Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حين تنتقم الهجرة اللبنانية لوطنها وعذاباتها

الأيديولوجيا الرسمية تواصل تسمية مغادرة الوطن "انتشاراً" بينما ترتفع في صناديق الاقتراع بالخارج أصوات التغيير والعقاب لقوى السلطة

يبلغ عدد المهاجرين اللبنانيين فوق سن الاقتراع نحو 970 ألفاً (أ ف ب)

للمرة الأولى في تاريخ لبنان الحديث لم تكن الهجرة إيجابية بالنسبة إلى القوى السياسية الممسكة بالسلطة والاقتصاد والمال. فلقد اقترع نحو 40 في المئة من المهاجرات والمهاجرين لمرشحي التغيير، وأسهموا في غير دائرة انتخابية في كسر احتكار القوى الحزبية والتقليدية للمشهد البرلماني، في ظل قانون انتخابي فصلته قوى السلطة على مقاساتها.

فوفق الباحث في "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين، تسجّل للمشاركة في العملية نحو 225 ألفاً، بعدما كان العدد في 2018 نحو 83 ألفاً، واقترع في 2022 نحو 142 ألفاً بعدما انتخب 74 ألفاً في 2018، وهي الدورة الأولى التي يتاح للمهاجرات والمهاجرين الاقتراع فيها.

واللافت أن أعداد المسجلين الجدد في 2022 تقارب أعداد المهاجرين في موجة الهجرة المستمرة منذ 2017، وقد تنامت بعد انتفاضة الـ 17 من أكتوبر (تشرين الأول) 2019 وحبس المصارف ودائع اللبنانيين، في ظل الانهيار الاقتصادي والمالي غير المسبوق والأزمة السياسية والاجتماعية.

لكن، وفق شمس الدين، لا يعني هذا أن المهاجرين الجدد كافة تسجلوا للاقتراع في 2022، "فهناك 970 ألف مهاجرة ومهاجر فوق سن الاقتراع (21 عاماً) في العالم، والـ 225 ألفاً المسجلين الجدد هم من هؤلاء كافة". بالتالي، لا يعني هذا أن المهاجرين الجدد وحدهم من تسجل للاقتراع وعاقب قوى السلطة المسؤولة عن الانهيار والأزمة. فالصوت الانتقامي جاء من المهاجرين والمهاجرات القدامي والجدد على حد السواء. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأصوات التي نالتها قوى السلطة، فهي أتت من القدامى والجدد أيضاً.

ويستدل شمس الدين على ذلك، إضافة إلى اتجاهات التصويت وخريطة توزع المهاجرات والمهاجرين في العالم، بأن 63 في المئة فقط ممن تسجلوا في 2022 اقترعوا، ولو كانوا كلهم من المنتقمين أو المهاجرين الجدد لكانت نسبة اقتراعهم ارتفعت أو طابقت الـ 100 في المئة، إذ إن التسجيل في الخارج يعني الرغبة في المشاركة في الاقتراع. من دون أن ننسى أن ليس المقترعون كافة اقترعوا لمرشحي التغير أو انتقموا من قوى السلطة، فهذه حازت نسبة 60 في المئة من أصوات الخارج.

أمل من الهجرة

وفي مجمل الأحوال، وعلى الرغم من أن الصوت المهاجر العقابي التغييري لم يقلب المشهد البرلماني رأساً على عقب، إلا أنه أسهم في انتزاع نحو 13 مقعداً وغيّر في خريطة توزع الكتل والحصص بين قوى السلطة. وقد كسر احتكار قوى السلطة المقاعد في العديد من الدوائر الانتخابية، وأبعد من الندوة البرلمانية زعامات تقليدية وسياسيين بارزين. وإذ لم ينجح في توصيل شاب تغييري من دائرة المتن إلى مجلس النواب (الخسارة بفارق 70 صوتاً)، إلا أنه أدخل لاعباً جديداً معارضاً في دائرة لطالما احتكرتها قوى تقليدية وحزبية.

ولا يقل عن ذلك أهمية أن نتائج الانتخابات عموماً والصوت المهاجر التغيري العقابي ضمناً، بثت أملاً لدى فئات واسعة من اللبنانيات واللبنانيين بإمكان التغيير. ويأتي ذلك بعد انتشار إحباط من إمكان التغيير وقدرة الصوت على التأثير في ظل قانون الانتخاب الحالي، وإمساك قوى السلطة بزمام الأمور وقواعد اللعبة. فقوى السلطة لم تقدم منذ بدء الانهيار والأزمة حلولاً، بل إن الأمور تزداد تعقيداً وانحداراً وتسارعاً ومأساوية.

وبعدما كان ينظر إلى الهجرة بوصفها مساعداً لقوى السلطة، إذ تضخ تحويلات مالية إلى فئات واسعة من المجتمع وفي المصارف، مما يبرّد أي صراع محتمل بين المتضررين من الانهيار والأزمة وقوى السلطة المسؤولة عن ذلك، غيرت نتائج الانتخابات إلى حد ما هذه الصورة. فالهجرة التي لطالما شكلت بالنسبة إلى قوى السلطة عنواناً لإرسال الخريجات والخريجين والكفاءات بدلاً من توفير فرص عمل لهم في لبنان بما يسهم في تطوير الاقتصاد، باتت مصدر قلق أيضاً، إذ إن المهاجرات والمهاجرين يغدون في الخارج محررين اقتصادياً وسياسياً وثقافياً من سطوة قوى السلطة ونفوذها وخطاباتها وشبكتها الزبائنية العميقة في الأراضي اللبنانية، ويترجمون ذلك بأشكال مختلفة ومتفاوتة من خلال علاقتهم بلبنان ومجتمعه وأسرهم ومحيطهم وبلداتهم.

 

 

مجرد أرقام ولا إحصاء

وهذا ليس غريباً، فالهجرة اللبنانية التي اختصرتها قوى السلطة بالأرقام، سواء أكانت أرقام التحويلات المالية أم أعداد الناخبين، هي لبنان المقيم في الخارج. وإذ أهملت السلطات المتعاقبة شؤونها وحتى إحصاءها وتركت اللبنانيين واللبنانيات هؤلاء "يدبرون رؤوسهم" في الغربة وبلادها، يقدر الباحث في تاريخ الهجرة بطرس لبكي أن عدد المغتربين والمهاجرين والمتحدرين من أصل لبناني هو 15 مليوناً. وقد "بدأت الهجرة المعاصرة في منتصف القرن الـ 19 بتأثير من التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في جبل لبنان، مثل توسع المصالح الأوروبية والتجارية والصناعية والمالية، وتدهور حرف النسيج وصناعته في المدن والبلدات، وكذلك الحرف والصناعات الأخرى، ومنافسة السلع الأوروبية وتحسن الصحة العامة والنمو السكاني السريع وتنامي التعليم وأزمة إنتاج الحرير والصراعات الاجتماعية والحروب الأهلية المدعومة دولياً" ("هجرة اللبنانيين 1850- 2018 مسارات عولمة مبكرة"، بطرس لبكي، ص 11).

"والواقع أن الأمر الأساس الذي طبع الحياة في لبنان أثناء تلك الحقبة كانت الحاجة التي شعر بها أهالي الجبل لمغادرة وطنهم باتجاه الآفاق الواسعة، إذ كان وطنهم الضيق قد غدا مقصراً عن توفير  الموارد الاقتصادية اللازمة لتطوير نشاطهم الصاعد، وهكذا شهد عهد المتصرفية بداية حركة الهجرة اللبنانية الواسعة التي حملت اللبنانيين إلى مختلف أنحاء العالم، وجزأت لبنان الفعلي إلى قطاعين كبيرين متفاوتي الكبر، لبنان المقيم ولبنان المغترب، بحسب التعبير المتداول اليوم، مما جعل الشعب الواحد ينقسم إلى قسمين طالما سعيا عبثاً إلى الالتئام" ("التكوين التاريخي للبنان السياسي والدستوري"، إدمون رباط، الجزء الأول ص 361)

مسؤولية باكرة

والهجرة اللبنانية منذ البداية، وفي ظل ظروف اجتماعية واقتصادية قاسية واستنفار الرابط العائلي إزاء التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتداعياتها، رتبت على المهاجرين مسؤولية إخراج الأهل من أحوالهم. ما رسخ العلاقة بين المهاجرين أو معظمهم بالأهل – الوطن. وقد حصل ذلك تحت تأثير ثقافي قيمي وعاطفي. فالهجرة أو المهاجَرة لم تكن أمراً مستساغاً أو هيناً، بل كانت تُعتبر "حالاً عامة تستوجب الأسف"، كما يصفها محمد رفيق ومحمد بهجت في مؤلفهما "ولاية بيروت"، التي كانت تضم ألوية عكا ونابلس جنوباً وطرابلس واللاذقية شمالاً.

ومصدر "الأسف" في الثقافة السائدة آنذاك هو اضطرار الذكور إلى هجر عائلاتهم وأرضهم وتراجع اليد العاملة، والانطلاق إلى عالم مجهول بعيد المسافات في ظل وسائل نقل محدودة ومكلفة، ولا يُعرف ما إذا كان المهاجرون سيعودون أو يوفقون في أعمالهم أو سيرسلون أموالاً أم لا.

ونقرأ في كتاب "لبنان- مباحث علمية واجتماعية" الذي أعدته "لجنة من الأدباء بهمة إسماعيل حقي بك متصرف جبل لبنان" (1918): "المهاجرة اللبنانية إلى البلاد الأميركية زرافات لأجل التفتيش عن المعيشة بلغت 120 ألف نفس، وهذا ما يقارب ثلث سكان الجبل" (98).

وفي إشارة إلى حجم الهجرة يكتب ميخائيل نعيمة في قصة "سنتها الجديدة" (مجموعة "كان ما كان")، "وهناك مزية أخرى يفوق بها أبو ناصيف أهل قريته، وذاك أنهم عندما يبدؤون بعد البيوت التي نزح بعض أعضائها إلى أميركا، يصلون إلى بيت الشيخ ويقفون لأنه هو البيت الوحيد في يربوب الذي لم يدفع بعد جزية لكولمبوس".

ويرصد لبكي انعكاسات عدة للهجرة ليذكر منها أنه "على الصعيد الديموغرافي كانت النتائج نقصاً في اليد العاملة الزراعية ثم اليد العاملة الصناعية (مصانع غزل الحرير) في نهاية الفترة (العثمانية)، مما تسبب بخلق المصاعب لنشاطات المصانع، وكانت نتائج الهجرة سلبية على الولادات الجديدة التي انخفضت بسبب النسبة الكبيرة بين المهاجرين الذكور الشباب، وعلى الصعيد العقاري فلدى مغادرتهم الأراضي اللبنانية كان المهاجرون، خصوصاً الفقراء منهم، يبيعون جزءاً من أراضيهم أو كلها لتأمين اللازم لتغطية نفقات السفر والأيام الأولى في الغربة، وغالباً ما كانت الأوقاف تشتري هذه الأراضي، ولقد أدى ذلك إلى تجميع الملكية العقارية في يد الأوقاف ورفع أسعار الأراضي، وأسهم في هذا الارتفاع توظيف قسم من تحويلات المغتربين في شراء أراض لهم ولأقاربهم. أما على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي فقد وظف قسم من المهاجرين بعض أموالهم في بناء مساكن حديثة كانت غالباً مسقوفة بالقرميد الأحمر، ووظفوا بعض الأموال في شراء أراضٍ صالحة للزراعة واستصلاحها، وأنشأوا بعض الأنشطة التجارية واشتروا بعض مغازل الحرير المتوقفة عن العمل، لكن الوقع الأهم للهجرة على اقتصاد البلد كان زيادة الطاقة الاستهلاكية، إذ إن العائدات التي كانت تمثل أكثر من 40 في المئة من دخل المواطنين أُنفق القسم الأكبر منها على زيادة الاستهلاك، وانعكس ذلك على الاستيراد وتحسين المستوى الصحي، ولقد سمحت هذه البحبوحة النسبية مع ارتفاع مستوى التعليم بإطلاق حياة فكرية وثقافية في المدن والأرياف" (68).

 

 

اشتعال المنافسة

ومع ذاك العصب العاطفي والاختبار الأخلاقي والعملي للمهاجرين، اشتعلت في ظل تلك التحولات المنافسة بين المهاجرين، إذ بات مقياس النجاح بالنسبة إلى كثير منهم هو حجم المبلغ الذي يرسله أو يعود به هذا المهاجر أو ذاك.

يروي لحد خاطر عن متصرف جبل لبنان فرنكو باشا (1868- 1873) أنه كان "يُنعم بلقب بك على من يأتون من الوجهاء أو الموظفين عملاً يستحق رضاه، ومن ثم كثر طلاب هذا اللقب وانهالت عليه التوصيات ببعضهم من رؤساء الدين والقناصل حتى لقد ضاق بها ذرعاً، ولكنه لم يعدم وسيلة للتخلص مما تولاه من إزعاج بالوسيلة التالية: كان في المركز رجل معتوه اسمه يوسف يزبك مهمته كنس الأروقة وقضاء بعض الحاجات، فدعا إليه ذات يوم رئيس القلم العربي وقال له ’اكتب‘. وأملى عليه ما يلي: ’إلى حضرة يوسف بك يزبك‘. فتوقف رئيس القلم والدهشة آخذة منه كل مأخذ، وظن أن المتصرف غير جاد في ما يقول، وإذا به يكرر القول بلهجة شديدة ’اكتب اكتب‘: بناء على رضانا عن اجتهادك فقد زدنا خمسة قروش على مرتبك الشهري‘ وأخذه منه وذيله بتوقيعه. واشتهر أمر هذا المكتوب وأصبح حديث الأندية وامتنع محبو هذا اللقب عن طلب الحصول عليه، لا سيما بعد أن أصبح يوسف يزبك ويوسف بك أو بك المركز المجذوب" ("عهد المتصرفين في لبنان 1861- 1918"، 41).

مأساة وسوداوية

والكوميديا هذه تجد مقابلاً مأساوياً لها في مصير "شهيد" بطل مسرحية "طاغية القرية" ليوسف غصوب، وهو "فتى لبناني في الـ 30 من عمره، هاجر إلى البلاد الأجنبية (المكسيك)، ثم عاد بعد غياب 15 سنة حليق الشاربين، وعلى وجهه كآبة وفي نفسه شمم".

ويدخل شهيد بيت أسرته الذي غادره بعد شجار مع أبيه المرابي البخيل، ويعرف عن نفسه بأنه صديق لابنها ويبيت عندها كي لا يخرج في الليل، وفي الأثناء يُحدث الأب نفسه "ألف ليرة ذهبية وأصبح أغنى رجل في القرية، بل تصبح القرية ملكاً لي. ويصير هؤلاء المتكبرون أبناء الأسياد وأبناء الشيوخ والأمراء أتباعاً لي ينظرون إليّ خائفين حاسدين. أنا ابن الفلاح الذي لم يكن على شيء من حطام الدنيا، ثم هو الآن قدير على كل شيء، تفتح له المجالس والبيوت ويرفع صوته عالياً وتراعي الحكومة جانبه ويفتش الكبراء عن صداقته. مسموع الكلمة نافذ الإرادة والمال، المال هنا، المال راقد هنا بالقرب مني مع هذا الفتى النائم. أهو القدر ساقه إليّ؟ أهو القدر حليفي؟".

ويقلب الأب السكين التي على الطاولة. يجلس ويفكر. "من هذا الفتى النائم هنا؟ غريب لم يره أحد! ألف ليرة في جيبه. الليل ساكن وما من أحد على الطريق، ونحن في بيت بعيد من القرية، وفي البستان بئر عميقة مهجورة مغطاة بالعوسج لا يمر بها أحد".

وبالتزامن مع هذا تحدس أخت شهيد أنه شقيقها وتبوح بذلك لأمهما، ويسمع الأب همسهما فيدرك وتدركان أنه قتل ولده بيديه.

ولهذا القتل الرمزي، بل للقصة التي نشرت العام 1933، أبعاد ومعان عدة مرتبطة بتجربة الهجرة في لبنان. فالهجرة التي يمثلها الشاب العائد غنياً (برجوازياً) يحمل قيماً إنسانية في التعامل مع المال وتجاه المجتمع، ومتسامحاً مع من قسى عليه (الأب) مشتاقاً إلى الحنان (الأم والأخت)، هي ضحية التقاليد القروية والعقد الناتجة منها. وفي هذا نظرة سوداوية من الكاتب إلى المجتمع اللبناني الذي يأخذ من الرأسمالية المال، بينما يحيّد المنتج ولا يفكر في عملية الإنتاج.

"لكم لبنانكم ولي لبناني"

قريب من هذا، وعلى نحو عميق يدخل في صميم العلاقة بين السلطة الدينية والدنيوية والإنسان، يصرخ جبران خليل جبران "لكم لبنانكم ولي لبناني"، منحازاً إلى الهجرة ومن "يغادرون لبنان". فهؤلاء هم "لبنانه" الذين "ليس لهم سوى حماسة في قلوبهم وعزم في سواعدهم ويعودون إليه وخيرات الأرض في أكفهم وأكاليل الغار على رؤوسهم".

أما لبنان الذي ليس "لبنانه" فهو "المعضلات" و"الأغراض والمنازع" و"العقدة السياسية" و"المشكلة الدولية" و"الصراع بين رجل جاء من المغرب ورجل جاء من الجنوب" و"حكومة ذات رؤوس لا عداد لها" و"حيلة يستخدمها الثعلب عندما يلتقي الضبع، والضبع حينما يجتمع بالذئب" و"مربعات الشطرنج بين رئيس دين وقائد جيش" و"رجل يؤدي المكوس (الضريبة) ورجل يقبضها" و"مرافئ وبريد وتجارة" و"موظفون وعمال ومديرون" و"وفود ولجان" "وطوائف وأحزاب" و"خطب ومحاضرات ومناقشات" و"كذب يحتجب وراء نقاب من الذكاء المستعار، ورياء يختبئ في رداء من التقاليد والتصنع" و"شرائع وبنود على أوراق" و"شيخ قابض على لحيته قاطب ما بين عينيه ولا يفكر إلا بذاته".

ولا يُنسى أن جبران هذا هو أبرز أدباء المهجر وكتاب جريدة "المهاجر" في نيويورك، وقد غادر لبنان فقيراً ناقماً ثائراً على السلطة الدينية والأبوية والتقاليد.

"في سنة 1894 إذ كان جبران في الـ 11 هاجرت الأم مع أولادها الأربعة إلى أميركا، منتجع أهل الفقر والمغامرة من اللبنانيين حينذاك، تاركة في القرية زوجها الذي لم يقم بعمل سوى التزام عد الأغنام والماعز في جرود الجبال وجباية الرسوم عليها" ("جبران في آثاره الكتابية"، روز غريب، 12).

"في غمرة نشاطه الأدبي والفني استطاع أن يضم جماعة من الأدباء اللبنانيين والسوريين المقيمين في نيويورك أو غيرها من مدن الولايات المتحدة في عصبة الرابطة القلمية التي تم تأسيسها في منزل جبران سنة 1920، وانتخبه أعضاؤها عميداً وميخائيل نعيمة سكرتيراً" (16).

وفي واحدة من رسائله الأخيرة إلى ماري هاسكل مؤرخة في السابع من نوفمبر (تشرين الثاني) يكتب، "لم يكن صيفي صيفاً سعيداً. كنت طوال الوقت في حال ألم، ولكن ما العمل؟ كتبت كثيراً بالعربية، نظمت قصائد وكتبت أشعاراً منثورة، بل وأكثر من ذلك أبلغت شعب جبل لبنان أني لا أرغب في الرجوع إلى الوطن لتسلم زمام حكمهم، لقد طلبوا إليّ ذلك، وتعلمين أنت يا ماري أني مريض بحب الوطن، فقلبي يتوق إلى تلك الروابي والأودية، إنما الأفضل لي أن أمكث هنا عاكفاً على عملي. إني أستطيع العمل في هذه الغرفة القديمة والغريبة أفضل مني في أي مكان آخر".

 

 

أما رفيقه في الأدب والمهجر أمين الريحاني فيقدم في "كتاب خالد" (بالإنجليزية) واحدة من أغنى القصص عن الهجرة. فخالد، بطل الريحاني، ليس بائعاً متجولاً في شوارع نيويورك "متنكباً الكشة" سعياً وراء الرزق كي يستحق أكلة المجدرة بعد عناء النهار وحسب، بل تراه ينهل من الهجرة وثقافات العالم ويجول الآفاق بعقله متنقلاً بين المادية والروحانية، بين المجتمع المدني والريفي، وبين العربي والأميركي، وهو الذي غادر وطنه حاملاً "ديوان المتنبي"، في إشارة إلى تعلقه بالوطن واللغة والثقافة العربيتين.

وعلى خلاف جبران، فإن الريحاني الذي استفاد من هجرته فعالج في العديد من مؤلفاته خصائص العالمين الغربي والشرقي وثقافاتهما والعلاقة بينهما، آثر العودة لوطنه وجال في جباله وتاريخه كاتباً "قلب لبنان"، أحد أجمل الكتب وأرقها.

حضور المرأة

ظهّرت الهجرة حضور المرأة اللبنانية في العمل، في الحقل والمعمل والمتجر، إضافة إلى مسؤوليتها في تدبير شؤون الأسرة والتربية. ففي معرض سؤال كتاب "لبنان- مباحث علمية واجتماعية"، "لماذا هذا الميل العظيم إلى غرس التوت وأمثاله؟" نقرأ الإجابة الآتية، "إن ذلك ناتج من سفر ألوف من الرجال اللبنانيين وتركهم وطنهم إلى أمريقا (أميركا) التي رأوها أربح تجارة، و(عن) بقاء النساء اللواتي فضلن صناعتي القز والدبس المختصتين غالباً بهن لقلة كلفة التوت والخرنوب بالنسبة إلى غيرهما من الأشجار" (88).

ويكتب مسعود ضاهر، "بسبب انتشار الهجرة على نطاق واسع في الجبل كانت اليد العاملة من النساء والأطفال هي الغالبة في هذا المجال نظراً إلى الأجر الضئيل الذي كان يعطى للمرأة العاملة، وكانت الأغلبية الساحقة من العمال والعاملات تعيش في أمية شبه مطلقة" ("تاريخ لبنان الاجتماعي 1914- 1926"، 48).

وعلى الرغم من قلة عدد النساء المهاجرات بمفردهن آنذاك مقارنة بعدد الرجال، لاحقتهن الثقافة الريفية أو ما يُسمى "النظرة الشرقية" بالشائعات، فهذا الأديب مارون عبود يكتب قصة "مهاجرة" التي غادرت لإعالة أسرتها وإنقاذها من الديون ورهن البيت. وقد أصابتها الشكوك ونالت منها الأقاويل منذ انطلقت الباخرة من مرفأ بيروت التي "كانت هدلا (المهاجرة) تحسبها سيدة مدن العالم". ومن دون أن نعرف حقيقة حياة هدلا في نيويورك، تطلعنا القصة على ما أرسلته من حوالات مالية صرفها الزوج الذي ورث منصب "شيخ الصلح" في القرية. وبعدما تناهى إلى القرية أن "المهاجرة" ماتت عادت لتجد زوجها وقد اقترن من امرأة أخرى وأبناؤها تفرقوا في مصائر مجهولة.

جاذبية مصر

وجميل، كي لا يضيع ذلك، التذكير بأن مصر كانت من الوجهات الأولى لهجرة اللبنانيين والسوريين عموماً، ويؤرخ مسعود ضاهر في كتابه المخصص لـ "الهجرة اللبنانية إلى مصر" (هجرة الشوام)، أن السوريين واللبنانيين هاجروا إلى مصر "بأعداد كبيرة قياساً إلى عدد السكان المحليين في المناطق السورية واللبنانية، فمنهم من هاجر إليها طلباً للحرية السياسية مثل بعض الكتاب والمثقفين والشعراء والصحافيين، ومنهم من هاجر بدافع الظروف الاقتصادية على اختلاف أنواعها، ولعبت العائلية دوراً أساساً في جذب الشوام إلى مصر، فكانت تستقطب المهاجرين تباعاً على قاعدة الأقرب أولاً ثم الدرجة الثانية فالثالثة من القرابة، ثم أبناء القرية والمنطقة" (9).

ويرصد لبكي "الأسباب الجاذبة" للهجرة اللبنانية إلى مصر فيقول، "عرفت مصر التي اندمجت في الاقتصاد العالمي بتحولها إلى ’مزرعة قطن‘ لمنطقة ’لانكاشير" الإنجليزية وفتح قناة السويس، نمواً اقتصادياً وليبرالية سياسية نسبية جذبت العديد من اللبنانيين (عمال وتجار ومثقفون ورجال أعمال). إن تخصص مصر بالزراعة الأحادية للقطن المدعومة باستثمارات ضخمة في البنى التحتية والري قد أدى إلى التوسع السريع في المساحات المزروعة" (30).

مساعدات ومبادرة

وعلى الرغم من الفوائد التي عادت على لبنان في زمن المتصرفية خلال النصف الثاني من القرن الـ 19 والسنوات الأولى من القرن الـ 20، إلا أن هناك إيجابيات عدة تجلت إبان الحرب العالمية الأولى (1914- 1918) والمجاعة التي فتكت بلبنان. وعلى الرغم من ضرب الحصار البحري على الموانئ اللبنانية تواصلت الهجرة إلى أميركا، وإن تراجعت من 9210 مهاجرين في 1913 إلى 9023 في 1914، و1767 في 1915، و676 في 1916، و210 في 1918، وفق لبكي.

لكن الأهم يبقى إرسال المهاجرين الأموال إلى الوطن الأم. وإذ توقف ذلك في السنة الأولى من الحرب وفق عدد من المؤرخين، مما كان "عاملاً في المحنة التي أصابت العديد من اللبنانيين"، إلا أنها استؤنفت بعد ذلك.

"وفي سبتمبر (أيلول) 1915 وصلت إلى جزيرة أرواد باخرة فرنسية عليها الكومندان ترابو الذي كان على علاقات وثيقة مع اللبنانيين خلال هذه الفترة، إذ كانت التبرعات ترسل إلى مصر، وغالباً إلى المطران الماروني يوسف دريان في القاهرة، والذي كان الشخصية الرئيسة لجمع المساعدات المالية، ومن القاهرة كانت تُنقل عبر الجهات الفرنسية بواسطة بواخر إلى جزيرة أرواد وأحياناً إلى الشواطئ اللبنانية، وعندها كان الأب بولس عقل يبحر إلى أرواد ليلاً لتسلم الأموال ونقلها إلى لبنان، وفي حال السفن التجارية التي كانت تنقلها إلى الشواطئ اللبنانية كان يتلقى هذه الأموال مساعدو الأب بولس عقل ويسلمونها له في المقر البطريركي لتوزيعها إلى المرسل إليهم. وكان اللبناني بشارة بواري يعمل مع القوات الفرنسية في جزيرة أرواد ويتسلل إلى شواطئ جونية حيث يتصل بأخيه عند بيت يوسف كرم على الشاطئ، وهناك يسلمه تبرعات" (لبكي، 80).

"ومع تعثر التحويلات المالية بسبب سوء الاتصالات البريدية، برزت مبادرة من دار الطباعة والنشر الأميركية في بيروت للعب دور الوسيط في تحويل أموال من الولايات المتحدة ومن المهاجرين هناك إلى ذويهم في لبنان، على أن توضع الأموال في حساب الدار في نيويورك، ومن ثم يدفعها مكتبها قيماً موازية في بيروت للأشخاص المحددين المرسلة إليهم" (لبكي، 85).

إضافة إلى هذا، لعبت الجاليات والجمعيات والأحزاب اللبنانية في مصر والولايات المتحدة وفرنسا والأرجنتين أدواراً مهمة على الصعيد السياسي والمالي.

الكون مسرح اللبنانيين

 

مع إعلان دولة لبنان الكبير (سبتمبر 1920)، وفي ظل الانتداب الفرنسي بدأ الاحتفاء بالهجرة اللبنانية والتنظير لها ولأدوارها الاقتصادية والثقافية والحضارية، وأبرز أصحاب هذا الخطاب هو المصرفي والبرلماني والصحافي ميشال شيحا، الذي اعتبر أن "مسرحنا هو الكون بأسره".

فكتب في "لبنان في شخصيته وحضوره"، "بلادنا هي بيتنا، لا بل هي بيتنا الأبوي، بيد أن عصرنا يريدنا أن نُعنى أيضاً ببيت الآخرين، وأن تكون ثمة مشاركة ليس في المبادئ والعواطف وحسب، بل في المصالح والروابط، فليس بعد اليوم أنانية مصون تقيم الحدود والسدود، ولعل اللبناني قد خبر ذلك خيراً من أي كان، منذ راح يضرب في جنبات المعمور.

إن لبنان الغد ليرتسم في ثنايا التاريخ والجغرافيا، ولقد بادر سكانه في عداد الأولين إلى اقتحام المجازفة بعيداً على متن زورق من زوارق الحظ، تدفعهم إلى عرض اليم محاولة إثر محاولة، فذللوا الأخطار وكبحوا الأنواء وحلوا بعد بلاء في الشطوط المجهولة، حيث اكتشفوا أناساً جُدداً كما لو نكتشف نحن يوماً كوكباً آخر وأناساً آخرين، ولقد حملوا سلعاً من صنعهم للمقايضة أو سلعاً مما اختاروا، وحملوا جمة أشياوات مشغولة تزدان بأزهى الألوان، وعادوا بالمواد الأولية والمعادن ونشروا اللغات وتناقلوا الأخبار، وكانوا ولبثوا يتكلمون أكثر من لغة واحدة، وأكثر من ذي قبل ليلبثون.

فالهجرة والأسفار تستنهض النشاط اللبناني تحت كل سماء وتتعهده، وما من بلد إلا وفيه لبنانيون، ذلك قديم قدم التاريخ، لكن المستقبل يُعدنا أكثر فأكثر للسعي والتجوال، وهيهات أن نقصُر نشاطنا على أرضنا الصغيرة الضيقة من دون أن تُسد علينا منافذ الهواء، والمستقبل يتبدى للبنانيين تحت شعار الحركة، كما لم يتبد قط، ولا قِبل لنا ما لم نركب رأسنا بمنع قومنا عنوة من الارتحال، لأننا إذ ذاك نجلب الضيق لذاتنا ونتعمد إثارة البلبال، على أنه من الواجب علينا أن نيسر أصناف العمل كلها في عجيب اصطفائها وفي تحولاتها التي لا تحد، وهذا بديهي. وعلى الدولة أن تسلم بما لا بد من التسليم به، فتقلع عن سياسة اقتصادية ومالية تكبلها القيود، وتعتنق الحرية مبدأها حتى آخر حدوده، وإلا فإنها لفرط حرصها على بعض المبادئ المزعومة تغدو مسؤولة عن تفاقم الهجرة، وعما تستتبعه من وخيم العواقب، ولعل أفضل ما يُرجى في هذا السبيل ترك اللبناني يسافر على هواه، شرط أن نعد له بلاده على نحو يلائم طبيعته ويهيب به أن لا يرحل، وإذا رحل أن يعود، ولعمري أن شعباً يستمد من الخارج سبعة أثمان موارده لا يعقل حصره ضمن سياسة اقتصادية مقفلة تتمذهب بالحماية والتفتيش، وإلا قضى عليه وضعه أن يموت اختناقاً، فكم ينبغي علينا اقتصار الأنظمة المكبلة على حدها الأدنى، لا سيما أن أبعاد بلادنا مؤاتية لهذا الاقتصار، فضلاً عما عندنا من ضآلة تصنيع، وأن الإنتاج الضخم المتساوق ليس من شيمة اللبنانيين ولا من مزاجهم، وليس من عبقريتهم، إذا شئت، فالتنوع هنا مشفوعاً بالمهارة، وحده خشبة الخلاص".

تقسيم في زمن الوحدة

على هذا لم يعد 4400 مهاجر، هو متوسط العدد السنوي لمغادري لبنان بين عامي 1921 و1938، رقماً ذا شأن في تاريخ الهجرة وحجمها، ولعل السبب الأبرز لتراجع أعداد الهجرة لا يقيم في لبنان إنما في بلاد الاغتراب (الولايات المتحدة والأرجنتين والبرازيل) التي ضربتها أزمة عام 1929، مما جعل عدد العائدين إلى لبنان منذ العام 1931 حتى 1938، أكثر من المغادرين، وفق لبكي الذي يعد ذلك "حصيلة إيجابية" (106).

وسط هذا "قسّم إحصاء عام 1932 اللبنانيين إلى فئتين، فئة هاجرت قبل 30 أغسطس (آب) 1924، وفئة هاجرت بعد هذا التاريخ، واعتبر أن جزءاً منه لا تنتفي عنه صفة اللبناني ما دام يؤدي الضرائب، وبالتالي ليس مهاجراً كلياً، لأن من الممكن أن يعود يوماً إلى لبنان.

ووصل مجمل عدد المهاجرين قبل 30 أغسطس وبعده من دافعي الضرائب وغير الدافعين إلى 254.987 مهاجراً، أي ما يعادل ثلث سكان لبنان المقيمين يومذاك. وغادر حوالى ثلثي المهاجرين لبنان قبل الـ 30 من أغسطس 1924، وكانت الأكثرية قد تخلفت عن دفع ضرائبها" (كوليت أبي فاضل، كتاب "لبنان دراسات في المجتمع والاقتصاد والثقافة" لمجموعة مؤلفين).

ويلاحظ المتخصص في الشأن الاقتصادي كمال حمدان أن الهجرة جعلت "وزن" جبل لبنان "يتراجع" لمصلحة بيروت، بعد "استبدال جبل لبنان بلبنان الكبير" الذي اعتبره بعضهم "إعادة البلد إلى حدوده الطبيعية والتاريخية"، على الرغم من أنه "مثير للمخاوف من ذوبانهم (المسيحيون) في مدى إسلامي أوسع"، في حين رأى المسلمون أن إعلان لبنان الكبير "حاجز في طريق الوحدة لسورية وانفصالاً عن العالم العربي" ("الأزمة اللبنانية - الطوائف الدينية، الطبقات الاجتماعية والهوية الوطنية"، 57).

 

 

التحول إلى البلدان النفطية

تكتب أبي فاضل "في عام 1959 شكل المهاجرون اللبنانيون والمتحدرون على امتداد 100 عام، حوالى 45 في المئة من مجمل اللبنانيين المقيمين (1.500.000 نسمة) والمهاجرين (2.214.500 نسمة). وكانت وجهة أغلبية الهجرة هي القارة الأميركية (91.6 في المئة من المهاجرين)".

وقد أسهم الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي والإصلاح الإداري، ما بين عامي 1962 و1968، في تدني الهجرة، لكن بعد ذلك "تسارعت بمعدل سنوي قدره 10200 مهاجر سنوياً، وهكذا وصل صافي الهجرة إلى حوالى 131.000 شخص خلال الفترة 1959- 1974. وكانت وجهتها البلدان العربية ودول الخليج بشكل أساس بسبب الصناعة النفطية التي ظهرت والأجور المرتفعة التي رافقتها، وبلغ عدد المهاجرين إلى الدول العربية عشية الحرب الأهلية 52.700 مهاجر، توجه نصفهم تقريباً (47,8 في المئة) إلى الكويت، و20.7 في المئة إلى ليبيا، و15.2 في المئة إلى السعودية، و14.8 في المئة إلى الإمارات المتحدة، وامتازت هذه الهجرة بخلاف سابقاتها بأنها هجرة أدمغة طاولت المتعلمين واليد العاملة المتخصصة وأبناء المدن، ولم تفرق بين الطوائف ولم تكتسب صفة الهجرة الدائمة، بل بقيت موقتة ومرحلية لكون حياة المهاجرين العائلية ومعظم استثماراتهم الاقتصادية والاجتماعية بقيتا متجذرتين في لبنان، واستمرت الهجرة إلى غرب أفريقيا وأميركا الشمالية لكن بنسب أدنى" (195).

ويعتبر حمدان أن الهجرة مثلت "عاملاً ساعد في استيعاب صدمة" الحرب في 1975، "وأحد أهم صمامات الأمان خلال الحرب"، فقد "كانت مصدراً مهماً لتحويلات مالية باتجاه لبنان، فهذه التحويلات التي لم تكن تتعدى 300 مليون دولار كمعدل سنوي عام 1975، بلغت نحو ملياري دولار تقريباً عام 1982، أي ما يمثل 75 في المئة من الناتج المحلي القائم لتلك السنة" (231).

ويضيف، "بين 1975 و1990 هاجر أكثر من خمس السكان المقيمين، وحوالى 22 في المئة من اليد العاملة. إن انتشار اللبنانيين باتجاه القارات البعيدة وأوروبا والبلاد العربية ساعد في تدعيم عملية التكيف الاقتصادي والاجتماعي بمواجهة الحرب، على الأقل، في ثلاثة ميادين محددة، فهذه الهجرة الكثيفة أسهمت أولاً في الحد من البطالة الكامنة في البلاد لامتصاصها نسبة كبيرة من العرض المحلي لليد العاملة، ومن جهة أخرى أتاحت الهجرة تدفقاً من التحويلات التي أرسلها المهاجرون، وكان لها دور أساس في تأمين توازن موازنات الأسر المقيمة. وأخيراً سمحت الهجرة للبنانيين الذين هاجروا مع قدر لا بأس به من الثروات التي، وإن بقي معظمها في الخارج، أن تشكل تلك الثروات مصدراً من مصادر التمويل المحتمل لدعم إعادة إعمار الوطن لاحقاً" (258).

الأرقام وجهات نظر

اليوم في ظل الانهيار الاقتصادي والمالي يتداول اللبنانيون أن الهجرة تحول سنوياً خمسة أو ثمانية أو 10 مليارت دولار. ولا مشكلة في اختلاف الأرقام وصحتها، فاللبنانيون يعتبرون الأرقام وجهات نظر. ويتغذى هذا الاختلاف في الأرقام، وفي وجهات النظر، من كون التحويلات ابتعدت منذ الـ 17 من أكتوبر (تشرين الأول) 2019 عن القطاع المصرفي الذي فقد ثقة اللبنانيين، ومنهم المهاجرون الذين يشكلون نسبة كبيرة ووازنة من أصحاب الودائع.

وفي الأثناء، تواصل الأيديولوجيا الرسمية تسمية الهجرة "انتشاراً"، وكأنها تتحدث عن مهمة وطنية كلف بها المهاجرات والمهاجرون. وفي مقابل إخفاء هذه الأيديولوجيا جانب الهجرة والغربة والعذاب والإهمال، ترتفع في صناديق اقتراع هؤلاء أصوات التغيير والعقاب لقوى السلطة، وهكذا تتجدد دراما الهجرة اللبنانية.