Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يتجاوب قيس سعيد مع خريطة طريق الاتحاد العام التونسي للشغل؟

المنظمة النقابية القوية قدمت جملة من التصورات والمقترحات العملية لمعالجة "الأمراض" الاقتصادية

الاتحاد العام التونسي للشغل كان قد شرع في مفاوضات مباشرة مع الرئيس قيس سعيد قبل قرارات 25 يوليو (رويترز)

يتواصل الانسداد السياسي في تونس على إثر المنعرج الجذري الذي فرضه الرئيس قيس سعيد يوم عيد الجمهورية التونسية بتفعيل البند 80 من الدستور، بتجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن النواب وإعفاء رئيس الحكومة هشام المشيشي وإقالة عدد من الوزراء وكبار مسؤولي الدولة.

وعلى الرغم من دعوات الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية وعدد من المسؤولين الدبلوماسيين الأجانب بضرورة عودة الرئيس سعيد إلى طاولة الحوار والاستماع إلى مختلف الآراء، فإن الأوضاع الاقتصادية زادت سوءاً، ترجمها الانفلات المهم في الأسعار وتنامي الاحتكار وعمليات المضاربة وتدهور القدرة الشرائية للتونسيين، فضلاً عن تدحرج معظم المؤشرات الاقتصادية إلى مستويات مخيفة.

وضع اقتصادي ومالي حرج في موازاة تقلص هامش تحرك تونس على الصعيد الخارجي لتعبئة الموارد المالية الضرورية لتمويل بقية موازنة العام الحالي، والاستعداد لتمويل موازنة العام المقبل، وأمام هذا الوضع، طرحت المنظمة النقابية القوية في البلاد، الاتحاد العام التونسي للشغل، خريطة طريق تضمنت جملة من الحلول السياسية، بخاصة مقترحات وتصورات اقتصادية للخروج من الأزمة الاقتصادية الخانقة.

يشار إلى أن الاتحاد العام التونسي للشغل كان قد شرع في مفاوضات مباشرة مع الرئيس قيس سعيد قبل قرارات 25 يوليو (تموز) من هذا العام، وبعدها للدخول في حوار وطني شامل حول مجمل الخيارات الوطنية التي تمكن من حلحلة الأزمة السياسية والاقتصادية، لكن الرئيس سعيد انسحب من هذه المبادرة وفضل قيادة سفينة البلاد بمفرده.

تكوين حكومة مصغرة

 تمثل أول مطلب ضمن خريطة الطريق المطروحة بتكوين حكومة مصغرة ومنسجمة تتكون من كفاءات وطنية (غير معنية بالانتخابات المقبلة) تحدد لها مهمة واضحة مع وجوب منحها الثقة لمدة محدودة في أقرب الآجال، أما الهدف فهو التقليص من ضبابية المشهد وطمأنة الرأي العام الوطني وشركاء تونس الاقتصاديين.

كما طالبت المنظمة النقابية بتحديث وتعليل اتخاذ الإجراءات الاستثنائية وتحديد سقف زمني لإنهاء المرحلة الاستثنائية، والحسم النهائي في مصير البرلمان بهدف تأمين عودة السير العادي لعجلة الدولة في أقرب الآجال ورفع الضبابية عن المشهد السياسي.

كما تم اقتراح إنشاء هيئة استشارية وطنية من مهامها تحديد إطار قانوني ومجتمعي تشاركي ودامج للإصلاح السياسي يشمل أساساً النظامين السياسي والانتخابي والدستور، بهدف عقلنة الحياة السياسية ووضع أسس الشفافية ومحاربة الفساد السياسي وتوحيد الشعب التونســي حول خيارات وطنية واضحة.

إطلاق إصلاحات اقتصادية عاجلة

ودعت خريطة الطريق إلى إطلاق إصلاحات اقتصادية عاجلة تهم فترة الإجراءات الاستثنائية، في انتظار الانكباب على الإصلاحات الهيكلية الكبرى لمنظومات التربية والتعليم العالي والتكوين المهني والصحة والمياه والنقل والسكن الاجتماعي والفلاحة والإنتاج بهدف إنقاذ الاقتصاد الوطني، وحثت أيضاً على بلورة الخطوط العريضة لقانون المالية التكميلي لسنة 2021 وقانون مالية 2022، وإدراج مراجعة السلم الضـريبي للأشخاص الطبيعيين قصد ملاءمته مع نسب الضـريبة المفروضة على الشركات وإلغاء اقتطاع نسبة واحد في المئة من الأجور بعنوان المساهمة الاجتماعية التضامنية، وإيجاد حلول بديلة لأزمة الصناديق الاجتماعية.

أما الهدف فهو من دون شك تعبئة استثنائية للموارد المالية اللازمة لاستكمال سنة 2021 والمقدرة بـ 4.6 مليار دولار، وضبط برنامج واضح لسياسة التداين، والتكريس الفعلي للعدالة الضريبية، وتحسين المقدرة الشرائية وظروف عيش المواطن، ورفع الحيف عن الأجراء، وتحسين ظروف عيش للمواطن التونسي.

تدقيق كلي وشامل للمالية العمومية

ودعت الخريطة كذلك إلى إلغاء قانون الإنعاش الاقتصادي المصادق عليه من طرف البرلمان في شهر يونيو (حزيران)، من هذا العام، وإعداد مشروع قانون بديل يشمل إصلاح مجلة الصرف، مع اقتراح  إجراء تدقيق كلي وشامل للمالية العمومية يشمل، خصوصاً، منظومة دعم المواد الأساسية والطاقة ومنظومات دعم الإنتاج والبرامج الاجتماعية ومنظومة الضرائب والبرامج النشيطة للتشغيل، كإجراء تدقيق معمق وشامل للديون والهبات، بخاصة في السنوات الـ 10 الماضية، وبلورة استراتيجية جديدة تعتمد على آليات الهندسة المالية تضمن التصرف الشفاف في المديونية العمومية.

ومن ضمن المقترحات، إحداث منظومة التأمين على فقدان مواطن الشغل وإطلاق حملة وطنية لمكافحة التهرب والغش الجبائيين، لإضفاء مزيد من الشفافية في التصـرف في الموارد المالية للدولة ومقاومة الفساد والحفاظ على القدرة الشرائية ودعم تشغيل الشباب.

مكافحة الفساد في مختلف أشكاله

وواصل الاتحاد العام التونسي تشبثه بأحد أهم مطالبه منذ الثورة، وهو مكافحة الفساد في مختلف أشكاله، وفي هذا الإطار، نصت خريطة الطريق على وضع مقاربات ناجعة لمكافحة الفساد من الحجم الصغير تشمل معاملات المواطن مع الإدارة العمومية (على سبيل المثال، القضاء والأمن والجمارك والبلديات وغيرها)، والفساد الكبير (تشمل كذلك المسؤولين السامين وأصحاب القرار).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما الأهداف المرجوة من هذه المقاربات فهي مكافحة أشكال الفساد المتعلقة بالرشوة والهدايا والعطايا والمحسوبية، وأيضاً، كل مظاهر الفساد المتعلقة بالفساد الكبير وبتجاوزات المسؤولين السامين في توجيه القرارات والقراءات القانونية ومكافحة الفساد السياسي لوضع أسس الشفافية في الممارسة السياسية ونزاهة العملية الانتخابية وحماية المسار الديمقراطي.

وفي إطار الدفاع عن المقدرة الشرائية للمواطن ومقاومة الفساد والاحتكار والغش ومحاربة الاقتصاد الريعي، تمت الدعوة إلى إحداث لجنة صلب وزارة التجارة، معززة بفرق عمل ميدانية لمراقبة عمل أسواق الجملة في انتظار إطلاق مشـروع إصلاح مسالك التوزيع وإرساء لجنة صلب وزارة الفلاحة لمراقبة مخازن التبريد ودورها التعديلي للأسعار، وإصدار مرسوم يتعلق بإجبارية اعتماد الفوترة الإلكترونية في بيع الأدوية والمواد المدعمة والتبغ ومواد البناء.

تعزيز التعاون مع ليبيا والجزائر

واقترحت خريطة الطريق التي أعدها الاتحاد العام التونسي للشغل دعوة المساحات الكبرى لاحترام تعهداتها بتطوير الصادرات التونسية بنسبة 20 في المئة من رقم معاملاتها السنوية واحترام العمل اللائق، كما اقترحت إحداث لجنة صلب وزارة المالية للتسـريع في وتيرة استرجاع الديون المثقلة خارج إطار الإعفاء الجبائي، وإحداث لجنة صلب البنك المركزي التونسي لترشيد التوريد لبقية سنة 2021.

وعلى صعيد آخر، اقترحت الخريطة تفعيل البنود الحمائية لمنظمة التجارة العالمية ومراجعة بعض الاتفاقيات الثنائية للتبادل الحر وإصدار مرسوم يدعو البنك المركزي إلى التحلي بمزيد من المرونة لتسهيل التمويل الداخلي وتجاوز الأزمة في الأشهر الخمسة المقبلة، وأوصت الخريطة بتفعيل الدبلوماسية الاقتصادية بتكوين فريق يطمئن المجتمع التونسي والدولي ويعمل على تعزيز ورفع التعاون الاقتصادي مع الشركاء لا سيما ليبيا والجزائر.

هل يتجاوب الرئيس سعيد؟

السؤال المحوري والجوهري هو، هل يتجاوب الرئيس قيس سعيد مع خريطة الطريق التي يطرحها الاتحاد العام التونسي للشغل، ويسهم من موقعه في إنهاء الأزمة السياسية الحادة؟ أم سيواصل سياسة الانعزال السياسي والتفرد وحده بالقرارات؟ كما يجدر السؤال بشأن مدى نجاح خريطة الطريق التي تعرضها المنظمة النقابية وقابليتها للتطبيق على أرض الواقع في مثل الظروف التي تمر بها تونس.

جائزة نوبل للسلام

معلوم أن الاتحاد العام التونسي للشغل كان قد قاد بمعية منظمة الأعراف وعمادة المحامين التونسيين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان إلى حوار وطني عام 2013، أدى إلى توافق واسع لإجراء انتخابات سنة 2014، كما نالت المنظمات الوطنية الأربع على إثر نجاح التوافق الوطني جائزة نوبل للسلام في ديسمبر (كانون الأول) 2015 .