Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأسرة المصرية تعاني في صمت والعواقب مدوية

أكثر من 42.5 في المئة من المصريات المتزوجات تعرضن للعنف و"نجدة الطفل" تتلقى 11761 بلاغاً خلال 2020

الفتاة والمرأة المصرية أكثر من يعانين تحت وطأة المجتمع   (أ ف ب)

بدلاً من أن تكتب السيدة الثلاثينية الحاملة لدرجة البكالوريوس من كلية التربية التي تؤهل الخريجين للعمل في قطاع التعليم المدرسي نقاطاً توضيحية لطلابها الصغار عن قيمة الأسرة أو أهمية الأم أو دور الأب أو مكانة فلذات الأكباد في قلوب الأمهات والآباء، كتبت رسالة توضيحية منسقة منظمة مرتبة عن أسباب قيامها بذبح أبنائها الثلاثة، متمنية لهم حسن المآل وللأب زوجة أفضل وأبناء أحسن ولها الرحمة والمغفرة.

بدأ وما زال الأمر غريباً مريباً، حوادث كثيرة وجرائم عدة تحدث منذ بدء البشرية، هي سنة الحياة ومعركة حامية تنتهي بمقتل أحد المتعاركين على يد الآخر، ومحاولة سرقة يكتشفها صاحب البيت فيطعن اللص من يقاومه. مشادة بسيطة بين زوجين تنتهي بالزوج يخنق زوجته تحت تأثير غضب عارم أو بالزوجة تدس السم لزوجها بعد تراكمات العنف الزوجي والضغط النفسي، وجرائم أسرية وزوجية لا يخلو منها مجتمع منذ بدء الخليقة.

إفراط في القتل الأسري

لكن الخليقة حين تفرط في القتل الأسري تحتاج إلى وقفة أو نظرة أو لحظة تأمل، فلربما سمات معيشية كان يعتقد أنها عادية أو اعتلالات نفسية تصنف أنها مجرد "شوية زعل" (قليل من الغضب) سرعان ما تزول، أو مشكلات حياتية يتم التعامل معها باعتبارها تحصيلاً حاصلاً، لكن جميعها أخطر وأفدح.

فداحة ما جرى بقرية في محافظة الدقهلية قبل أيام ما زالت آثاره بادية وجوماً وصدمة على وجوه الجميع وقلوبهم وتدويناتهم العنكبوتية. الأم الثلاثينية المنتقبة خريجة الجامعة التي ذبحت أبناءها الثلاثة المتراوحة أعمارهم بين عشرة أعوام وثلاثة أشهر تركت رسالة يضرب الجميع أخماساً في أسداس حول محتواها.

كتبت بخط واضح ويد غير مهتزة هذه السطور لزوجها، "أنا وديت (أوصلت) أولادك للجنة يا محمد. وأنت حتروح الجنة معهم لأنك لم تقصر معنا في أي شيء. أنا التي قصرت معهم، خصوصاً أحمد، فكان عليّ أن أوديه (أوصله) الجنة لأن ذنبه في رقبتي. لم أعلمه الكلام أو الحياة أو التعليم. وأخوته معه في الجنة. اصبر واحتسبهم في الجنة. أما أنا فقد كنت أتعذب في الدنيا وغير قادرة على العيش. سامحني. ربنا يكرمك بمن تستحقك ويعوض عليك بأبناء أحسن من أولادي".

رسالة إلى الزوج

الرسالة المتروكة إلى جوار الجثامين الصغيرة المذبوحة تبعتها محاولة الأم الانتحار بعد إنجازها المهمة، وذلك بأن ألقت نفسها أمام جرار زراعي على الطريق. الأم "القاتلة" أصيبت إصابات بالغة وتم نقلها إلى المستشفى، وعقب إفاقتها تم استجوابها من النيابة العامة كتابة. كتبت في ثلاث ورقات أنها كانت تنعم بحياة مستقرة جيدة وعانت اكتئاباً شديداً بعد ولادة ابنتها الصغيرة قبل ثلاثة أشهر، لذلك فكرت وخططت لقتل الصغار واستغلت فرصة وجودها معهم وحدها وذبحت الواحد تلو الآخر، لكنها فشلت في ذبح نفسها فخرجت إلى الطريق العام وألقت بنفسها أمام أول جرار زراعي لتصاب إصابات بالغة.

ستمضي القضية قدماً شأنها شأن آلاف قضايا الجنايات، وسيمضي الإعلام قدماً في تعريف الأم باعتبارها "الأم القاتلة"، وأغلب الظن أن العالم من حولها سيمضي قدماً في اعتبار ما جرى حادثة أسرية بشعة، لكنها ستظل حادثة وقدر الله وما شاء فعل.

اتساع التقدير

لكن التقدير يتسع كذلك للنظر إلى نوعيات متكاثرة من الجرائم الأسرية بعين فيها بُعد ثالث إضافة لبُعدي بشاعة الجريمة وإجراءات القضاء من الإبلاغ حتى النطق بالحكم، فالبعد النفسي للجرائم الأسرية في حاجة ماسة إلى الالتفات.

شوية دلع

قلما ينظر أحد إلى "شوية الدلع" (قليل من الدلال) أو انعدام المسؤولية أو بعض التعب المتوقع بعد الولادة المنهكة باعتبارها أمور جديرة بالرعاية الطبية النفسية، والتفوه بعبارة "اكتئاب ما بعد الولادة" يثير قدراً من السخرية يفوق التفهم أو القبول بمراحل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

السيدة التي تشعر بأعراض غير معتادة ولا تمت بصلة للإنهاك الجسدي الطبيعي بعد الولادة عليها أن تقنع نفسها بأنها تهيؤات وترهات وتفاهات، وإن بحثت في أغوار الإنترنت ونقبت في مواقع طبية متخصصة ووجدت أن هناك شيئاً اسمه "اكتئاب ما بعد الولادة" فعليها أن تحتفظ بما وجدت لنفسها، لأن ما وجدت "ليس إلا رفاهية غربية لا يملكها العرب" أو "محاولات غربية خبيثة لتفريغ الأمومة من محتواها الفطري وتقوية شوكة النساء ليتمردن على دورهن الأساس في إنجاب الأبناء".

صافرة إنذار

الأبناء الثلاثة الذين فقدوا حياتهم على الأغلب بسبب معاناة الأم من اكتئاب ما بعد الولادة، لم يلتفت إليه أو يعترف به أحد بمن فيهم هي نفسها، إضافة إلى مؤشرات بأن طفلين من الثلاثة كانا مصابين بالتوحد، يطلقون صافرة إنذار زاعقة هادرة بأن المرض النفسي ليس ادعاء أو وصمة أو سبة أو "شوية زعل".

الصافرة التي تكاد تصم آذان الجميع لا تكتفي بالإشارة إلى اكتئاب ما بعد الولادة المهمل عربياً والمستهان به مجتمعياً، والهادم لملايين البيوت والأسر من دون أن يدري أهلها، بل تلفت الانتباه إلى الاعتلالات النفسية التي يعاني أصحابها ومن حولهم من دون أن يدري أحد، وإن دروا فلا حول أو قوة لهم في التعامل معها.

تعامل "الأم القاتلة" مع أبنائها الثلاثة على الرغم من الحياة الجيدة التي عاشتها كما أكدت، وعلى الرغم من تأكيد أم زوجها وزوجها وأصدقاء الأسرة بأن المودة والتفاهم والحب كانت تكتنف حياتهم الأسرية، كان عامراً بالمشكلات، فالأم المحبة المتفانية المتعلمة وصلت مرحلة من التعب النفسي الذي فاقمه على الأرجح اكتئاب ما بعد الولادة، ففعلت ما فعلت، وما فعلته ليس جديداً وإن كان فادحاً وبشعاً، وعلى الأرجح لن يكون الأخير، طالما المجتمعات تقاوم والدول تعجز أو تتجاهل عن إدراج الصحة النفسية أولوية طبية.

وإذا كان الوضع صعباً في المدينة فإنه عات وقاس وشديد الغلظة في الريف. الطبيب الكاتب خالد منتصر يقول "عشنا أسرى بديهية أن المرض النفسي هو مرض أبناء المدن الكبيرة والعواصم المزدحمة وتوتر التكدس وقلق الرفاهية والتنافس، حتى أفاق المجتمع المصري على حوادث بشعة تحدث في عمق الريف المصري الذي كنا نصفه بالهدوء والسلام النفسي".

مطلوب طبيب نفسي

ويستطرد منتصر في مقالته "مطلوب طبيب نفسي ريفي" قائلاً إن "سيدة مضغوطة تتحمل مسؤولية البيت كله من الألف إلى الياء، غالباً مضطرة إلى أن ترتدى النقاب 24 ساعة لوجودها في بيت أهل زوجها، خارجة من تجربة حمل صعبة أصابتها باكتئاب حمل فوق اكتئابها، كتبت خطاباً إلى زوجها لتخبره بأنها ذبحت الأبناء لترسلهم إلى الجنة".

يشير منتصر إلى أن معظم أهل القرى يتعاملون مع الضغوط النفسية والعصبية وما يصاحبها من ظواهر "غريبة" بالذهاب إلى الشيخ أو عمل رقية شرعية أو اللجوء إلى الدجالين لـ "فك السحر"، وآخر ما يبحثون عنه هو الطبيب النفسي، وربما يعود ذلك لعدم وجود طبيب نفسي في القرية.

في القرية المرض النفسي وصمة، واعتلال الروح إما مس شيطاني أو "شوية دلع"، وفي المدينة الصحة النفسية ترف والبحث عن علاج نفسي موصوم حيناً ومتجاهل حيناً وبالغ الكلفة دائماً، وفي وزارة الصحة والسكان المصرية منصة إلكترونية واعدة تم إطلاقها قبل أسابيع لملء فراغ العلاج النفسي، لكن المنصة ما زالت محدودة التخصص وتميل أكثر إلى "علاج الإدمان"، أما علاج الروح فربما يأتي لاحقاً، لكن بعد أن يحصد مزيداً من الأرواح ويقصف عمر زيجات ويزرع البؤس والشقاء في ملايين الأسر من دون معرفة الأسباب أو اكتشاف سبل العلاج.

سبل العلاج

سبل العلاج لا تعوقها فقط قلة الوعي بمغبة الاعتلال النفسي أو وصمته، لكن البيئة الدينية أحياناً تنتج منها آثار عكسية تأتي بما لا يسر عدواً أو حبيباً. الكاتبة الصحافية والمدافعة عن حقوق المرأة سحر الجعارة تقول إن حنان محمد أبو النجا (الأم) خريجة كلية التربية قسم اللغة العربية حين أبلغت زوجها عبر الرسالة الورقية "وديت ولادك الجنة يا محمد" فإن الرسالة في الأصل موجهة إلى أستاذ الفقه المقارن أحمد كريمة وليس الزوج. "كريمة ذائع الصيت يقول إن من حق الزوج الذي سافر إلى السعودية أن يتزوج بأخرى سراً حتى لا يقع في الفاحشة"، تقصد ما أفتى به كريمة قبل أيام من ضرورة أن تشجع الزوجة زوجها على الزواج بأخرى إن سافر تجنباً لارتكابه المعصية وتقرباً منها لله.

وتضيف الجعارة، "أما أقصى حقوق حنان فهي أن تطلب الطلاق لتحصل عليه خلعاً فتفقد حقوقها الشرعية أو للضرر بعد أن تكون قد ضيعت سنوات طويلة من عمرها، وهنا سيكون من حقها شرعاً أن تتزوج، لكن في هذه الحال تسقط عنها حضانة الأطفال".

بيئات حاضنة للجرائم

البيئة الدينية المحيطة وتحميل المرأة ما لا تحتمل عبر تشدد في الفتاوى وإمعان في إفساح المجال للرجال وتضييق النطاق على النساء، وكذلك شح خدمات الصحة النفسية ليسا السببين الوحيدين في انتعاش الجرائم الأسرية.

الأسرة، تلك الخلية الاجتماعية الصغيرة وواحة الأمان الدافئة حين تتحول إلى مكان قد ينتهي فيه الحال بأحد أفرادها إلى فقدان حياته أو تدميرها أو تفتيت الكيان برمته، يصبح إنقاذها مهمة عاجلة ذات أولوية، والعوامل الاقتصادية دائماً تلقي بظلالها بأشكال مختلفة على العلاقات الأسرية.

المصاعب الاقتصادية المتفاقمة بفعل برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي بدأ في عام 2016 مضافاً إليه عامان من وباء "كوفيد-19" ثم حرب روسيا في أوكرانيا وسط نسب فقر مرتفعة وزيادة سكانية جنونية وسقف تطلعات لا حداً أقصى له، أسهمت في إضفاء بعد وحشي غريب على الجرائم الأسرية، فالجرائم الأسرية التي شهدتها مصر خلال الأشهر القليلة الماضية تعطي لمحة وافية عما يدور في المجتمع، فغياب التواصل الصحي بين الزوجين واعتبار العلاقة الجنسية والكفاية المالية عمودا حماية الأسرة والإبقاء عليها أصاب كثيراً من الأسر بالوهن الاجتماعي، لكن قائمة العوامل والأسباب كثيرة، فمن توغل المنصات الرقمية في حياة أفراد الأسرة تحت سقف واحد أدى بهم إلى العيش في جزر منعزلة، إلى عوامل الإدمان ومنها إلى تطلعات اقتصادية لا تعرف ترشيداً أو حكمة أو تعقلاً، واعتناق العنف الجسدي والنفسي أسلوب حياة معضداً بمباركة مجتمعية حيث الأب والأم والمعلم والمذيع ورجل الدين وغيرهم يتعاملون بعنف مع المحيطين مع تحقير ثقافة الحوار، إضافة لرواج الأعمال الدرامية التي تعلي من شأن العنف وتسبغه بهالة من الإثارة والتفرد وغيرها، جميعها تصب في خانة تغليظ نوعية الجرائم الأسرية وميلها المتزايد للبشاعة.

الصمت جريمة كبرى

كل الجرائم بشعة، وكل الجرائم الأسرية بشعة جداً، لكن الأكثر بشاعة هو التزام الصمت أمام تكرار وتزايد مؤشرات بأنها تتفاقم على الرغم من أن قليلاً من التدقيق وبعضاً من التحليل وكثيراً من الاعتراف بأن البشر يمرضون نفسياً وليس جسدياً فقط، قد يقي الجميع مزيداً منها.

قبل أشهر قليلة تقدم عضو مجلس النواب طارق الخولي بطلب مناقشة حول العنف الأسري في مصر، وطالب بإدراج مناقشة سياسة الحكومة المصرية في شأن مواجهة هذا النوع من العنف الذي يؤدي أحياناً إلى القتل على جدول أعمال المجلس، وقال الخولي وقتها إن أخباراً متواترة تنبؤنا بوقوع جرائم غير مألوفة في مصر ما بين قتل الأزواج لزوجاتهم والعكس، وتعرض الأطفال لجرائم وحشية على يد ذويهم مثل التعذيب والقتل والاغتصاب".

ورأى الخولي أن ذلك مدعاة للقلق ومن شأنه إحداث خلل في مكون الأسرة المصرية، مما يستدعي تدخلاً سريعاً من شتى جهات الدولة.

وأضاف أن وزارة التضامن الاجتماعي نبهت قبل فترة إلى أن ما يزيد على 42.5 في المئة من المصريات المتزوجات المتراوحة أعمارهن بين 18 و64 عاماً تعرضن للعنف الزوجي من الأزواج، كما أن الأرقام الواردة من خط نجدة الطفل التابع لـ "المجلس القومي للأمومة والطفولة" تشير إلى تلقي 11761 ألف بلاغ خلال عام 2020 تفيد بتعرض أطفال للخطر أو الموت، بينها 764 بلاغات تحرش واغتصاب في محيط الأسرة، ومازالت المسألة قيد المناقشة.