Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لاجئون مقابل الملايين... الأسئلة الشائكة لاتفاق "رواندا- بريطانيا"

ما مدى أخلاقيته حين يقضي بتهجير الذكور فقط وكيف يتسق مع الاتفاقات الدولية؟

صعدت رواندا إلى قمة الجدل الدولي والأفريقي أخيراً، على خلفية اتفاق مع بريطانيا بشأن استقبال الأولى لاجئين أفارقة من الذكور مقابل 160 مليون دولار.

الاتفاق يثير أسئلة في اتجاهات عدة: الأول ما يتعلق بالسياسات البريطانية إزاء مسألة الهجرة غير الشرعية، خصوصاً أن هذه المسألة كانت ضمن البرنامج السياسي الذي طرحه بوريس جونسون، رئيس الوزراء البريطاني، أمام ناخبيه للفوز بثقتهم عبر حل هذه المشكلة، أما الاتجاه الثاني، فيتعلق بمدى أخلاقية هذا الاتفاق، لا سيما أنه يتجه إلى تهجير الذكور فقط دون الإناث، بما يعني تشتيت شمل الأسر الأفريقية.

الاتجاه الثالث يتمحور حول مدى توافق هذا الاتفاق مع التفاهمات الدولية المنظمة لاستقبال الدول للاجئين على مستوى العالم، في حين أن الاتجاه الأخير هو الموقف الأخلاقي لرواندا نفسها بشأن الاتفاقية، وكذلك انعكاساتها الاقتصادية على المستوى المحلي.

نحو الآمال المجهضة

يبدو أن الهدف البريطاني من وراء الاتفاق تحجيم آمال المهاجرين الذين يصلون إلى المملكة المتحدة عبر القنال الإنجليزي (بحر المانش) في ضمان إقامة فيها والحصول على حق اللجوء، ما يعني ربما أن تنخفض معدلات الهجرة غير الشرعية إلى بريطانيا، إذ إن خطاب لندن المعلن بهذا الشأن يركز على عدد من النقاط، أولها أن نظام اللجوء الحالي يكلف دافعي الضرائب البريطانيين ما يوازي ملياراً ونصف المليار جنيه استرليني (1.96 مليار دولار) سنوياً، وهي موازنة تتضمن أيضاً برامج إعادة التوطين التي تستجلب مهاجرين من دول كمصر والمغرب وغيرها عبر مفوضية الأمم المتحدة للاجئين "UNHCR"، كما أن هذا المبلغ هو الأعلى خلال العقدين الأخيرين، مع تضخم عدد اللاجئين الذي أصبح عبئاً حتى على الجهاز الإداري البريطاني الذي يدير هذه العملية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المأزق الأخلاقي

في هذا السياق، تبدو السياسات البريطانية الجديدة التي طرحتها وزيرة الداخلية بريتي باتل، صلبة والتراجع عنها غير مطروح، على الرغم من الجدل الذي أحاط بالقرار البريطاني على المستويين المحلي والدولي. فعلى المستوى الأول، جرى جدل بشأن مدى تحقيق القرار لأهدافه في محاربة الهجرة غير الشرعية إلى المملكة المتحدة، في إطار وزارة الداخلية ذاتها بين الوزيرة والسكرتير العام للوزارة، الأمر الذي اضطرت باتل معه إلى إصدار "توجيه وزاري" نادر لتمرير خطتها، ما يعني أنها تتحمل المسؤولية عن هذه السياسة، مع الأخذ في الاعتبار أن هذه هي المرة الثانية التي تستخدم فيها وزارة الداخلية البريطانية هذه الصلاحية خلال الأعوام الثلاثين الماضية.

أما على مستوى مدى أخلاقية هذا الاتفاق بين بريطانيا ورواندا لتوطين اللاجئين، فتصدى له كبير أساقفة كانتربري، الذي قال إنها تثير أسئلة أخلاقية خطيرة، واتهم جونسون بالتنازل عن مسؤوليات الدولة البريطانية الحامية للقيم المسيحية، كما واجه المخطط الرسمي البريطاني معارضة واسعة النطاق، مع انتقادات من أحزاب المعارضة الإنجليزية وبعض من أعضاء حزب المحافظين. وقادت أكثر من 160 جمعية خيرية حملة موجهة ضد قرار إعادة توطين اللاجئين في رواندا، وكتبت رسالة مفتوحة تحث رئيس الوزراء ووزيرة داخليته على إلغاء السياسة الجديدة إزاء المهاجريين غير الشرعيين، التي تم وصفها بـ"القاسية المخزية".

أستراليا نموذجاً

على المستوى الدولي، تبدو الأمم المتحدة معارضة للقرار البريطاني في ضوء الخبرات الدولية السابقة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حول العالم، إذ قالت غيليان تريغز، مساعدة للأمين العام في المفوضية، إن "هذه السياسات تم استخدامها في أستراليا سابقاً، وقد تكون ناجعة مؤقتاً كرادع، لكن هناك وسائل قانونية فاعلة أكثر بكثير لتحقيق النتيجة ذاتها".

ربما يكون من المناسب القول هنا إن سيدني أنفقت ما يقارب المليار دولار في معسكرات احتجاز للاجئين غير الشرعيين من دون تحقيق النتائج المتوقعة في الخطط الأسترالية، فضلاً عن أن الخبرة الإسرائيلية في إرسال اللاجئين الإريتريين والسودانيين إلى رواندا فشلت، ذلك أن هؤلاء أعادوا الكرّة في عمليات هجرة غير شرعية جديدة، ما يعني إجمالاً أن هذه السياسات التي تبرز حالياً في الدول المستقبلة للهجرات غير الشرعية لا تشكل رادعاً على المدى الطويل .

لاجئون أم ورقة سياسية؟

على الصعيد الرواندي، فإن من المهم ذكر أن كيغالي تقدم نموذجاً جيداً في ما يتعلق بإعادة إدماج اللاجئين، إذ تستضيف رواندا أكثر من 100 ألف لاجئ حالياً. وخلال المنتدى العالمي للاجئين، الذي عُقد في 2019، قدمت الحكومة الرواندية تسعة تعهدات على المستوى الدولي تتضمن قدراتها على توفير سبل العيش والتعليم والصحة والطاقة والبيئة والحماية للاجئين. وهو أمر وجد ترحيباً من جانب الأمم المتحدة، مطلع العام الحالي.

وقد يكون اختيار رواندا كموطن للاجئين في بريطانيا تأكيداً على العلاقة العضوية الراهنة بين رواندا والسياق الأنغلوفوني، ودعماً لها على المستوى الاقتصادي، خصوصاً بعد أن قطعت علاقتها بالنطاق الفرنكوفوني، كتداع رئيس لدعم فرنسا (المستعمر القديم لرواندا) لقبائل الهوتو ضد قبائل التوتسي، التي ينتمي إليها الرئيس الحالي لرواندا بول كاغامي، في حرب الإبادة الجماعية التي جرت بتسعينيات القرن الماضي، وراح ضحيتها حوالى مليون شخص.

في هذا السياق، انضمت رواندا إلى رابطة دول الكمنولث عام 2010، وكذلك جعلت اللغة الإنجليزية لغة رسمية في البلاد، بعدما تولّى كاغامي السلطة عام 2000.

أوراق اعتماد دولية

على صعيد موازٍ، فإن لرواندا أدواراً إقليمية وقارية مهمة مؤسسة على النجاح الداخلي الذي أحرزه كاغامي في إبرام مصالحة وطنية، وتحقيق استقرار سياسي بالبلاد في أعقاب حرب وحشية، خلّفت بالتأكيد مرارات وجروحاً كان من الصعب التئامها في ضوء ما نعرفه من انقسامات قبلية وعرقية في رواندا، مماثلة لغالبية الدول الأفريقية.

وربما من هذه الزاوية، استطاع كاغامي حوز ثقة دولية جعلته متلقّياً لمساعدات خارجية وتمويل استثماري دولي كبير، مكّناه من تحقيق مستويات نمو مرتفعة قاربت حاجز الـ8 في المئة سنوياً قبل جائحة كورونا.

وكان الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي اللذان حققهما كاغامي من أهم الروافع المؤسسة له على المستوى الأفريقي، فالرجل يملك وزناً إقليمياً مؤثراً في شرق أفريقيا، كما أن له كلمة مسموعة في الاتحاد الأفريقي جعلت مشروعه لإصلاح الاتحاد محل تداول واعتبار في المؤسسة الأفريقية الأهم، وهو المشروع القائم على إعادة هيكلة مفوضية الاتحاد الأفريقي، وتعزيز العقوبات على الدول الأفريقية التي لا تسدد نصيبها من موازنة الاتحاد، وربما من هذه الزاوية، تمت هندسة العلاقات المصرية الروانداية خلال الفترة الأخيرة، عطفاً على ملفَّي الاستقرار الإقليمي في شرق أفريقيا وأزمة سد النهضة .

المزيد من تقارير