Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مصر تحمي اقتصادها بتعديلات على قانون غسل الأموال

أغلبها متحصلات من تجارة الآثار والمخدرات وفلسفة التغيير قائمة على اعتبارها جريمة منفصلة

مجلس النواب المصري يقر تعديلات بقانون مكافحة غسل الأموال (أ ف ب)

عدلت الحكومة المصرية خطط تتبع غسل الأموال بسبب كثرة القضايا التي تحقق فيها النيابة العامة، في شأن جمع أموال بطريقة غير شرعية بغرض الاستثمار، ويطلق عليها إعلامياً "ظاهرة المستريحين"، علاوة على ضبط تشكيل عصابي بتهمة غسل أموال تصل قيمتها 1.17 مليار جنيه (54 مليون دولار أميركي) حصيلة بيع مواد مخدرة في أبريل (نيسان) الماضي.

وتكثف القاهرة إجراءات مكافحة غسل الأموال بعد تحور نوعي لمحاولات دمج الأموال القذرة بجسد الاقتصاد إلى شكل جديد، إذ اختفت شركات توظيف الأموال معروفة الهوية لتظهر عمليات فردية لأشخاص لا يملكون مقاراً قائمة أو كيانات محددة، وهو ما دفع الحكومة إلى إجراء تعديلات جديدة على القانون رقم (80) لسنة 2002 الذي لم يعد كافياً مع زيادة الاعتماد على وسائل التكنولوجيا الحديثة والإنترنت.

وبدأت الحكومة المصرية في مكافحة غسل الأموال بشكل جاد مطلع الألفية الحالية بعد تفشي ظاهرة شركات توظيف الأموال في التسعينيات، لتجد ضالتها في ضرورة وجود أداة رقابية فعالة، فأسست وحدة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بموجب قانون مكافحة غسل الأموال الصادر رقم (80) لسنة 2002، لكن يبدو أنها لم تعد قادرة على المكافحة مع ثورة التكنولوجيا والإنترنت في ظل التشريعات والقوانين القائمة.

النواب يوافق

ووافق مجلس النواب المصري الأحد الماضي، على التعديلات الجديدة بقانون مكافحة غسل الأموال، على الرغم مما شهدته الجلسة العامة من جدل حول المادة الثانية والمتعلقة بتوصيف جريمة غسل الأموال وفصلها عن الجريمة الأصلية، وتنص على أنه "لا يشترط صدور حكم بالإدانة في الجريمة الأصلية لإثبات المصدر غير المشروع للأموال، طالما توافرت أدلة على أن تلك المتحصلات ناتجة من أفعال من شأنها الإضرار بأمن البلاد من الداخل أو الخارج أو بالمصالح الاقتصادية للمجتمع أو إفساد الحياة السياسية في البلاد، أو تعريض الوحدة الوطنية للخطر".

وطالب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية ووكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب أيمن أبو العلا، بحذف الفقرة الثانية من المادة الثانية متسائلاً "ماذا لو الجريمة الأصلية التي تترتب عليها جريمة غسل الأموال صدر فيها حكم بالبراءة؟ وهل من حقي اعتبار الأدلة كافية لمصادرة الأموال؟". وأضاف أن الجريمة الأصلية قد تكون تجارة آثار أو مخدرات، بينما جريمة غسل الأموال مترتبة عليها، وبالتالي تعد بمثابة ركن مادي بالجريمة الأصلية، كما طالب بإضافة نص للمادة الثانية بمشروع القانون يضيف ركناً ثالثاً للمادة، يعاقب كل من يسهل تلك المتحصلات من جرائم غسل الأموال، وذلك لمواجهة جميع الثغرات التي تواجه القانون الحالي.

وعقب وزير العدل المستشار عمر مروان قائلاً إن "الركن المادي لجريمة غسل الأموال مبين في الفقرة الأولى، والفقرة الثانية التي تنص على أنه لا يشترط صدور حكم بالإدانة في الجريمة الأصلية يسد ثغرة قانونية، فالمتهم قد يتصور أنه عندما يحصل على البراءة لسبب ما، مثل انقضاء الدعوى الجنائية ستؤول إليه الأموال"، متسائلاً "إلى أين يذهب المال المتحصل غير المشروع؟"، مستدركاً "يذهب لخزانة الدولة بكل تأكيد".

وقال رئيس مجلس النواب حنفي جبالي إن فلسلفة القانون الجديد تقوم على اعتبار جريمة غسل الأموال مستقلة، على الرغم من أنها جريمة فرعية لسد ثغرة قانونية في القانون قبل التعديل، مشيراً إلى أن الهدف هو حماية المجتمع، ومنوهاً بأن تلك التعديلات لا تتعدى على حرية الأشخاص وخاضعة لتحقيق وتوفر الأدلة، قائلاً إن مصادرة الأموال تتم وفق حكم قضائي.

وألزمت المادة (9 مكرراً 1) المؤسسات المالية وأصحاب المهن والأعمال غير المالية وأي شخص طبيعي أو اعتباري آخر بتنفيذ الآليات التي تتخذها وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إعمالاً لحكم المادة (21) من هذا القانون.

شد وجذب تحت القبة

واستطلعت "اندبندنت عربية" آراء المتخصصين والباحثين حول قضية غسل الأموال، فقال وكيل لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب مصطفى سالم إن تعديلات القانون رقم (80) لسنة 2002 جاءت في وقتها المناسب تماماً، مضيفاً أن الدولة نجحت في القضاء على الإرهاب وتمويلاته المتعددة طوال السنوات الخمس الماضية، وأنه آن الأوان لملاحقة عمليات غسل الأموال في كل صوب واتجاه، معتبراً تعديلات القانون هي الدرع الواقية ضد عمليات غسل الأموال القذرة، ومطالباً بمراجعة دقيقة للإقرارات الضريبية للأشخاص الذين ظهرت عليهم علامات الثراء من دون داع.

وفي المقابل، رفض أمين سر لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب عبدالمنعم إمام مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال، مبرراً بأن التعديلات لا تتوافق مع جميع الأنشطة المخالفة التي تشهدها البلاد حالياً، مستشهداً بعدم تطرق التعديلات لـ "ظاهرة المستريحين" التي تفشت بشكل كبير خلال الفترة الأخيرة.

وطالب النائب بمشروع قانون جديد يتوافق مع جميع مجالات النشاط المالي المخالف، مثل ظاهرة المستريحين وغسل الأموال عبر التطبيقات الإلكترونية ومتابعة دقيقة للحسابات المصرفية للعملاء بالبنوك.

إفلات من العدالة

من جهته، قال المصرفي ماجد فهمي إن الواقع العملي أثبت منذ إقرار القانون (80) لسنة 2002، أن مرتكبي مخالفات غسل الأموال تمكنوا من الإفلات من العدالة في مواطن كثيرة، مشيراً إلى أن نوعية تلك الجرائم ذات طابع خفي ويلجأ مرتكبوها إلى استخدام جميع وسائل الخداع، وتؤثر في الاقتصاد الوطني للدولة وتفسد المناخ الاستثماري.

ولفت إلى أن مكافحة الأموال القذرة لن تهدم الاقتصاد أو تمنع الاستثمارات كما يروج بعضهم، قائلاً إن "كل دول العالم، خصوصاً الاقتصادات المتقدمة، تلفظ الأموال القذرة وتحاربها بشتى الطرق، وتعديلات القانون جاءت في وقت مناسب للغاية مع تنامي ظاهرة المستريحين".

وفي شهر أبريل الماضي ضبطت إدارة مكافحة المخدرات بوزارة الداخلية تشكيلاً عصابياً بتهمة غسل 1.171 مليار جنيه (54.2 مليون دولار أميركي) حصيلة نشاطهم في ترويج المواد المخدرة ومحاولة غسل الأموال.

وأكدت تحريات قطاع المخدرات والأسلحة والذخائر غير المرخصة ارتكاب عناصر التشكيل العصابي جرائم غسل الأموال من طريق إجراء عمليات سحب وإيداع لتلك المبالغ بمختلف البنوك، وشراء عقارات وأراض فضاء بالقاهرة والدقهلية، وتأسيس أنشطة تجارية متنوعة لإخفاء مصدر تلك الأموال وإظهارها وكأنها ناتجة من كيانات مشروعة خلافاً للحقيقة.

رقابة مصرفية

وتعليقاً على ذلك، قال نائب رئيس البنك العقاري المصري وليد ناجي إن البنك المركزي المصري لديه رقابة لصيقة يتتبع من خلالها عمليات غسل الأموال، موضحاً أن البنك يملك ذراعاً رقابية تتمثل في وحدة التحريات المالية المصرية كوحدة مستقلة بالبنك المركزي المصري، بالتنسيق مع جهات سيادية أخرى، علاوة على الهيئة العامة للرقابة المالية والهيئة العامة للاستثمار.

وأشار إلى أن هناك نظاماً مركزياً صارماً يعمل بشكل إلكتروني ويتتبع الحسابات المصرفية المتضخمة التي لا تستند على أية معاملات تجارية أو اقتصادية في وقت سريع، وأن النظام البنكي الذي لا يديره أشخاص يعطي تحذيراً بضرورة تتبع ومراقبة هذا الحساب المتضخم، مضيفاً أن البنك يخاطب الجهات ذات الصلة لرقابة هذا الحساب حتى يصل الأمر إلى إبلاغ النيابة العامة.

وأشار إلى أن البنك المركزي المصري أصدر تعليمات خلال الأيام الماضية للبنوك المحلية برفض النقد الأجنبي لفتح اعتمادات مستندية للاستيراد من الخارج من الشركات التي جمعتها من مصادر مجهولة أو من شركات الصرافة، لافتاً إلى أنها تعليمات تستهدف مكافحة عمليات غسل الأموال، علاوة على ضبط سعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار الأميركي، في ظل التحديات العالمية.

البورصة

من جهة أخرى، قال الباحث في مجال أسواق المال، وائل النحاس إن "الأموال القذرة لا يمكن غسلها في سوق المال المصرية لأسباب عدة"، موضحاً أن "الشركات المدرَجة في البورصة معروفة ولها أكواد محددة وأسعارها لها تقييم معروف لجميع المتعاملين في السوق"، مشيراً إلى أن "الهيئة العامة للرقابة المالية بصفتها مراقباً للسوق تتدخل عندما تحوم الشبهات حول شراء أسهم بعينها بكثافة في وقت قصير ومن دون وجود معايير واضحة لذلك، كأن تنفذ الشركة مثلاً عمليات تجارية أو استثمارية كبيرة تصعد بالسهم".

وتابع النحاس أن "هناك أسباباً أخرى تصعب من غسل الأموال بالبورصة، منها أن أغلب منظفي الأموال من تجار المخدرات أو تجار الآثار أو غيرها من الأعمال المشبوهة، لا يقتربون عادة من سوق المال".

ووفقاً لتقارير صندوق النقد الدولي قُدرت قيمة الأموال التي تغسل بنحو 1.5 تريليون دولار سنوياً، وتبلغ حجم تجارة المخدرات 688 مليار دولار سنوياً، بينما بلغت عمليات غسل الأموال في منطقة الشرق الأوسط على مدى السنوات الـ 10 الماضية 500 مليار دولار.

دور الرقابة المالية المصرية

وقال نائب رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية إسلام عزام إن "الدولة تواجه عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب بصرامة منذ أكثر من 20 سنة"، لافتاً إلى أن المكافحة بدأت بتنظيم البيئة التشريعية الملائمة، وأصدرت الهيئة القانون رقم (80) لسنة 2002 ثم قانون مكافحة الإرهاب رقم (94) لسنة 2015 وما تبعهما من قوانين أخرى في شأن تنظيم قوائم الكيانات الإرهابية، مشيراً إلى أن دور الهيئة الرقابي هو ضمان تهيئة المناخ بالوسائل الكفيلة بالتحقق من التزام المؤسسات المالية بالأنظمة والقواعد المقررة قانوناً.

ولفت إلى أن الهيئة تفرض الرقابة على الأسواق والأدوات المالية غير المصرفية للتأكد من سلامة الأسواق المالية غير المصرفية واستقرارها، مع ضرورة توفير الوسائل والنظم وإصدار القواعد التي تضمن كفاءة هذه الأسواق وشفافية الأنشطة التي تمارس فيها، وحماية حقوق المتعاملين فيها.