Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا تصعد التنظيمات الإرهابية في أفريقيا على أكتاف النساء؟

يعملن في الرعاية الطبية وينفذن عمليات انتحارية والتأصيل النظري لتجنيدهن يعود لتنظيمات الإخوان والزواج من أبرز الوسائل

موقع هجوم انتحاري في العاصمة التونسية نفذته سيدة فجرت نفسها بالقرب من سيارات للشرطة (أ ف ب)

يشكل وجود النساء في التنظيمات الإرهابية ظاهرة مستجدة ولافتة للانتباه، ذلك أن الجنس الناعم قد تحول إلى آلة للقتل خصوصاً على يد "داعش"، سواء في الشرق الأوسط أو أفريقيا، وإن كان التأصيل النظري لتجنيدهن يعود لتنظيمات الإخوان المسلمين التي لعبت فيها المرأة دوراً فاعلاً، فنجد مثلاً أن حسن الترابي مؤسس الجبهة القومية الإسلامية في السودان، اعتبر أن تجنيد النساء، ولو بالزواج، هو أحد أدوات التنظيم في التوسع والتأثير، خصوصاً في صفوف خصومه من الأحزاب اليسارية، وهي المسألة الحاكمة بين الإسلاميين والشيوعيين في السودان على وجه الخصوص.

وفي هذا السياق، توصلت دراسة للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في بريطانيا إلى أن 17 في المئة من المجندين المتطرفين في أفريقيا هم من النساء، وهو رقم خطير ونسبة كبيرة، وأغلب الظن أنها مرشحة للتصاعد؛ نظراً إلى اعتماد السلفية بأفريقيا على التوسع في تجنيد النساء كمنهج ثابت، وهو الأمر الذي يطرح عدداً من الأسئلة حول أسباب تجنيدهن ووسائل جذبهن، والأدوار المنوطة بهن، وأخيراً: كيف يمكن لتجنيدهن في التنظيمات الإرهابية أن يسهم في توسع الظاهرة بأفريقيا، ومن ثم يشكل تحدياً أمام المنظومة الأمنية في مقاومة الإرهاب، خصوصاً في ضوء البيئة الثقافية والدينية.

ويبدو أن تأثير النساء في المحيط الأسري واسع، ولها أيضاً تأثيرها المباشر في عمليات التنشئة الاجتماعية للأطفال، وكذلك في المحيط الاجتماعي بشكل عام، ما يجعل قدرة المرأة على التجنيد الإضافي لصالح التنظيمات الإرهابية كبيرة، وهو الأمر الذي اعتمد عليه تنظيم "بوكو حرام" في توسيع عضويته في أوائل العقد الأول من القرن العشرين على يد محمد يوسف، الذي اعتبر أن تجنيد النساء يحقق ثلاثة أغراض: جذب الذكور، ومضاعفة العضوية، وتربية النشء من الأطفال على فلسفة التنظيم وعقيدته.

وإلى جانب الأساليب التقليدية في تجنيد النساء، فإن الزواج يعد من أهم وسائل التجنيد، وأيضاً تحييد المجتمعات المحلية، حيث تزوج مختار بالمختار الجزائري أحد أهم قيادات تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" من أربع نساء في عائلات مختلفة من الطوارق وعرب برابيش لتحقيق أغراض متعددة المستويات، بينما كان تنظيم "داعش" الأكثر توسعاً في تجنيد النساء وتكوين كتيبة خاصة بهن، وسعى إلى إعادة تكوينها في أبريل (نيسان) ٢٠٢١.

وهناك وسائل أخرى، مثل الجذب بالأموال أو التوظيف، وذلك طبقاً لبعض الدراسات التي أجريت في كينيا، كما تلعب التنظيمات الإرهابية على وتر العودة إلى أدوار المرأة التقليدية التي فيها صيانة لكينونتها الأنثوية طبقاً لخطابات جماعات الإسلام السياسي، خصوصاً في شمال أفريقيا.

وتنوعت وظائف النساء في التنظيمات الإرهابية بأفريقيا، ففي "داعش"، سمح لهن بالعمل كطبيبات وعاملات رعاية صحية، وفق قيود محددة، وكذلك في شرطة الآداب، أما في تنظيم شباب المجاهدين بالصومال، رصدت نساء في جبهات قتالية أو نفذن عمليات انتحارية، بنسبة وصلت إلى خمسة في المئة في الفترة من ٢٠٠٧ إلى ٢٠١٦، واستخدمت "بوكو حرام" بنيجيريا سيدات في تنفيذ تفجيرات انتحارية.

وتطورت فكرة الاستفادة من الدعم النسوي في التنظيمات الإخوانية، إلى فكرة استغلال النساء بشكل كامل في التنظيمات السلفية، حيث كلفن بعمليات انتحارية، كانت أبرزها بتونس في ٣٠ أكتوبر (تشرين الأول) من عام ٢٠١٨، حينما فجرت فتاة ثلاثينية نفسها بالقرب من حاجز أمني في شارع الحبيب بورقيبة، وأسفرت هذه العملية عن مصرع ثمانية عناصر أمنية تونسية.

وسبق عملية التكليف بمهام انتحارية للنساء مراحل من استعبادهن في المهام المعاونة من نظافة وإعداد للطعام بالمعسكرات.

تداعيات تجنيد النساء

التوسع في تجنيد النساء أسفر عن مزيد من الانتشار للتنظيمات الإرهابية في أفريقيا، وكذلك النجاح في إنجاز المهام المخطط لها في رفع مستوى التهديدات الأمنية، والتأثير المباشر في استقرار الدول، حتى وصل الأمر بدولة مالي إلى التوجه نحو التفاوض مع تنظيم "نصرة المسلمين" التابع لتنظيم "القاعدة" بزعامة زياد إد غالي؛ نظراً إلى فشلها الكامل في مواجهة التنظيمات الإرهابية التي تتنوع في غرب أفريقيا.

كما أن الاتجاهات الجديدة في تجنيد النساء أسفرت عن تكوينهن خلايا تجنيد منفصلة تنشط في الفضاء الإلكتروني، حيث قبض على خلية نسائية في تونس تنشط في مجال استقطاب العنصر النسائي عبر شبكة الإنترنت، ولها علاقة بالعناصر الإرهابية التابعة لما يعرف بـ"أجناد الخلافة" المتحصنة بالجبال التونسية، فضلاً عن تنفيذهن ٤٤ عملية إرهابية في نيجيريا وحدها.

وفي هذا السياق، شهدت أفريقيا خلال أغسطس (آب) ٢٠٢١، على سبيل المثال، ٣٥ عملية إرهابية، توزعت بين شرق أفريقيا وغربها، تبوأ تنظيم "شباب المجاهدين" فيها مركز الصدارة بـ١٥ عملية، بينما كان نصيب بوركينا فاسو عشر عمليات أسفرت عن مقتل ١٤٠ شخصاً، بينما كان نصيب "بوكو حرام" بنيجيريا من هذه العمليات أربعاً، فيما وقعت بالنيجر أربع عمليات، ووقعت بتشاد عمليتان، وفي مالي أربع، وبلغ إجمالي ضحايا العمليات ٣١٠ قتلى.

وإجمالاً، فإنه طبقاً لمؤشر الإرهاب العالمي، فإن سبع دول من إجمالي عشر تنتمي لأفريقيا، وشهدت أكبر زيادة في الإرهاب، وهي بوركينا فاسو، وموزمبيق، وجمهورية الكونغو، ومالي، والنيجر، والكاميرون، وإثيوبيا، تواجه أيضاً تهديدات بيئية مختلفة، فهي من بين البلدان ذات أعلى معدل نمو سكاني، وتعاني من ضعف المرونة الاجتماعية. وحدثت أكبر زيادة في الوفيات الناجمة عن الإرهاب في بوركينا فاسو التي وقع فيها انقلاب عسكري أخيراً نتيجة العجز عن مواجهة تصاعد المهددات الأمنية بشكل عام والزيادة المطردة في أعداد الوفيات والضحايا.

سياسات محاربة الإرهاب

تتصدر المقاربات الأمنية واجهة السياسات المرتبطة بمكافحة الإرهاب في أفريقيا، بينما تغيب إلى حد كبير المقاربات ذات الطابع الجنساني أو المهتمة بالمداخل التنموية والثقافية، وهي المداخل التي تبدو ضرورية في التعامل مع التوسع في التجنيد النسوي بالجماعات الإرهابية، حيث ما زالت معدلات الاهتمام بالتعليم التقليدي ضعيفة في غالبية الدول الأفريقية ونصيبه في الموازنات العامة قد يتراوح بين ثلاثة إلى خمسة في المئة فقط. أما الاهتمام بأنماط التعليم الحديث القائمة على التكنولوجيا، والإنترنت فضلاً عن حساسيات النوع الاجتماعي فهي غالباً غائبة. كما تتجاهل السياسات الثقافية الاهتمام بالنشء في مراحل المراهقة، من حيث التكوين الثقافي والمعرفي الذي يحصن من الانزلاق وراء المقولات الدينية والنظرية للتنظيمات الإرهابية.

في هذا السياق، يمكن رصد مجهودات القوى الصلبة والأجهزة الأمنية الأفريقية، ومنها المجهودات المصرية الشاملة في مكافحة الإرهاب على المستوى الأفريقي، عبر آليات التعاون الإقليمي، وذلك في عمليات دعم القدرات المتبادل والتعاون الاستخباري، تحت مظلة مركز مكافحة الإرهاب بالقاهرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكذلك، لا بد من الإشارة للاستراتيجيات المغربية لمكافحة الإرهاب على الصعيد الداخلي، حيث نجحت نسبياً في إيجاد مقاربات سياسية وأمنية من شأنها الحد من التوسع في عمليات تجنيد النساء والأطفال، على الرغم من تصاعد التهديدات من الجوار المباشر في منطقة الساحل الأفريقي، وهي المجهودات التي يغيب عنها التنسيق المغربي الجزائري في هذه المرحلة الحرجة من انتشار الإرهاب في أفريقيا؛ وذلك بسبب توتر طويل المدي في العلاقات الثنائية بين البلدين.

أما على مستوى الاتحاد الأفريقي، فأبرمت إدارة السلم والأمن، في سبتمبر (أيلول) 2013، اتفاق شراكة مع صندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، لتكثيف التدابير لحماية الأطفال من العنف المسلح، ووافق الاتحاد، بدعم من الأمم المتحدة، على إدراج حماية الأطفال في جميع أنشطته الأمنية التي يضطلع بها في جميع مناطق الصراع بأفريقيا، والالتزام بتطوير برامج تدريب أكثر اتساقاً وفاعلية في مجال حماية الطفل للبلدان المساهمة بقوات في بعثات السلام للاتحاد الأفريقي.

على أية حال، يتطلب الإرهاب النسوي انتباهاً للظاهرة وفاعلية في متابعتها؛ حتى يتسنى تحجيم قدرة التنظيمات الإرهابية في التوسع والانتشار على أكتاف النساء.

المزيد من تحلیل