Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عالم آخر في 100 يوم

الدبابات تتحرك على الأرض والعجز عن وقف الحرب يوازي العجز عن ربحها

ما كانت في تصور الكرملين حرباً خاطفة سميت "عملية عسكرية خاصة" تحولت إلى "حرب استنزاف" طويلة (أ ف ب)

روسيا كانت ولا تزال بطلة المفاجآت الكبرى لنفسها وللعالم، المفاجأة الأولى كانت في أواخر العقد الثاني من القرن الـ20: نجاح ثورة أكتوبر (تشرين الأول) الاشتراكية بقيادة الزعيم البلشفي فلاديمير لينين في بلد زراعي معظم شعبه من الفلاحين، على عكس التركيز في الفكر الماركسي على البروليتاريا والثورات في أوروبا الصناعية، ولم يكن جون ريد يبالغ عندما وضع لكتابه عن تلك الثورة عنوان "عشرة أيام هزت العالم".

المفاجأة الثانية في نهاية العام الأول من العقد الأخير من القرن الـ20: انهيار الاتحاد السوفياتي، بعد أن سبقه جدار برلين، وكان التصور العام للمراقبين هو نهاية الأيديولوجيا، والعنوان السريع هو "نهاية التاريخ" كما كتب فرنسيس فوكوياما.

والمفاجأة الثالثة جاءت في بدايات العام الثاني من العقد الثالث من القرن الـ21: غزو أوكرانيا بقرار من الرئيس فلاديمير بوتين الخائف من الغرب والمخيف له، والعنوان المدوي في الواقع حتى الآن هو: 100 يوم من حرب ستغير العالم.

ذلك أن ما كانت في تصور الكرملين حرباً خاطفة سميت "عملية عسكرية خاصة" تحولت إلى "حرب استنزاف" طويلة، كما يتوقع الأمين العام للحلف الأطلسي ينس ستولتنبرغ الذي التقى الرئيس جو بايدن في البيت الأبيض. 100 يوم احتلت فيها القوات الروسية، إضافة إلى شبه جزيرة القرم، خُمس مساحة أوكرانيا باعتراف الرئيس فولوديمير زيلينسكي، بعد أن عجزت عن احتلال كييف، 100 يوم أحدثت أزمة غذاء في العالم، ودفعت أوروبا إلى "العسكرة" وجعلت المستشار الألماني أولاف شولتز يلتزم بناء "أكبر جيش بري" في أوروبا بعد عقود من القيود على تسليم ألمانيا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأعادت الحلف الأطلسي إلى شبابه بعد أن شاخ، من حيث كان هدف بوتين دفع الحلف إلى الوراء وتحييد أوكرانيا ونزع سلاحها، أجبرت أوروبا على أن تكون "أميركية" في حين أن الهدف كان توسيع الانقسام في أوروبا والخلاف مع أميركا، وزادت من حدة الاستقطاب الاستراتيجي والجيوسياسي في العالم، بحيث تكوكبت القوى الدولية حول أميركا، وبقيت الصين حذرة في دعم بوتين، كذلك فعلت دول "منظمة الأمن الجماعي" التي كانت ضمن الاتحاد السوفياتي، وكان على بوتين الباحث لروسيا عن دور الشريك الكامل في النظام العالمي أن يحذر من أنه "لا أحد يستطيع عزل روسيا".

والمعادلة الصعبة التي اصطدم بها الجميع هي "ثنائية" الحرب والتسوية السياسية، فرنسا وألمانيا والنمسا وإيطاليا وتركيا التي تؤمن بأنه لا مخرج من الحرب إلا بتسوية سياسية حاولت القيام بمبادرات وفشلت حتى في ترتيب وقف للنار، موسكو سخرت من المبادرة الإيطالية الأخيرة لأنها تريد تسوية سياسية تكرس المكاسب العسكرية على الأرض، لا تسوية سياسية للعودة إلى ما قبل الحرب، وترتيب حلول مرنة لمسألة القرم ودونباس ضمن حكم ذاتي في إطار السيادة الأوكرانية.

والسؤال الحائر هو: إلى أين بعد الـ100 يوم الأولى من الحرب، هل يكتفي بوتين بما حصل عليه في الشرق والجنوب ويضمه إلى روسيا ثم يوقف "العملية العسكرية الخاصة"، ولو واجه حرب عصابات، هل يندفع ثانية، كما يقال في موسكو، نحو كييف واحتلال كل أوكرانيا ثم مولدوفا مهما يكن الثمن، ما التغيير المهم الذي يمكن أن تحدثه الأسلحة الأميركية المتطورة المقدمة إلى أوكرانيا، ومن يضمن بقاء الحرب محصورة في الجغرافيا الأوكرانية، كما يريد الرئيس الأميركي الذي يكرر القول، إن الصدام المباشر بين "الناتو" وروسيا ليس على جدول الأعمال؟

الأجوبة معلقة في الجو، والدبابات تتحرك على الأرض، والعجز عن وقف الحرب يوازي العجز عن ربحها.

المزيد من تحلیل