Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ساحة الاعتصام في الخرطوم... الجنة المغدورة!

تجاوزت الثورة الأفق السياسي وأصبحت شفرة أعادت تعريفاً جديداً للسودانيين بأنفسهم

59 يوماً قضاها السودانيون معتصمين أمام مقر القوات المسلحة بالخرطوم قبل أن ينفض الاعتصام في 3 يونيو (رويترز)

لن يشعر بمسرات الأيام الباقية إلا من عرف قبلها سنوات نحس مستمر. وأبداً، لن يودع مثل تلك المسرات من عرف أن هبوبها ذاك منحة إلهية مباركة نزلت على شعب عرف كيف يعيشها كما لو أنها حياة أبدية!

أيام الاعتصام، التي دامت 59 يوماً، وعاش خلالها السودانيون حياةً مفعمة بالأمل والتفاؤل في ساحة الاعتصام أمام مقر القوات المسلحة بالخرطوم، لم تكن مجرد تفصيل في حياة استعاد بها السودانيون هُويتهم الحقيقية بعد أكثر من ثلاثين عاماً في ظل انقلاب الإسلام السياسي، الذي قاده البشير برعاية حسن الترابي في العام 1989.

لقد كانت أيام الاعتصام بمثابة إعادة اكتشاف لأجمل ما يجمع السودانيين، ويكشف عن طبيعتهم الاجتماعية الودودة وأخلاقهم البينية حول قيم التكافل والوفاء والمحبة والتعاون. فالمجتمع السوداني الذي عُرِفَ لسنوات طويلة في القرى والأرياف بأنه مجتمع ليس لبيوته أبواب أصلاً، احتساباً لأي ضيف في أي وقت، والذي عرف بالتسامح وحُسن العشرة مع الغرباء وكرم الضيافة، جسَّد في تلك الأيام المغدورة أسمى حالات المشاركة الوجدانية، بوصفها تعبيراً وطنياً اخترق كل طبقات المجتمع، فكشف بذلك عن معدن أصيل لهُوية السودانيين، التي ظلت باقية رغم ما علاها من كدر استمر ثلاثين عاماً!

كانت ساحة الاعتصام مختبراً للانصهار في ألفة عممت لدى السودانيين روحاً عزيزة وغالية. روح فجَّرت فيهم أقصى طاقة للخير، وأعمق حالة للتضامن، فلم تكف عبقرية الأهالي عن ابتداع طرائق وفنون جعلت من ساحة الاعتصام جنَّة يقصدها المأزوم، وواحة يؤمها كل من ضاقت عليه نفسه. ففي تلك الساحة ينسى المرء ما عانى منه بمجرد دخوله إليها حين يرى قيم الخير والحق والجمال تتجسّد في سلوك الناس، وتوحد مشاعرهم بصدق نادر.

كانت ساحة الاعتصام، فيما كانت، مأوى للأطفال المشردين، الذين اندمجوا مع أجواء تلك الساحة فوجدوا مأوى وطعاماً وتعليماً في فصول متحركة لمحو الأمية، ووجدوا إخوة وأخوات وآباء وأمهات، مما فجّر طاقاتهم، وجعل حياتهم أجمل في تلك الساحة. كانت دموع المعتصمين أعمق تعبيراً وأكثر فرحاً، فيما هم يسردون حالات التضامن مع الأطفال المشردين، وتلك الحياة الجديدة التي منحتهم آمالاً عظيمة في ساحة الاعتصام، حيث كلّ يرى من يتجول فيها بصناديق مملوءة بالنقود مكتوب عليها بعامية سودانية: "عِنْدَكْ خُتْ ما عِنْدَكْ شِيِلْ"، وهي عبارة بليغة تعني: إذا كنت محتاجاً فخذ من هذا الصندوق، وإذا كنت غير محتاج فضع فيه، بحيث يكون الفرد في موقف كهذا أحد شخصين، إما محتاج فيأخذ من الصندوق المفتوح ما يحتاجه، وإما غير محتاج فيضع في الصندوق ما تجود به نفسه.

كان ميدان الاعتصام مختبراً للثورة، وحالة عيانية بامتياز لمعنى الثورة في المجال الاجتماعي والنفسي للسودانيين، وبطبيعة الحال إذا كان ثمة شعور عظيم طاف على الناس في تلك الأيام العظيمة، خلال شهر رمضان المبارك وما قبله، فبكل تأكيد أنه شعور لن ينساه السودانيون أبداً. هذا يعني أن الثورة هنا تجاوزت الأفق السياسي، وأصبحت شفرة أعادت تعريفاً جديداً للسودانيين بأنفسهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لقد كشفت أجواء ساحة الاعتصام للسودانيين تذكيراً موروثاً بقيم وأنماط وعي، وتجارب تنظيم واندماج في الجيل الجديد الذي فجَّر الثورة، وهم الشباب الذين ولدوا في ظل حكم انقلاب البشير، فتعرفوا إلى رؤية ما هو مختلف ومتميز لبنيات مستعادة من تحضّر وتنظيم واندماج في تجارب نقابية وتعليمية وحداثية كانت قد تراكمت في خزين الذاكرة السودانية، وأحدثت فرقاً وتقدماً على كثير من مجتمعات المنطقة العربية.

كما سمحت أجواء الثورة (كما تجلّت في أيام ساحة الاعتصام) لجميع المراقبين العرب والأجانب برؤية اختلاف لا يمكن معرفته إلا بالتحديق فيما وراء تجربة الثورة السودانية، في تاريخ أنجز عبره السودانيون تجارب تحديث واندماج ونظام تعليمي متميز ومنظومات نقابية وحزبية فاعلة، وتجارب ثورية مارسها السودانيون بريادة في هذه المنطقة (دون أن يسمع بها عامة العرب).

والأهم من ذلك، تاريخ قديم مع الحرية، يؤكد لكل من اطلع عليه عبر محطات تاريخية كثيرة حقيقة تاريخية خطيرة ومهمة، وهي أن تلك العلاقة المجيدة للحرية مع تاريخ السودانيين سببها الرئيس وقوع السودان خارج المنظومة المركزية لدولة الاستبداد التاريخية في المشرق العربي، التي بدأت مع الأمُويين، وتفاقمت مع الأتراك قروناً طويلة، ولا يزال أثرها بارزاً للعيان في المنطقة العربية، والسبب هو مقاومة السودانيين لها منذ توقف الفتح العربي على حدود أسوان نتيجة للمعارك العنيفة التي خاضها السودانيون ضد العرب، وانتهت معهم بمعاهدة صلح، دخل بعدها الإسلام حراً إلى حياة السودانيين من خلال الطرق الصوفية السمحة، فدخلوا فيه أفواجاً وأحراراً، ثم بعد ذلك بقرون، قاوم السودانيون الأتراك ببسالة نادرة، حتى أخرجوهم عن بكرة أبيهم من السودان عبر الثورة المهدية نهايات القرن التاسع عشر، بعد 60 سنة فقط من حكم الأتراك، فيما حكم الأتراك المنطقة العربية 400 سنة.

ولعل هذا هو الذي يفسّر لنا اليوم سر تميّز الثورة السودانية في دورتها المعاصرة استلهاماً لجذور تاريخية مبذولة لكل باحث في تاريخ السودانيين عن تلك العلاقة الراسخة بين السودانيين والحرية منذ أقدم العصور.

كل من عاشر السودانيين في السودان أو في السعودية أو الخليج أو أوروبا والولايات المتحدة، لا يخطئ روح التضامن الفطري في علاقاتهم البينية، وتلك السماحة المجتمعية، التي تغري كل غريب بالاندماج في مزاجها الودود. إنها العلاقات التي ظلت باقية على جمالها ورونقها، رغم ثلاثين سنة من التجريب الضار للإسلام السياسي، الذي حاول إعادة صياغة الحياة السودانية وفق أيديولوجيا فقيرة سرعان ما نبذها السودانيون بثورتهم العظيمة هذه.

حياة السودانيين الاجتماعية وما فيها من ودّ ومرح يستفز من عاشرهم للاندماج فيه تشهد على كثير من التجارب، فالجميع في الخرطوم يدرك العلاقات الحميمة التي جمعت بين القائم بالأعمال في السفارة الأميركية ألبرتو فرنانديز والمجتمع المدني السوداني في علاقات وفعاليات ومناسبات اجتماعية تترك طابعها الحميم في كل شخص عاشها.

كما يدرك السودانيون، خلال ثمانينيات القرن الماضي، التجربة المجتمعية والثقافية الآسرة التي خلفها السفير والمسرحي الكويتي الراحل عبد الله السريع، الذي لُقّب بعبد الله جوبا لكثرة محبته مدينة جوبا عاصمة جمهورية جنوب السودان الآن. واندماجه في المجتمع السوداني من خلال تأليف مسرحيات، كان يمثلها السودانيون على مسارح العاصمة والمدن السودانية.

لقد عاش السودانيون أياماً خلاّبة في ساحة الاعتصام، أعادت إليهم ثقة كبيرة بطاقة الخير والجمال في نفوسهم، وأمدتهم بآمال ثورية اغتالتها يد الغدر في يوم 3 يونيو (حزيران) بتلك المذبحة، التي تركت تأثيراً كبيراً وأصداءً عالمية، لا تزال ردود فعلها تتواصل في مختلف منابر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بالشرق والغرب.

المزيد من آراء