تعكير الأجواء وتعطل المفاوضات، وهي التداعيات الكبيرة التي يمكن أن يعمقها الإضراب العام.

وأشار إلى أن اتحاد الشغل أعلن رفضه للإصلاحات التي تقدمت بها الحكومة، وهي أصلاً غير قابلة بمسار التفاوض مع الصندوق على هذه الشاكلة، بالتالي فإن خروج الاتحاد من دائرة الحوار والتوافق سيكون له تكلفته، بخاصة أنه لاعب أساسي في تنفيذ الإصلاحات الخاصة بالدعم، وإصلاح المؤسسات العمومية وكتلة الأجور.

وكان محافظ البنك المركزي التونسي، مروان العباسي، أشار أمس، في ندوة حوارية، إلى أن صندوق النقد الدولي لم يشترط أي شيء على تونس، بل إن مطلبه الوحيد والأساسي هو تنفيذ برنامج الإصلاحات الاقتصادية، لافتاً إلى حصول تقدم إيجابي في سير المحادثات على الأقل بين الصندوق والبنك المركزي التونسي.

ويعتقد الشكندالي أن اتحاد الشغل وصل إلى إعلان الإضراب العام كوسيلة نضالية أخيرة للدفاع عن المقدرة الشرائية للتونسيين، بخاصة في هذا الظرف الذي يشهد ارتفاعاً كبيراً للأسعار، داعياً الحكومة لوضع سياسات اقتصادية واضحة تؤدي إلى تماسك المقدرة الشرائية، مضيفاً أن هذه الرؤية الواضحة لم ترد في البرنامج الاقتصادي للإصلاحات الذي قدمته الحكومة، والذي بقي مجرد شعار، حسب تعبيره.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكانت وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني قد اعتبرت في نهاية مايو (أيار) الماضي، أن الخلافات بين الاتحاد والحكومة تعرقل مفاوضات البلاد مع صندوق النقد الدولي، مؤكدة أنه "من الصعب جداً إقرار إصلاحات سياسية واقتصادية دون دعم المركزية النقابية".

 

توفير الموظفين

ومن المفترض أن يلتزم بالإضراب العاملون في قطاعات النقل والمواصلات والاتصالات وخدمات البريد والمؤسسات التعليمية، بما فيها المدارس والجامعات، كما ستتوقف حركة الملاحة في سائر مطارات البلاد وحركة النقل البحري، في وقت تستعد فيه تونس لموسم سياحي.

ورداً على إصرار الاتحاد على المضي قدماً بالإضراب، قال المتحدث باسم الحكومة، وزير النقل نصر الدين النصيبي، أمس الأربعاء، إنه سيوفر عدداً من الموظفين من أجل تأمين الحد الأدنى من الخدمات للمواطنين.

يشار إلى أن الاتحاد العام التونسي للشغل نفذ منذ الحقبة الاستعمارية، وصولاً إلى اليوم، العديد من الإضرابات العامة، أشهرها إضراب 26 يناير (كانون الثاني) 1978، والذي سقط فيه عدد من الضحايا، وإضراب 13 يناير 2011، وإضرابان عامان عند اغتيال المناضل اليساري شكري بلعيد في 6 فبراير (شباط) 2013 والنائب بالمجلس الوطني التأسيسي جويلية محمد البراهمي في 25 يوليو (تموز) 2013، وإضراب عام آخر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019.