Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عن تعاظم النفوذ الروسي في أفريقيا

أسهمت عدة أزمات في تشكيل أرض خصبة لزيادة تأثير موسكو

صور فلاديمير بوتين في مالي وقد كتب عليها: "بوتين هو الطريق إلى المستقبل" (أ ب) 

فيما يصبّ العالم تركيزه على غزو روسيا الوحشي لأوكرانيا، تبدأ جبهة [نزاع] ثانية بالظهور، وهي تهدد مستقبل أمن الطاقة في أوروبا وقد تحدّ من امتداد الغرب في العالم. 

خلال العقد الأخير على الأقل، امتدّ النفوذ الروسي، المباشر وغير المباشر، عبر أفريقيا، إذ إن موسكو قامت بمبادلة الأمن بالموارد، باسطةً عبر ذلك سيطرتها على عواصم القارة كلّها.

وعلى غرار العديد من الدول الأخرى، وقعت أفريقيا ضحية ارتفاع كلفة المعيشة، فيما يقضّ الفقر والتضخم والتوقعات الشعبية مضجع الحكومات التي تظل قدرتها على التعامل مع هذه الملفات متباينة. وفي ظل هذا الوضع الرديء، ما زالت آخر فصول جائحة كورونا تهدد شعوب منهكة أصلاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ساهمت كل هذه العوامل في خلق بيئة خصبة لموسكو وصادراتها من الأسلحة والتدريب العسكري، كما عملت على نشر شركات عسكرية خاصة بها في القارة، تمدّها بأرباح وفيرة.

منذ ضمّ شبه جزيرة القرم عام 2014، نشرت روسيا 19 شركة عسكرية خاصة منها مجموعة "فاغنر"، في الدول الأفريقية، فقدّمت الأمن مقابل القدرة على دخول أحد أسرع الأسواق نمواً في العالم.  

لا شكّ في أنّ روسيا تحرز تقدماً. إذ بينما عارضت العديد من الدول الأفريقية بشدة غزو روسيا لأوكرانيا، امتنعت 17 دولة من بينها عن التصويت خلال الجلسة التي عقدتها الأمم المتحدة في مارس (آذار) لإدانة تحرك موسكو. وقد صوتت واحدة منها فقط، هي إريتريا، ضد إدانة روسيا.

إن أهمية أفريقيا سواء للغرب أو للعالم الأوسع نطاقاً واضحة وضوح الشمس. فهي تقع على مقربة من أوروبا، ولديها القدرة على الاضطلاع بدور كبير على الساحة العالمية، كما تمتلك مخزوناً من المعادن والطاقة يخوّلها الاستمرار بتعزيز هذا الدور.

وفيما تمتّع الغرب لفترة قصيرة في الماضي بهيمنة دبلوماسية داخل القارة بعد الحرب الباردة، لا يمكن الافتراض باستمرارية هذه السيطرة.

اليوم، تستثمر الصين وتركيا وحتى إيران بقوة في مستقبل أفريقيا، وتسعى كل واحدة منها إلى تحقيق ما تقدر عليه من مكاسب في خضمّ هذا التدافع الأخير. ولكن روسيا، مع اعتمادها على الصادرات العسكرية، هي التي تخلق سوقاً من الفوضى الذي لا يمكن إيجاد أي نوع من الحلول له سوى عبر الشركات العسكرية الخاصة وأسلحتها.

والواقع أن هذا الوضع ليس بجديد. ولكن الحرب في أوكرانيا سلّطت الضوء على أهمية أفريقيا. بالنسبة لواضعي السياسات الأوروبيين الساعين إلى الابتعاد عن السوق الروسية من أجل سدّ حاجتهم من موارد الطاقة، يمكن أن تسهم أفريقيا بجزء كبير من حاجات الغرب للطاقة، ولو أنه من غير المرجح أن تستبدل الموارد الروسية كلياً. وفي ما يعني احتياطي الغاز والنفط المؤكد، تمتلك أفريقيا ثروات هائلة.

ولكن في كثير من دول القارة التي تمتلك ثروات من الطاقة، يتنامى النفوذ الروسي، سواء على الصعيد العسكري أم الدبلوماسي. في ليبيا الغنية بالنفط، التي ابتليت بسنوات من الاضطرابات الداخلية، أرست "فاغنر" موقعاً لنفسها باعتبارها قوة حاسمة وسط ميدان معركة متشرذم. وفي نيجيريا، مركز الطاقة الرئيسي، أبرمت روسيا صفقة في أغسطس (آب) من أجل تدريب جيش البلاد وتأمين الإمدادات له، بعد انسحاب الولايات المتحدة من عقد صفقة على خلفية مخاوف تتعلق بحقوق الإنسان.

أما في الموزمبيق الغنية بالغاز، فقد أبرمت الشركة الروسية "روسنفت" اتفاقاً مع الحكومة عام 2018، جاء ليوسّع وجودها في مصر. ومن غير المرجح أن تقف طموحات موسكو عند هذا الحد.

كما أنّ الإنجازات الديمقراطية مهددة بسبب التوسع الروسي.

في أواخر عام 2021، وصلت قوات "فاغنر" إلى مالي، للعمل ظاهرياً مع القوات الفرنسية على دحر التمرد الإسلامي داخل البلاد، الذي انتشر في معظم أرجاء المنطقة. ولكن الآن وقد انسحب الفرنسيون، يبدو أن "فاغنر" تركّز على تعزيز المجلس العسكري الحاكم بقدر التصدي لأي خطر إسلامي.

 

وجاء في تقرير صدر حديثاً بأن قوات "فاغنر" شبه العسكرية رافقت القوات المالية في غارات كثيرة أسفرت عن ارتكاب مجازر بحق مئات المدنيين. كما أن المجازر بحق المدنيين تهدد هي الأخرى، تماماً كالتمرد الذي يُفترض بـ"فاغنر" أن تتصدى له، بإشعال فتيل موجة عنف جديدة داخل حدود مالي وخارجها على حد سواء.

يطرح تقرير وضعه معهد توني بلير للتغيير العالمي صورة قاتمة. فيما يجد الغرب نفسه في أغلب الأحيان مقيداً بسبب مخاوفه المتعلقة بحقوق الإنسان، لا تمثّل هذه المسألة وازعاً بالنسبة لأصحاب شركات التعاقد العسكرية الروسية الخاصة التي لدى العديد منها صلات قوية بالكرملين.

ويقول بولاما بوكارتي، أحد كبار المحللين في المعهد لصحيفة "اندبندنت" "هذا ليس نقاشاً سياسياً بالنسبة لروسيا. فهي تبيع الأمن"، كما أضاف قبل أن يعرض نمطاً مألوفاً بشكل محبط من تضخيم نظريات المؤامرة بشأن التورط الغربي في الفظائع التي ترتكبها "القاعدة" و"داعش" في وسائل الإعلام الروسية.

وقال السيد بوكارتي إنه فيما أدت قضية أوكرانيا إلى إعادة نشر روسيا بعض مواردها على الجبهة الأمامية في أوروبا، يجب ألا تُعتبر هذه الخطوة انتقاصاً لتركيزها. 

"فالعقوبات المفروضة على روسيا جعلت بوتين ينظر إلى أفريقيا باعتبارها جبهة ثانية في حربه".

كما أنه مع هيمنة المجازر في أوكرانيا الآن على القسم الأكبر من ذهن الغرب، سواء من حيث السياسة أو التركيز الإنساني، يتم التغاضي عن أحداث مثل الكارثة الجارية في تيغراي، وكلما استمر ذلك، يُفتح باب أوسع أمام التأثير الروسي. 

وختم السيد بوكارتي بقوله "في أفريقيا، يعتمد الغرب على الاستقرار لإرساء أسس التجارة وغيرها من العلاقات".

"أما روسيا فتزدهر في ظل عدم الاستقرار. تبدو المواجهة حتمية".

© The Independent

المزيد من دوليات