Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اقتباس "المحلفين" من الفقه المالكي واقع أم "أسطورة"؟

محاكمة "ديب وأمبر" تشعل جدلاً حول أصلها القانوني وعلاقته بـ"اللفيف" المغربي لكن عند "أرسطو" و"الجزائر" الخبر اليقين

لعبت هيئة المحلفين دوراً مبكراً في إعدام "سقراط" (غيتي)

الضجة التي أحدثتها قضية الممثلين جوني ديب وأمبر هيرد أمام المحاكم الأميركية، لم تتوقف عند الفضول الشعبي والولع بفضائح المشاهير وغرائبهم، ولكن تجاوزت كذلك إلى جدل نادر من نوعه، أخذ طابعاً فقهياً وتاريخياً ودستورياً.

بدأ ذلك حين جزم عدد من المتابعين العرب بأن "هيئة المحلفين" التي أصدرت قرارها لصالح "ديب" إنما استلهمت أصلها القانوني من الفقه الإسلامي وخصوصاً المالكي، الذي يعد أحد أشهر المذاهب السنية الفقهية الأربع، ومنه استمدت المملكة المغربية طريقتها اللافتة في إثبات عدد من الوقائع، وهي "اللفيف".

 وكان أكثر ما استند إليه المدافعون عن هذا الربط، تنظير الباحث الأميركي من أصل عربي جون مقدسي الذي أكد على فرضية تأثر القوانين الغربية بالجملة بنظيرتها الإسلامية، إثر التلاقح الثقافي بين الثقافتين في الأندلس وجزيرة صقلية في الحقبة الممتدة لقرون.

أصول إسلامية للقانون الإنجليزي؟

واعتبر في ما كشفت عنه بحوثه منذ سنوات، أن فكرة "اللفيف" المبثوثة بوضوح في الفقه الإسلامي وفق تقديره "لا توجد مؤسسة أخرى في أي اختصاص قانوني تمت دراسته حتى الآن تشترك معها في كل هذه الخصائص مثل هيئة المحلفين الإنجليزية"، مما يدفعه إلى الاعتقاد بأنها التقليد القضائي الإنجليزي مقتبس من سابقه الإسلامي.

جاء ذلك في سياق دراسته ذائعة الصيت حول "الأصول الإسلامية للقانون العام" الإنجليزي، الذي اعتبر كثيراً من مواده مستوحاة من الشريعة الإسلامية في العصور الوسطى، فهناك "عقد حماية الديون الإنجليزي" مقابل "العقد الإسلامي"، و"هيئة المحلفين الإنجليزية" أمام "اللفيف" في المدرسة المالكية.

وحاول في دراسته إثبات أن هذا التلاقي المزعوم تم بواسطة "النورمان" لدى الارتباط الوثيق بين ممالك روجر الثاني النورماندية في صقلية حين حكم العرب لها، وهنري الثاني حاكم إنجلترا في الفترة ما بين 1154 و1189 الميلادية.

 

لكن هذا الربط وصفه فريق من الباحثين بـ"المتكلف"، خصوصاً المحامي أسامة القحطاني، الذي أبرز الفوارق بين "اللفيف" و"المحلفين"، سواء من جانب نشأة الفكرتين تاريخياً، وآلية تطبيقهما في المسار العدلي.

ورأى أنه "من منطلق الأمانة العلمية فإن عمل ’اللفيف’ و’المحلفين’ مختلف جذرياً، وليس بينهما أي تشابه، فالمحلفون يشاركون المحكمة في إصدار الحكم (بتفاصيل) فعملهم جزء من القضاء، أما ’اللفيف’ فمختلف كلياً، فهو نوع من الشهادة بتفاصيل لدى بعض متأخري المالكية (وليس المذهب المالكي)، وليس لعمل اللفيف أي تدخل في إصدار الحكم".

"المحلفون" قبل البعثة النبوية!

وهذا ما أيدته دراسات عدة في "القانون الدستوري"، اختلفت في تحديد الحقبة التي يعود إليها عمل "المحلفين" من التاريخ، هل هي العهد المصري والهندي القديمان، أم الإغريقي والروماني قبل أن تستقر في ممارسات الأنجلوسكسونية، إلا أن أحداً لم يقل إن جذورها جاءت أولاً من العصر الإسلامي، نظراً للبون التاريخي البديهي بين الممارسة القضائية (المحلفين) ونشأة الديانة المحمدية، فضلاً عن قواعد الفقه المنبثقة عنها في عصور تالية في العهد العباسي.

يأتي ذلك في حين سرى نهج "المحلفين" القضائي في شواهد تاريخية عديدة قبل ذلك، من بين أكثرها شهرة، قرارهم في اليونان القديمة الذي أفضى إلى إعدام "أبو الفلسفة" أرسطو، في القرن الرابع قبل الميلاد الذي ينسب إليه حتى قبل محاكمته القدح في إمكان تحقق العدالة بواسطة هيئات المحلفين، المشكلة في الأساس من سواد الناس، ليس بالضرورة أن يكونوا على قدر من المعرفة، يؤهلهم للقيام بمهمة جليلة مثل الفصل في القضاء.

ومن بين أبرز الدراسات التي فصلت في التأريخ لـ"هيئة المحلفين"، دراسة الدستوري المصري محمد عبد الحليم الذي خلص في كتابه "نظام المحلفين في التشريع الجنائي المقارن" إلى أن وجهات نظر الباحثين مختلفة في أصول نظام المحلفين، "فذهب بعضهم إلى رد أصوله إلى الشعوب القديمة من المصريين واليهود والإغريق والرومان والجرمان والاسكندناف، ورده فريق آخر إلى العصور الوسطى لدى الإقطاعيين في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا".

أما سبب ذلك الاختلاف، فهو مدى تناول الباحث أوجه الشبه والموازنة بين نظام المحلفين وما كان معروفاً لدى مختلف الأمم من نظم مرافعات مشابهة، فالمحاكمة بطريق المحلفين "ليست نظاماً ناتجاً من تشريع برلماني رسم حدودها وحدد وظائفها، وإنما نشأت تلك المحاكمة تدريجياً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكنه ينقل اتفاق الباحثين على تكييف عمل المحلفين على أنه "صورة من صور إسهام المواطنين في إقامة العدالة، وفكرة إسهام المواطنين في إقامة العدالة وجدت لدى مختلف الشعوب القديمة"، مرجحاً أن الميل البحثي قائم على أن "نواة" هذا النظام ترجع إلى "النظام القديم للتنقيب والتحري لدى ملوك الفرنجة، والذي انتقل إلى إنجلترا مع الغزو النورماندي لها، ومع المهاجرين إلى الولايات المتحدة الأميركية".

أصول بعيدة وأخرى يهودية

بل إن مجلة القانون الدستوري الجزائرية المتخصصة، اعتبرت في أحد بحوثها المحكمة أن البلد العربي الذي بدا أنه الوحيد الذي يأخذ بطريقة "المحلفين" أداة معتبرة قضائياً، إنما يقوم بذلك تبعاً لتأثره بالمستعمر الفرنسي، وأن ذلك التقليد الدخيل على الفقه والثقافة العربية، ضرب من "التقليد الأعمى" الذي يجب أن يتم تطويره، لكي لا يبقى شكلياً أو أثراً استعمارياً لا يحقق مغزى العدالة المنشود.

ووفقاً لأحد بحوثها التي تناولت باستفاضة "هيئة المحلفين في التشريع الجنائي الفرنسي والجزائري بين التأييد والرفض"، تطرقت إلى الأصل التاريخي لقانون المحلفين، إلا أن المجلة التي تضم فقهاء دستور وقانون من معظم أقطار المغرب العربي مالكية المذهب، لم تدعِ له أي فضل في انتشار هذا النمط من التقاضي غربياً، بل اكتفت بإيراد اختلاف الباحثين في التأريخ لنشأته بمن فيهم من يعتبر "أصول النظام قد طويت في ظلام العهود البعيدة، بحيث يصبح البحث عنها من دون جدوى"، إلى جانب من يعيد أصوله إلى اليهود في شريعة موسى والمبدأ القاضي لديهم بأنه "يجب ألا تقضي بمفردك"، أو الإغريق الذين كانوا يعقدون المحاكم الشعبية أو ما يطلق عليها "مجالس الهواء والشمس" أو لدى الرومان بمناسبة محاكمهم الشعبية.

ويعتقد أن بين أشهر المحاكمات التي استخدم فيها "المحلفون" هي محاكمة سقراط عام 399 قبل الميلاد حيث وجدته هيئة المحلفين مذنباً بأغلبية 280 صوتاً مقابل 220 قبل أن يتم تنفيذ الحكم بإعدامه.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن القوانين الغربية، لم تتأثر قطعاً في أي من جوانبها ببعض الإسلامية، ففي دراسة جزائرية أخرى للباحثة بن خدة حمزة أنجزتها لنيل الدكتوراه، بحثت "أثر الفقه المالكي في القانون المدني الفرنسي"، وفيها خلصت إلى أن "نتيجة لاتساع دائرة المتفق عليه تنظيماً بين القانون المدني الفرنسي والفقه المالكي، وضيق دائرة المواضيع التي لم يحدث الاتفاق فيها (يمكن استعراض) مواطن الاختلاف لقلتها وسهولة حصرها"، فيما يصعب حصر مواطن الاتفاق لكثرتها.

إلا أن المبالغة في تكلف أمجاد مزعومة من جانب عرب ومسلمين، يوازي نكران أي تفوق أو ميزة للحضارة الإسلامية اشتهر بها مستشرقون غربيون؛ جعلت الاتجاهين يقفان على طرفي نقيض، في حين يرى الباحثون المستقلون أن تكامل الثقافات وتأثرها ببعض أمر شائع وملموس.

أما الدوافع وراء هذا النهج إلى درجة الادعاء أحياناً، فإن هناك من يصوره باعتباره "عقدة نقص"، جعلت عدداً من العرب يبحث عما يعزز موقفهم الحضاري أمام الآخر الغربي المتفوق في العصر الراهن في جل العلوم والمعارف.

"ديب" بطل رجال المنطقة!

إلا أن التفسير الأكثر طرفة، هو الذي أوردته مجلة "نيولاينز" الأميركية، التي لفتت إلى أن انتصار "المحلفين" للمثل ديب على حساب غريمته أمبر، بلغ صداه الأبعد بين رجال الشرق الأوسط، الذين رأوا فيه رمزاً لتعزيز سلطتهم الذكورية والإفلات من العقاب، مهما عظمت جناياتهم في حق النساء، مما يعني أن إعادة ذلك الفضل إلى أصولهم الفقهية قد يعطي للنصر معنى أكثر إبهاجاً، هذا إضافة إلى تيار من الإسلاميين والعروبيين نشط قديماً في محاولة ربط عديد من الظواهر بالمعجزات التي تبرهن على صدق النبوة وحماتها العرب، في سياق عام هو "أسلمة الكون والعلوم".

وتقول المجلة، إن الآراء حول المحاكمة والحكم في الشرق الأوسط، تعتبر "ديب هو المفضل، الفائز، المختار، إذ يقف وراء هذا البطل غير المتوقع رجال شرق أوسطيون من خلفيات عرقية وديانات وطوائف من نفس الدين وقبائل من مناطق مختلفة وقبائل من نفس المنطقة وأيديولوجيات سياسية"، لدرجة زعمت فيه أنها لم تر قط "رجالاً عرباً متحدين روحياً مع رجل واحد منذ جمال عبد الناصر"، وبدا أنهم بحسبها انتظروا بطلاً طويلاً "لإنقاذهم من دسيسة النساء"، معتبراً أن ذلك سيكون "مضحكاً إن لم يكن مأساوياً".

ما "المحلفون"؟

قبل المحاكمة المثيرة للجدل بين فئات اجتماعية في المنطقة العربية واسعة، لم يكن كثيرون يهتمون بما يعني مصطلح "المحلفين" وإن سمع به أكثرهم على الأرجح مراراً، إلا أن نتائج البحث عن المفردة في المحركات على الإنترنت أظهرت كم غدت محل اهتمام وفضول.

ومع أن التلاقي بين القوانين الغربية والعربية بدأ منذ قرون، خصوصاً بعد فترة الاستعمار، إلا أن التقاضي بواسطة "المحلفين" لم يكن شائعاً، إلا في الجزائر التي لا تزال محاكمها تحتفظ بالمصطلح قانوناً وتطبيقاً، وإن جرى تهميشه مرات عدة والتحرج منه بوصفه من مخلفات الاستعمار، كما سبقت الإشارة، ناهيك بالدعوات إلى تطويره في ما بعد كمظهر من مشاركة المجتمع العام في تحقيق العدالة.

وتختار المدونات القانونية، أن يكون التعريف الجامع للمصطلح يعني "دعوة مجموعة من المواطنين للمشاركة في مجلس القضاء مع رجاله، بعد حلفهم اليمين لسماع الدعوى وإصدار قرارهم في وقائعها، ليقوم القاضي بتطبيق حكم القانون على هذه الوقائع... وقد سموا محلفين بسبب تحليفهم قبل مباشرة مهمتهم".

ويحاول باحثون اختزاله على نحو أكثر بساطة فيقولون، إنهم "القضاة غير المحترفين"، وهو تعريف يبرز حجم البون بين الممارسة الأنجلوسكسونية والأخرى المغاربية في "اللفيف العدلي".

على أن فقيه الدستور المصري المشار إليه سابقاً نبه إلى أن "أصل نشأة أي نظام لا ينبغي أن يرى من مقياس التطورات الحاصلة عليه والتي قد تكون مضللة أحياناً، بل من خلال تفحص صورته البدائية، والصورة الأولى التي ظهر عليها المحلفون هي صورة الشهود، وهم بذلك يمثلون شهادة المجتمع".
ما هو "اللفيف"؟

لا يختلف توظيف "اللفيف" في الإثبات عن "الشهود" الذي يجري العمل بهم في كل محاكم العالم غالباً، إلا في جانب واحد فقط، هو عدد "اللفيف" الذي يشترط أن يكون 12 شخصاً وليس أقل أو أكثر في التطبيق المغربي، الذي اختص بترجمة هذا الإجراء من دون بقية دول المنطقة، وأما التسامح في اتصافهم بالعدالة الذي يتحدث عنه معظم المدونين، فإنه قائم في معظم حالات الإشهاد أيضاً.

ويعتقد كاتب العدل المغربي محمد أغربي في أحد بحوثه عن "اللفيف" أن أدق تعريفاته تلك الواصفة له على أنه "شهادة عدد من الناس لا تتوفر فيهم شروط العدالة المقررة بحيث يحصل بها العلم على وجه التواتر".

بينما اشترط الفقهاء عديداً من الشروط الواجب توفرها في شهود اللفيف، منها أن يكونوا "غير معروفين بالكذب، ولا بظاهري الجرحة، وأن يتوسم فيهم الخير، وأن يكونوا مستورين الحال، وعدم وجود موانع"، مقراً بما شاع عن كون أصل تلك الشهادة والتسمية، جاء "منذ زمن بعيد، ونصوا (الفقهاء) على الأخذ بها والحكم بموجبها، واستمر العمل بها إلى يومنا هذا، وقد اصطلح علماء المذهب المغاربة والأندلسيين على تسميتها بشهادة اللفيف".