Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هبوط الأسواق قد يقود الاقتصاد العالمي إلى ركود يصل إلى حد الكساد

عوامل عدة جعلت التصحيح في أسواق الأسهم والسندات يأتي مبكراً وبدرجة أكبر

مؤشرات الأسهم الرئيسة للشركات شهدت منذ مطلع هذا العام هبوطاً غير مسبوق منذ أعوام (أ ف ب)

تواصل مؤشرات الأسهم في الأسواق الرئيسة الهبوط باضطراد، ليصل معدل انخفاضها بنهاية هذا الأسبوع نسبة 20 في المئة في المتوسط للأسواق العالمية إجمالاً، لتصبح عند أدنى مستوى لها في 18 شهراً. ومنذ مطلع هذا العام، كانت أسهم شركات التكنولوجيا الأكثر تصحيحاً، حيث فقد مؤشر "ناسداك" في "وول ستريت" نسبة 25 في المئة من قيمته منذ بداية العام حتى الآن، منها نسبة أكثر من 8 في المئة في هذا الشهر الذي لم ينقض نصفه بعد. وخسرت أسهم شركات التكنولوجيا المجمعة في السوق الأميركية نحو تريليون دولار من قيمتها في غضون ثلاثة أيام هذا الأسبوع.

وزادت وتيرة الهبوط. فإلى جانب أسهم التكنولوجيا، هوت قيمة العملات المشفرة التي تعد أيضاً من الأصول عالية المخاطر لتفقد في الأسبوع المنصرم وحده نحو تريليون دولار من قيمتها. إذ تراجع سعر عملة "بيتكوين" بنسبة 40 في المئة، ليصل إلى ما دون 27 ألف دولار، بينما كان سعرها قبل أسبوع 40 ألف دولار وقارب في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي حاجز 70 ألف دولار.

لا يقتصر الهبوط الشديد، وعمليات البيع المكثفة، على أسهم شركات التكنولوجيا والأصول عالية المخاطر. بل إن مؤشرات الأسهم الرئيسة للشركات أيضاً شهدت منذ مطلع هذا العام هبوطاً غير مسبوق منذ أعوام. على سبيل المثال، فقد مؤشر "أم أس سي آي" المجمع للأسهم العالمية ما يصل إلى نسبة 20 في المئة من قيمته هذا العام حتى الآن.

في السوق الأميركية، وإضافة إلى فقدان مؤشر "ناسداك" نحو ربع قيمته، هبط مؤشر "داو جونز" للشركات الصناعية بأكثر من 11 في المئة ومؤشر "أس أند بي" للشركات الكبرى بأكثر من 16 في المئة. 

موجة عالمية

تبدو الأسواق الأميركية في مقدمة موجة الهبوط في مؤشرات الأسهم، لكن الموجة واسعة لتشمل العالم كله تقريباً. وتلي الولايات المتحدة في هذا المنحى بريطانيا. لكن الأسواق الأوروبية على خطى الهبوط أيضاً منذ بداية العام. وزادت الوتيرة في الآونة الأخيرة مع تبعات الحرب في أوكرانيا. فمنذ بداية العام حتى الآن، فقد مؤشر "داكس" الألماني ما يقارب 15 في المئة من قيمته، وكذلك هبط مؤشر "كاك" الفرنسي بالنسبة نفسها تقريباً. أما مؤشر "أم آي بي" في البورصة الإيطالية فهبط بنسبة تزيد على 15 في المئة منذ بداية العام حتى الآن. وفي هولندا فقد مؤشر "أيه أي إكس" نسبة 16 في المئة من قيمته تقريباً.

وفي آسيا، هبط مؤشر "هانغ سنغ" في بورصة هونغ كونغ بأكثر من 16 في المئة منذ بداية العام حتى الآن، أما مؤشر شنغهاي المجمع في البورصة الصينية فقد أكثر من 16.5 في المئة من قيمته. كما بلغت نسبة الهبوط في مؤشر "نيكي" في بورصة طوكيو باليابان نحو 10.5 في المئة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وشهدت مؤشرات الأسهم في أغلب الأسواق حول العالم تراجعاً بنسب مختلفة، مع زيادة في موجة الهبوط في الأيام الأخيرة. في المقابل واصل مؤشر سعر صرف الدولار الأميركي مقابل العملات الرئيسة الارتفاع إلى أعلى معدلاته في 20 عاماً، حيث يزيد حالياً على 104 نقاط. ويعد ذلك مؤشراً على لجوء المستثمرين للدولار والذهب كملاذ آمن للقمية في ظل هبوط أسواق الأسهم.

مقابل الهبوط الشديد في أسواق الأسهم، تشهد أسواق السندات حول العالم هبوطاً أيضاً في أسعار السندات وارتفاعاً في نسبة العائد عليها. فمنذ بداية العام حتى الآن، تضاعفت نسبة العائد على سندات الخزينة الأميركية متوسطة الأجل لمدة 10 سنوات - التي تعد مؤشراً قياسياً لأسواق السندات. ففي بداية العام كانت النسبة العائدة على تلك السندات في حدود 1.5 في المئة، لتصل هذا الأسبوع إلى أكثر من 3 في المئة.

كذلك الحال في سوق سندات الخزانة البريطانية لمدة 10 سنوات، التي تضاعف العائد عليها من أقل من نسبة 1 في المئة مطلع العام إلى أكثر من 2 في المئة هذا الأسبوع. حتى في منطقة اليورو، التي غالباً ما يكون سوق السندات فيها أقل تحركاً مما هو في الولايات المتحدة وبريطانيا، تشهد ارتفاعاً في نسبة العائد على سندات الخزانة يذكر بأزمة الديون السيادية في دول الاتحاد الأوروبي قبل سنوات.

أسباب التأثر والتأثير

مطلع العام، وقبل الحرب في أوكرانيا والعقوبات على روسيا، كان الهبوط في الأسواق يفسر على أنه مرحلة تصحيح بعد المغالاة الشديدة في أسعار الأصول على مدى نحو عامين أو أكثر. وبدا أن الأسواق تستجيب لتغير توجه البنوك المركزية نحو تشديد السياسة النقدية برفع أسعار الفائدة لكبح جماح التضخم الذي ارتفعت معدلاته إلى أعلى مستوياتها في نحو أربعة عقود.

ثم جاءت الحرب في أوكرانيا، والعقوبات على روسيا وما أدت إليه من تبعات سلبية شديدة على الاقتصاد العالمي ككل، متزامنة مع عودة الإغلاق في الصين نتيجة انتشار جديد لفيروس كورونا لتعمق منحى الهبوط في الأسواق. وتكاد تكون موجة التصحيح هذه مستمرة لفترة، ومختلفة أيضاً عن موجات التصحيح التقليدية.

فتقليدياً، تشهد مؤشرات "وول ستريت" عملية التصحيح في الشهرين قبل وبعد سبتمبر (أيلول). لكن هذه الموجة التي بدأت مطلع العام لم تتوقف حتى الآن. وتقليدياً أيضاً، ترتبط موجة التصحيح المعتادة بأرباح الشركات لكن موجة الهبوط الشديد الحالية لا تعكس ذلك. فمعدلات أرباح الشركات في المتوسط في أفضل حالاتها منذ 70 عاماً تقريباً.

وتقليدياً أيضاً يكون أداء الأسواق انعكاساً للوضع الاقتصادي العام، سواء من ناحية السياسة النقدية أو النمو الاقتصادي. ورغم التغير الذي تقوده البنوك المركزية برفع أسعار الفائدة وسحب السيولة من السوق- الذي يستهدف إبطاء النشاط الاقتصادي لوقف ارتفاع معدلات التضخم- فإن الاقتصادات الرئيسة متباطئة النمو بالفعل بل ربما تنكمش في نمو سلبي يهدد بركود وشيك.

وهذا ما جعل عدداً من الاقتصاديين، كما نشرت مجلة الـ"إيكونوميست" في عددها الأخير، يفترضون أن دور الأسواق في النظام المالي العالمي أصبح من الكبر بحيث إنها لا تتأثر فقط بالوضع الاقتصادي، وإنما تؤثر فيه أيضاً. ومما يعطي تلك الحجة بعض الوجاهة أن الشركات أصبحت تعتمد أكثر على التمويل والاقتراض من السوق، بطرح السهم أو سندات الدين، أكثر من اعتمادها على البنوك كما كان الحال من قبل. وبالتالي، إذا صح هذا الافتراض فإن الهبوط الحالي في أسواق الأسهم والسندات يمكن أن يزيد من التردي الاقتصادي ويقود الاقتصادات الرئيسة والاقتصاد العالمي كله إلى ركود أعمق قد يصل حد الكساد.