Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حرب على دروب البطاطا في اليمن

تواجه الزراعة في مأرب الخصبة خطراً وجودياً بسبب انسداد طرق التصدير إلى المحافظات الأخرى جراء الحرب والاستهداف

حقول زراعية مليئة بمحاصيل البطاطا، ومنتجات أخرى، مقابل مساحات أرضية شاسعة تم شقها في خطوط مستقيمة بانتظار من يذري الحبوب فيها، لكن لا أحد يفعل هذا.

مقابل هذه الحالة المتناقضة هناك أخرى، لدى المحظوظين الذين أعطتهم الحرب مهلة أن يرموا الحبوب في تلك الأخاديد الصغيرة، لا يجد الخراج دائماً طريقه إلى السوق، فبعضه المتعلق بالأغصان المثقلة بعد أن حان حصاده، يخاف النزول لأن الطريق إلى السوق غير آمنة.

لا طريق للبطاطا في الجنوب

رحلة طويلة ومعقدة، يسلكها المزارعون في طرق جديدة فيها الكثير من المخاطر بسبب تفجير الجسور في جنوب محافظة مأرب، وإغلاق طرق أخرى بسبب اشتداد المعارك بين قوات الجيش اليمني وميليشيات الحوثي المدعومة من إيران، التي تواصل هجومها منذ عامين في محاولة للسيطرة على المحافظة التي تملك الكثير من النفط.

المزارعون لا يعنيهم النفط، بل الصناديق الكرتونية التي يحملون فيها محاصيلهم عبر طرق بديلة، لكنها لا توصلهم إلى وجهتهم إلا بعد رحلة قد تستغرق أياماً إن وصلوا.

قبل 18 عاماً، قدم المزارع الخمسيني محمد الهاجري من محافظة إب وسط اليمن إلى مأرب الواقعة شرق العاصمة اليمنية صنعاء. يقول محمد إنه منذ أن حطت رحاله مأرب بدأ العمل في الزراعة، ونظراً إلى "خيرها الوفير تحولت إلى بلدته الثانية واستقر فيها".

يعمل المزارع الهاجري في مقاولات حصد المحاصيل الزراعية من المزارع وتصديرها إلى مختلف الأسواق اليمنية، إذ يتعامل مع تجار ومستثمرين يعملون في توريد الفواكه والخضراوات ومختلف الحبوب إلى الأسواق.

 

وحول هذا يعلق الهاجري "تحولت مأرب في ظل الحرب إلى مركز للمزارعين والمستثمرين القادمين من المحافظات الأخرى، نظراً إلى ما تتمتع به من خصوبة التربة والأراضي الزراعية الواسعة والمستوية، وتوفر المشتقات النفطية التي تشغل مركبات الحرث والحصاد بالإضافة إلى وفرة المياه فيها، على عكس الزراعة في المحافظات الواقعة في مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين التي تواجه صعوبات كثيرة كأزمة المشتقات بين الحين والآخر، فضلاً عن ارتفاع أسعارها وانقطاع التيار الكهربائي فيها وشح المياه وغيرها من المعوقات.

تكاليف الطرق البديلة

يواصل المزارع الهاجري حديثه، قائلاً "على الرغم من أن مأرب أوجدت فرصاً لعمال المزارعين، فإن هناك مصاعب ومشاكل تواجه تصدير المنتجات الوفيرة نظراً إلى المعارك الدائرة على أطرافها منذ سنوات، التي أدت إلى تقطع الخطوط التي تربط المحافظة بالأخريات".

ويشكو الهاجري "من تكاليف النقل من مأرب إلى صنعاء حيث يبحث الموردون عن طرق بديلة يحيط بها الخطر أحياناً وتستغرق أياماً لتجاوزها"، مؤكداً أن أجور النقل ارتفعت بشكل جنوني بعد انقطاع الطرق القريبة المؤدية إلى صنعاء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوضح أن طريق "مأرب - نهم" المؤدي إلى العاصمة صنعاء كان يستغرق نحو ساعتين، بينما اليوم يضطر سائقو المركبات إلى سلك طريق "مأرب - البيضاء - صنعاء" قبل انقطاعها هي الأخرى، أو طريق "مأرب - الجوف" عبر الطرق الصحراوية المليئة بقطاع الطرق.

صناديق البطاطا هدف للألغام

البطاطا تعرف حفر الألغام جيداً، فهي تنمو تحت التراب وتختبئ فيه إلى أن تجد يداً تمتد لتخرجها لتتلقاها بترحاب، عكس الألغام التي تزاحمها في تلك الحفر ثم تنفجر في من يمسها.

يقول الهاجري إنه يخشى سلك طريق "مأرب - الجوف" ليس خوفاً من اللصوص فقط كما أسلف، بل أيضاً لكثرة الألغام التي لا تفرق بين المركبات أكانت تحمل عتاداً عسكرياً أو بضاعة تبحث عن أسواق أرهقتها التكلفة العالية للطرق الأخرى.

وحول تلك التكلفة يقول "كان المزارع يدفع 100 ألف ريال يمني (100 دولار أميركي) لحمولة الدينة (شاحنة صغيرة)، وتصل وجهتها خلال ساعات، لكن اليوم وبفعل المسافات الطويلة التي يتم التنقل فيها لا تصل الحمولة إلا بعد أيام"، وبلغت تكاليف حمولة "الدينة" مليوناً ومئتي ألف ريال (1200 دولار).

على الرغم من ذلك تنتج بوفرة

تغطي مأرب ما يقارب ثلث حاجات السوق المحلية من منتجات المحاصيل الزراعية بمختلف أنواعها، وتصل منتجات مأرب إلى كل الأسواق اليمنية من عدن إلى صنعاء، فيما بعض المحاصيل بجوهرتها "البطاطا" يتم تصديرها إلى السعودية والإمارات، بالإضافة إلى البرتقال والبصل.



وتنتج مأرب عدداً من المحاصيل الزراعية الأخرى مثل الطماطم والسمسم والذرة المتنوعة والنخيل والمانجو، وتنتج من الحمضيات ما نسبته 75 في المئة من إنتاج اليمن من هذه الفاكهة الموسمية الشتوية.

وتأتي محافظة مأرب في المرتبة الثانية من بين محافظات الجمهورية اليمنية في الإنتاج الزراعي، والأولى في إنتاج البرتقال، إذ يقدر حجم الإنتاج بنحو 130 ألف طن في العام.

وقال الموقع الرسمي لمحافظة مأرب نقلاً عن مدير مكتب الزراعة بالمحافظة، المهندس سيف الولص، إن هناك مؤشرات للاستثمار في القطاع الزراعي من قبل القطاع الخاص والمستثمرين، إذ تنتظرهم فرص عديدة في هذا القطاع.

مشاكل أخرى تسببت بها الحرب

من جانبه، يقول المهندس الزراعي أحمد العزعزي، إن "المساحات المزروعة في مأرب تواجه مشاكل كثيرة أبرزها عدم توفر الأسمدة وارتفاع تكاليفها".

ومنذ أربعة عقود تقلصت المساحات الزراعية في اليمن بشكل كبير جداً بفعل أسباب كثيرة تأتي الحرب في مؤخرتها، وتحولت سلة غذاء اليمن، أو ما يسمى "السهل التهامي" الممتدة من شمال الحديدة وصولاً إلى حدود السعودية إلى حقول ألغام، وباتت مساحات كبيرة غير قابلة للزراعة.

ومنذ القدم، كانت الزراعة في اليمن هي العمود الفقري للحياة في كل الممالك اليمنية القديمة.

ومأرب هي موطن السبئيين وفيها قامت مملكة سبأ أشهر الممالك القديمة في شبه الجزيرة العربية، التي اعتمدت على الزراعة والسدود في قوتها وازدهارها وكانت سبباً مهماً في استدامة الاستقرار السياسي والاقتصادي فيها

المزيد من تقارير