Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل عجزت حكومة البرهان عن وقف نزيف دارفور؟

الهجوم المستمر أسفر عن سقوط قتلى وجرحى ونزوح نحو 20 ألفاً

أحد معسكرات النازحين في منطقة غرب دارفور (رويترز)

أعادت الأحداث الأخيرة التي شهدتها منطقة كرينك، بولاية غرب دارفور، الأضواء إلى أزمة دارفور التي لم تكن قد توقفت يوماً، ولكن بإسقاط النظام السابق بعد ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، وقيام حكومة انتقالية، تعهّدت حل الأزمة وإحلال السلام، ليس في دارفور وحدها، وإنما في منطقتي ولاية النيل الأزرق وجبال النوبة بولاية جنوب كردفان، وشرق السودان، وكان هناك أمل بالوصول إلى سلام دائم تتبعه تنمية. وكان لتعيين مني أركو مناوي حاكماً عاماً لإقليم دارفور أثره المُهدّئ، ولكنه مؤقت، لأنه من أبناء دارفور وقائد حركة مسلحة حاربت النظام السابق قبل المصالحة معه، ثم الخروج عليه مرة أخرى، فأزالت صورة الوُلاة الذين كان يعينهم الرئيس السابق عمر البشير إما من الشمال ما كان يثير حساسية واسعة، أو من أبناء الإقليم، ولكن من المنتمين لحزب المؤتمر الوطني الحاكم.

هذا الهجوم المستمر منذ يوم الجمعة الماضي 22 أبريل (نيسان)، وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى، ونزوح نحو 20 ألفاً، بدأت شرارته بقتل اثنين من الرعاة من قبيلة عربية على يد أفراد من قبيلة المساليت الأفريقية تابعة لـ"حركة تحالف السودان"، وفي الإطار هناك صراع بين قبيلة الزغاوة التي ينتمي إليها مني أركو مناوي، وبين المساليت الذين يرون أن الزغاوة متحالفين مع قبيلة الرزيقات ضدهم. واستجمع ذوو القتيلين ميليشيات من القبائل العربية في المنطقة للانتقام. هذه الحشود أجبرت القوات الحكومية على الانسحاب، وتُرك طرفا النزاع في مواجهة بعضهما. وعلى مدار سنوات الحرب في دارفور كان الخلاف بين القبائل العربية والمساليت مؤسساً على مواجهة المنتمين لهذه القبائل للحركات المسلحة المتمردة في الجانب الآخر. 

ووصف الناطق الرسمي باسم المنسقية العامة لمعسكرات النازحين واللاجئين المكلف آدم رجال، الهجوم، بأنه نفذته قوة من الميليشيات تمتطي عربات دفع رباعي ودراجات نارية وخيولاً وجمالاً، ما يعيد إلى الأذهان صورة النزاعات إلى المربع الأول في عهد النظام السابق، وهي صورة المحاربين من القبائل العربية التي تريد انتزاع أراضي بعض القبائل الأفريقية التي نزحت من مناطقها بسبب الحرب. 

تحول الصراع

بدأت حقبة الصراع الأخيرة من حرب دارفور كنزاع بين المزارعين ورُعاة الماشية على الموارد الشحيحة، في بداية ثمانينيات القرن الماضي، حيث عمّ الجفاف والتصحّر منطقة القرن الأفريقي وشرق أفريقيا، بما في ذلك السودان في عام 1981، ثم حدثت مجاعة 1984 التي أثرت مباشرة على دارفور غرب السودان. وقبلها، كان النزاع في الإقليم منحصراً في نوعه التقليدي حول الموارد خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ثم تحول بعد ذلك في الثمانينيات والتسعينيات إلى عنف احتجاجي على قصور السياسات الحكومية في بسط التنمية في الإقليم.

وبناءً على هذا التحول في نوع الصراع، تطورت عوامله من الموارد لتشمل العنصر الإثني الذي ظهر بصورة كاشفة مع قدوم نظام عمر البشير الذي حاول استقطاب القبائل العربية لمواجهة القبائل الأفريقية التي تنتمي إليها وتؤوي الحركات المسلحة، وعرف الصراع فيما بعد بأنه بين (العرب والزُرقة). 

تكاتفت التقاطعات السياسية والاقتصادية والإثنية لتنميط العنف في دارفور، إذ لم تخرج النزاعات التي تحدث في الإقليم كله شماله وجنوبه، شرقه وغربه، وما شهدته كل ولايات دارفور من أحداث عنف مماثلة آخرها في جنوب دارفور بين قبيلتي الرزيقات والفلاتة، عن ما تفرزه هذه التقاطعات، غير أن المشترك الآخر هو عدم رضوخ الأطراف المتحاربة لسلطة الدولة، وهو ما يشير إليه انسحاب الجيش من المسرح في الأحداث الأخيرة. ويشير من جهة أخرى إلى تجدد الاشتباكات المستمر وبهذا العنف قد ينبئ بحرب جديدة ربما يطول أمدها في ظل الأزمة السياسية والسيولة الأمنية الشاملة التي شجعت على نشاط انتشار السلاح وفشل جمعه وعدم ضبط حيازته في دارفور، من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام في 3 أكتوبر (تشرين الأول) 2020.

قنبلة النازحين

وُقِّعت اتفاقيتا سلام دارفور، الأولى في أبوجا عام 2006، والثانية في الدوحة عام 2011، بين حكومة السودان والحركات المسلحة، وكان يُفترض سعي الطرفين إلى تحقيق أهداف إنهاء الصراع في دارفور، إضافةً إلى سبعة بنود أساسية هي حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وتقاسم السلطة والوضع الإداري لدارفور، وتقاسم الثروة والموارد القومية، والتعويضات، وعودة النازحين واللاجئين، والعدالة والمصالحة، ووقف إطلاق النار الدائم والترتيبات الأمنية النهائية، والحوار والتشاور الداخلي وطرق التنفيذ. وعلى الرغم من سعي الوسطاء الإقليميين والدوليين لتنفيذ هذه البنود، فإن أياً منها لم يتم الإيفاء به، ومن ضمنها ظلت قضية عودة النازحين واللاجئين قنبلة موقوتة يتجدد انفجارها عند كل نزاع جديد.

فضّل النظام السابق عدم مواجهة مشكلة عودة النازحين إلى قراهم بعد انتهاء الحرب، والإبقاء عليهم في معسكرات النزوح، وذلك لتفادي مسؤوليات إدارية في إعادة إعمار مناطقهم، ومسؤولية توفير الأمن والخدمات في المناطق التي نزحوا منها، إضافة إلى الإيفاء إليهم ببند التعويضات البالغة 300 مليون دولار، كان من المفترض أن تتعهد حكومة السودان دفع مبلغ 200 مليون دولار لإنشاء بنك تنمية دارفور، على أن يدفع المانحون 100 مليون دولار، ولكنها توقفت على وفاء الحكومة بالتزامها المالي في إنشاء البنك. كما أن خشية الحكومة وتفادي الاشتباكات بين السكان الأصليين المُهجرين بسبب الحرب والسكان الجدد الذين نزحوا إلى هذه المناطق مستغلين غياب أهلها، كان سبباً آخر في تأجيل عودة عشرات الآلاف من النازحين الذين تقول وكالات المعونة الإنسانية إنها تكافح من أجل الوصول إليهم للمساعدة بسبب الاشتباكات.

عوامل الفشل 

لم تفلح الزيارات المتكررة التي قام بها رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، ونائبه محمد حمدان دقلو حميدتي، ومن قبلهما رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، في تهدئة الأوضاع في الإقليم الملتهب. فقد شارك البرهان وحميدتي في اجتماع المجلس الأعلى للترتيبات الأمنية في مدينة الفاشر، شمال دارفور، الشهر الماضي تنفيذاً لما  نصّت عليه اتفاقية جوبا للسلام، بترتيب الأوضاع الأمنية ودمج قوات الحركات المسلحة في قوات الأمن السودانية، وتشكيل القوات المشتركة المعنية بتحقيق الأمن والاستقرار في دارفور، إضافة إلى بنود تتضمن بحث قضية ملكية الأرض وتقاسم الثروة والسلطة وعودة النازحين، واعتماد نظام حكم فيدرالي يقسم السودان لثمانية أقاليم.

لم تحقق اتفاقية سلام جوبا الاستقرار في الإقليم، وظلت العمليات القتالية متواصلة من دون توقف، ولم ينفذ من الاتفاق سوى إشراك قادة الحركات المسلحة الموقعين على الاتفاقية في السلطة، في ظل رفض حركة تحرير السودان، جناح عبد الواحد محمد نور.

وبدلاً من أن يسهم تعيين مني أركو مناوي حاكماً عاماً للإقليم في حل قضية دارفور، أصبح يجأر بالشكوى من أن القوات الأمنية لا تتدخل لحسم النزاعات، بسبب نقص الوقود واللوجيستيات، كما انتقد عدم توفر الصلاحيات للولاة للتدخل المباشر.

تضافرت عوامل عدة لفشل الحكومة الانتقالية في وقف نزيف دارفور، وهي أولاً، عدم مقدرة الحكومة على السيطرة على الميليشيات المسلحة. ثانياً، الأزمة الاقتصادية الخانقة وقصور الظل الإداري وعدم دعم حكومة وشرطة الإقليم للقيام بمهامها في حفظ الأمن. ثالثاً، فشل الحوار بين أبناء دارفور وعدم توقيع كل الحركات المسلحة على اتفاق سلام جوبا، واتهامها للحركات الموقعة بالخيانة، وعدم وحدة خطابها، إذ يتعدد بتعدد أجنداتها. رابعاً، عدم صلاحية الجهاز العدلي في دارفور وعدم إجازة قانون الحكم المحلي الذي جعل المجتمع المحلي يأخذ حقه بيده ولا يعتمد على القانون، وإهمال تطوير آليات العرف المحلي، وتشتيت دور الإدارات الأهلية التي حادت عن أهدافها في حل الاشتباكات، وإعادة بناء النسيج الاجتماعي والتعايش السلمي بين القبائل.

الخيار الأوحد

يقف مشهد دارفور الحالي شاهداً على فشل الحكومة الانتقالية في إدارة أزمة الإقليم المتفاقمة، إذ لم تفلح الحلول المهدئة في كشف عجزها وعدم قدرتها على حلها، ما أفرز الواقع الماثل أمامنا بأن الحالة الأمنية لم تنتقل إلى خانة الاستقرار، حتى بعد سقوط النظام السابق.

العجز عن التزام الحكومة بتعهداتها تجاه أزمة دارفور من المرجح أن يقود إلى الحرب مرة أخرى، خصوصاً أن بنود اتفاق سلام جوبا بدأت تنهار واحدة تلو الأخرى. وهذا النهج في التعامل مع الأزمات السياسية، وخصوصاً أزمة دارفور هو نهج وصفته "كتلة ثوار دارفور" بأنه موروث من النظام السابق. وبدأ الترويج من قِبل الكتلة و"المنسقية العامة لمعسكرات النازحين واللاجئين" المقربة من حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور بأنَّ هذا الهجوم وما يجري في دارفور يأتي "ضمن سياسات الأرض المحروقة وتهجير السكان الأصليين كامتداد طبيعي لنهج النظام السابق في تغيير الهوية الأفريقية والإبادة الجماعية والتطهير العرقي ونهب موارد وثروات الإقليم". 

أما المجتمع الدولي الذي بدأ اهتمامه بأزمة دارفور منذ عام 2003 بعد الهجوم الذي شنّه النظام السابق على الحركات المسلحة، وهو نفسه الذي كان يهدد حكومة البشير والحركات المسلحة بتوقف مساعدات المنظمات الإقليمية والدولية، إذا أعاقت تنفيذ اتفاقيات السلام، فإنه يبدو زاهداً الآن في التدخل المباشر. 
واكتفت الأمم المتحدة بتذكير السلطات والمجموعات المسلحة بالتزاماتها القانونية الدولية المتعلقة بحماية جميع المدنيين ومنشآت البنية التحتية المدنية، بما في ذلك المرافق الصحية والمدارس وأنظمة المياه. جاء ذلك في إدانة المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في السودان، فولكر بيرتس، لقتل المدنيين في كرينك. كما لم يتخذ مجلس السلم والأمن الأفريقي موقفاً مثلما هدّد بإنزال عقوبات مناسبة ضد الأفراد والجماعات التي تقوم بأعمال أو أنشطة تهدد عمليات السلام السابقة.

وإزاء هذا الوضع، فإن الخيار الأوحد الذي يرجح العودة إلى حمل السلاح ربطته بعض أطراف النزاع بمناهضتها للحكومة ورفضها لوجود الفريق البرهان وحميدتي على رأس الحكومة الانتقالية، ووفقاً للمعطيات فيرجح استمرارها في القتال ورفضها التوقيع على اتفاق السلام أو الحوار.

المزيد من تحلیل