Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما التنازلات التي تؤدي لإنهاء أزمة السودان؟

المدنيون والعسكريون يخشون رهان قواعدهم في التسوية السياسية

يرى كثيرون من المراقبين المحليين والدوليين أن إنهاء الأزمة السياسية في السودان، يتطلب إبداء تنازلات كبيرة من طرفي الصراع، المدنيين، والعسكريين (أ ف ب)

يرى كثيرون من المراقبين المحليين والدوليين أن إنهاء الأزمة السياسية في السودان التي تفجرت بعد إعلان قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر (تشرين الأول) حال الطوارئ في البلاد وإلغاء الشراكة مع المدنيين، يتطلب إبداء تنازلات كبيرة من طرفي الصراع (المدنيين، والعسكريين)، تؤدي إلى توافق واتفاق وفق أسس جديدة يعيد الوضع إلى مساره الطبيعي، وإكمال الفترة الانتقالية وصولاً إلى الانتخابات العامة، لكن، ما شكل وحجم هذه التنازلات في جانب المدنيين أو العسكريين، وما الآليات والمعايير التي تتبع لتحقيق ذلك، وأثرها على الاستقرار السياسي في البلاد؟

خلافات وتباينات

وقال الكاتب السوداني الجميل الفاضل، "معلوم أن الجبهة المدنية في السودان ليست جبهة واحدة، فهي طيف واسع من القوى السياسية، وتتباين المواقف بينها بشكل كبير ومتباعد، فعلى سبيل المثال، نجد الحزب الشيوعي وتجمع المهنيين يتمترسان حول شعار اللاءات الثلاث (لا تفاوض، لا شراكة، لا شرعية مع العسكر)، أما أحزاب قوى الحرية والتغيير، المجلس المركزي، فهي ليست على قلب رجل واحد، فهناك مجهود يقوده حزب الأمة القومي لفتح نوافذ للحوار، بينما تقف أحزاب التجمع الاتحادي، والمؤتمر السوداني، والبعث السوداني مواقف مختلفة وأكثر تشدداً، وهناك أيضاً قوى الحرية والتغيير، الميثاق الوطني، وهي متحالفة مع المكون العسكري وتؤيد قرارات 25 أكتوبر، بالتالي ليس مطلوب منها تقديم تنازل باعتبارها متصالحة مع العسكريين، وكذلك الحال بالنسبة لأحزاب أخرى ظلت تشارك النظام السابق في الحكم حتى سقوطه في أبريل (نيسان) 2019".

وتابع الفاضل، "في تقديري أن من الصعب توحد المكون المدني على رؤية واحدة أو جمعه في جبهة واحدة، بالنظر للتباينات الكبيرة بينه، وهو ما ستواجهه مبادرة الآلية الثلاثية المشتركة ممثلة في بعثة الأمم المتحدة في الخرطوم والاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيقاد التي ستطلق في العاشر من مايو (أيار) عملية الحوار بين أطراف الأزمة السودانية، وستبدأ هذه المهمة في ظرف أصعب مما كان عليه الوضع في السابق، فالمشهد غير واضح، وما مدى قدرة الآلية المشتركة على إلزام الأطراف السودانية (الفرقاء) على مخرجات الحوار، في المقابل، نجد أن المكون العسكري بدأت تظهر داخله بوادر خلافات وتباينات ورسائل متبادلة من خلال خطابات قادته في موائد إفطار رمضان وعيد الفطر".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أضاف الكاتب السوداني، "بالنسبة للتنازلات المطلوبة من المكونين، نجد أن بعض الأحزاب التي تمثل قوى الحرية والتغيير، المجلس المركزي، تخشى رد فعل الشارع إذا قبلت الجلوس مع العسكر إلى طاولة الحوار لإعادة الشراكة من جديد، بخاصة أن بعض شبابها ممثل في لجان المقاومة ويشارك في التظاهرات والحراك الثوري، ما يصعّب عليها خسارة رهان الشارع، فضلاً عن خلق أزمة داخلية لها، فهي تريد أن تحافظ بقدر الإمكان على شعرة معاوية بينها وبين القوة الثورية الموجودة على الأرض. أما في جانب العسكريين، فإنه في حال قبولهم إلغاء الطوارئ، فهذا يعني انهيار كل بناء 25 أكتوبر، بالتالي، تكون قد سقطت المشروعية التي يستندون إليها، ما يعني عودة الجيش إلى ثكناته، ما قد يجعله في وضع لا يحسد عليه".

العدالة والاستقرار

في السياق، أشار مساعد رئيس حزب الأمة القومي السوداني، عبد الحليم تيمان، إلى أنه "بالفعل هناك استحقاقات، وهناك تنازلات يجب أن تتم من قبل المكونين المدني والعسكري حتى يتحقق الاستقرار المنشود في البلاد، ومعلوم أن ثورة ديسمبر (كانون الأول) لها شعارات معروفة "حرية، سلام، وعدالة"، وأن الشعب الذي يمثل الشباب 70 في المئة منه، حينما خرج في هذه الثورة ضد نظام الرئيس المعزول عمر البشير كان مدفوعاً بأهداف محددة هي رفض الظلم والاستبداد وتحقيق العدالة والرفاهية، لأنه كان يرى العالم من حوله يتطور من خلال الاستخدام الأمثل للتكنولوجيا، وهو ما زال يكابد معاناة المعيشة وعدم توافر الخدمات المثالية من تعليم وصحة وطرق. فالأهداف كبيرة، وبحسب التجارب السابقة، فإن المؤسسة العسكرية انحازت للشعب خلال فترات التغيير في ثورتي 1964 التي أطاحت بالفريق إبراهيم عبود (1958 - 1964)، وثورة 1985 التي أسقطت حكم الرئيس الأسبق جعفر النميري (1969 - 1985)، لكن في هذه المرة، فإن الوضع كان مختلفاً، ففي السابق كان هناك جيش واحد، والآن توجد جيوش عدة، بالتالي تعقد المشهد وأدى إلى ما نحن فيه الآن من توتر وتأزم".

أضاف تيمان، "في ظل هذا الوضع، يصبح التنازل والتوافق مطلوبين من كلا الطرفين (المدني، والعسكري)، وهنا لا بدّ من التعرف إلى أسباب الخلافات وما الذي فرّق بين شركاء الحكم، فالملاحظ أن الفترة الانتقالية السابقة كانت تحكمها أجندة علنية وأخرى غير معلنة، ففي جانب العسكريين، أدى تلويح المتظاهرين بشعار (المشنقة بس) إلى تخوفهم من المصير الذي سيقودهم إلى المحاكمة بسبب القتل الذي راح ضحيته قرابة 200 شخص في التظاهرات التي اندلعت بعد انقلاب 25 أكتوبر، فالعدالة أمر مسلّم به، لكن لا بدّ من التوازن بين العدالة والاستقرار، وهذا يتطلب الاستفادة من تجارب بعض الدول التي شهدت مثل هذه القضايا وكيف استطاعت معالجتها وفق إجراءات وترتيبات تراعي العدالة بعيداً من مبدأ الانتقام".

جيش قومي

ومضى مساعد رئيس حزب الأمة قائلاً، "كذلك ليس من المصلحة إلغاء دور المؤسسة العسكرية على الرغم مما حدث لها من تشويه خلال العقود الثلاثة الماضية، فمن الصعب إحداث إصلاح وتغيير بين يوم وليلة، لكن لا بدّ أن يكون الجيش ضامناً للوحدة وسلامة الوطن وأن يكون جيشاً قومياً واحداً وفق المعايير والأسس التي وضعتها اتفاقية السلام في جوبا، من خلال العمل على تسريح الجيوش العديدة التي تكونت فترة حرب دارفور 2003، وهو من أهم أولويات الفترة الانتقالية، من أجل الحفاظ على الخريطة الإنتاجية، كما يجب على المؤسسة العسكرية الابتعاد عن أي عمل ذي طابع تجاري واستثماري وتنفيذي، وترك الأمر للقطاع الخاص، وأن تحصر نشاطها الصناعي في الصناعات العسكرية فقط".

وتابع تيمان، "أما على صعيد المكون المدني، فلا بدّ من توسيع قاعدة المشاركة، وهو الاتجاه الذي تبناه حزب الأمة القومي عندما طرح مشروع العقد الاجتماعي، إذ دعا إلى إعادة بناء الحاضنة السياسية وتوسيع مظلتها بأن تضم القوى السياسية التي ناهضت الحكم السابق لكنها لم توقع على إعلان قوى الحرية والتغيير، فضلاً عن القوى الحديثة التي تشكلت بعد الثورة، وأن يتم ذلك وفق معايير وأسس جديدة، كذلك من الضروري التنازل عن شعار اللاءات الثلاث (لا شراكة، لا تفاوض، لا شرعية مع العسكر)، فضلاً عن الابتعاد عن الصراعات السياسية، وفي تقديري، إذا لم يخاطب الناس القضايا والتحديات الأساسية والحساسة التي تواجه الدولة السودانية بجرأة تامة ومسؤولية، فسوف يدور الجميع في حلقة مفرغة".

المزيد من تقارير