Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أدب الفتيان العرب يواجه الرقابة الذاتية والمحرمات

الجوائز أبرزت حضوره والناشرون متحمسون لكن قراءه يترددون

لوحة للرسام زبير التركي (صفحة الرسام - فيسبوك)

التصنيف وفقاً للعمر، هو أول ما يستدعيه اصطلاح أدب الفتيان أو ادب اليافعين منذ الوهلة الأولى، على اعتبار أن هذا الأدب، يُوَجه للأطفال بعد عمر 12 سنة. وعلى الرغم من أن بعض الأعمال تتحدى هذا التصنيف، مثل سلسلة هاري بوتر، التي تم تسويقها للأطفال، لكنها حصدت شعبية عالمية وأقبل على قراءتها الفتيان والبالغون، فإن الحاجة إلى التوجه لليافعين، ومناقشة مشكلاتهم واهتماماتهم، في أعمال أدبية تناسبهم؛ تبقى حاجة ماسة، خصوصاً في العالم العربي، لا سيما أن هذا العمر يمثل بداية مرحلة تكوين الوعي.

وربما كانت هذه الحاجة، هي المسؤول الأول عن بروز أدب اليافعين، أو الفتيان في الآونة الأخيرة، واهتمام المحافل الثقافية الدولية والعربية به.

في 2009 نشرت الكاتبة المصرية عفاف طبَّالة روايتها لليافعين "البيت والنخلة"، وحصلت على جائزة الشيخ زايد في عام 2011. وكانت هذه الجائزة بمثابة محفز، ساعد على نمو هذا النوع من الأدب، منذ ذلك الوقت، وزيادة اهتمام دور النشر به.

 لم يكن مصطلح أدب الفتيان قد راج كثيراً واستقل، واعتبرت الكاتبة روايتها لـ"الشباب". وهذا ما كانت تعني به -على حد قولها- أنها رواية مسموح للشباب بقراءتها. وتقصد بالشباب الفئة العمرية، التي عبرت الطفولة، لكنها لم تتخطَّ بعد مرحلة المراهقة. وهم من ترى "طبالة" أنهم بحاجة إلى أعمال أدبية، تهتم بتناول قضاياهم من دون فجاجة؛ بحيث لا تتضمن تناولات نفسية أو اجتماعية غير مناسبة، أو تتطرق إلى ألفاظ لا تناسب هذا العمر. وإن كان ذلك لا يعني بالنسبة إليها، الوقوع في فخ الوعظ والمباشرة. وتدلل الكاتبة بروايتها "هروب صغير" الحاصلة على جائزة اتصالات 2021، التي تعرضت من خلالها لقضية رغبة الطفل في الهروب من المنزل. وكان نمو الأحداث وتطورها الدرامي سبيلاً دفع بالطفل الهارب، للعودة طوعاً إلى منزله. وهكذا تحققت الرسالة -كما تؤكد- من دون الوقوع في فخ المباشرة.

وعلى الرغم من الرقابة الذاتية التي تضبط تناول الكاتب قضية ما، تؤكد طبالة أن المجتمع دائماً يحاكم الإبداع.

 وتضيف "عند نشري هذه الرواية قيل لي إن طرح هذا الموضوع قد يشجع الصغار على الهروب من منازلهم. وكان تعليقي أننا جميعاً في عمر الطفولة، حلمنا بالهروب من المنزل، بما يمثله من سلطة رمزية، فلماذا الخوف من الكشف عما يمر به اليافعون، وما يفكرون فيه؟".

في رواية "البيت والنخلة" تمردت طبالة على تقاليد أدب اليافعة، الذي يكون أبطاله من عمر اليافعين، فكانت بطلتها امرأة عجوزاً. وهذا ما تبرره قائلة "عند الكتابة لليافعين يجب التركيز أولاً على اللغة، والتقنيات، وبناء الشخصيات، والنمو الدرامي للأحداث من دون التفخيم من القيم التربوية، التي قد تبتعد بالكاتب عن التكنيك، فتقلل من جودة العمل، ومن رغبة اليافع في قراءته".

وتجد الكاتبة الحاصلة أيضاً على جائزة الخليفة التربوية عن روايتها "فك شفرة" أن نمو أدب اليافعين يتطلب التعامل مع العمل الأدبي الموجه لهذه الفئة؛ باعتباره أدباً وليس كتاباً للوعظ. وترى أيضاً ضرورة الاعتناء ببحوث القراءة التي يمكن أن يسترشد بها الكاتب من دون أن تقيده.

الجميع متأخرون

ترى الكاتبة المصرية رانية أمين المتخصصة في أدب الفتيان أن العالم كله تأخر في الكتابة لليافعين، بسبب أن هذه الفئة العمرية كانت تقرأ كتب الكبار. ولم تكن هناك حاجة من قبل، للكتابة لهم. حتى بدأ الشعور بضرورة الاهتمام بهم، والتوجه لهم بموضوعات مختلفة، تكون أكثر اتساقاً مع اهتماماتهم. وبرأي أمين أن هناك فجوة بين الموضوعات، التي تهم هذه الفئة، وما يُقدم لهم. وتدلل على ذلك، باعتقاد سائد؛ مفاده أن قضايا معينة مثل تعاطي المخدرات والعلاقات بين الجنسين؛ غير مناسبة للأطفال.

وترجع الاهتمام الذي بدأ يزداد أخيراً بالكتابة للفتيان، إلى بدء ظهور جوائز لهذا الفرع من الأدب، وليس بسبب التفكير في احتياجاتهم. وترى أن هناك كتاباً يكتبون خصيصاً للجوائز، في حين توجد حاجة حقيقية لوجود أعمال موجهة للنشء؛ تتعاطى مع الارتباك الذي يعيشونه نتيجة دخولهم عالم الكبار، بينما لا يزالون أطفالاً؛ بهدف مساعدتهم على فك الالتباس، ومعرفة أنفسهم، ومعرفة العالم بشكل أفضل.

 وعن قلة إنتاج فن أدب اليافعة تفسر أمين ذلك بقلة عدد القراء. وهو أمر مناقض للوضع في الغرب. إذ تشير الإحصائيات -على حد قولها- إلى أن عمر 15 عاماً، هو الأكثر إقبالاً على شراء الكتب هناك. وترى أن تدخل الأهل في اختيار الكتب لأبنائهم، بخاصة المنشورة باللغة العربية بما ينافي رغباتهم؛ يدفعهم إلى العزوف عن القراءة بشكل عام. وبالتالي عزوف الناشرين عن النشر.

الخيال والمعرفة

الروائي حجَّاج أدول كتب للمرة الأولى لليافعين عام 2009 رواية "هجوم القراصنة". أما التجربة الثانية، فكانت العام الماضي، في رواية "رحلات ساما وسويا".

ويعلق على هذه الفترة الطويلة، من التوقف عن الكتابة لليافعين، بين التجربتين قائلاً "أدب اليافعين جديد على الأدب العربي، وحال قرائه ليس ببعيد عن المناخ الثقافي العام، الذي يعاني قلة معدلات القراءة. وهو ما يجعل من إقدام دور النشر على هذا الأدب مغامرة غير مأمونة الربح، الذي يعد هدفاً أساسياً لها".

وعن السمات التي يجب أن تميز أدب اليافعين، يشير أدول إلى أن الخيال هو المقوم الأساسي الذي يجب أن يتوفر في هذا الأدب، مؤكداً أن الإنسان يولد بخيال خصب، لكنه يضمر مع تقدم العمر، نتيجة لإحباطات الحياة. "لذا فحصيلة اليافع -بحد وصفه- من الخيال؛ عادة ما تكون أكبر من البالغ. وهذا ما يحتم على الكاتب، الذي يتوجه لهذه الفئة من القراء؛ ضرورة توسيع مساحات الخيال في عمله، كي يتمكن من إشباع حاجاتهم، مدللاً بمقولة آينشتاين (الخيال أكثر أهمية من المعرفة)".

 ويضرب أدول مثلاً بسلسلة "هاري بوتر"، التي يرى أن ما تحتويه من خيال، كان المقوم الأول لما حققته من نجاح وعالمية، وهذا ما يحرص عليه أدول في مشروعه الأدبي لليافعين، الذي ينهض -حد وصفه- على فكرة إعمال الخيال.

الاستفادة من التراث

وعلى الرغم من إصرار الكاتب على كسر التابوهات، في رواياته للكبار، فإنه يرى ضرورة وجود الرقابة الذاتية، والالتزام ببعض التابوهات، عند التعاطي مع اليافعة. وأرجع ذلك إلى عدم اكتمال التكوين العقلي والمعرفي، لهذا القارئ النوعي؛ مما قد يدفعه -بعد القراءة- إلى القيام بسلوك غير سليم، مؤكداً أن عملاً أدبياً لليافعين، لا يراعي بعض المحاذير؛ قد يدفع بالمتلقي إلى ارتكاب جريمة ما.

ويرى أدول إمكانية الاستفادة من التراث، عند الكتابة للفتيان، مدللاً بنجاح تجارب إعادة نشر بعض الروايات العالمية للكبار، بشكل يلائم اليافعة. وهو ما حدث في رواية فيكتور هوغو "البؤساء" على سبيل المثال.

ويبرر ضرورة الاهتمام بالكتابة لليافعين، بكونها واحدة من أدوات التنمية الحقيقية في الإنسان، بما يجعل منه نواة لمجتمع متحضر.

فخ المباشرة

يقول الكاتب المصري أحمد قرني الذي حصد جوائز عدة في أدب اليافعين "إن الكتابة للفتيان في العالم العربي، كانت مهملة، حتى أعادت الجوائز الكبيرة، التي رُصدت لها؛ صياغة المشهد الأدبي، من جديد، واستطاعت لفت الأنظار، وتوجيه الاهتمام، للكتابة لهذه الفئة من الشباب، سواء من قبل الكتّاب، أو من قبل دور النشر".

ويرى أن الكتابة لليافعين ليست سهلة، كما يظن البعض، بل إن طرح القضايا، التي تهم هذا الجمهور النوعي، في عمل أدبي، شيء صعب للغاية؛ "لا سيما في ظل ما يمتلكه هذا الجيل من الثقافة، وأدوات المعرفة، وسرعة وسهولة التواصل مع العالم، من خلال شبكة المعلومات".

 ويضيف "لأننا حديثو العهد بأدب اليافعين، فما زلنا نتعثر. ويقع بعض الكتاب أحياناً في فخ المباشرة، والاستسهال. والبعض الآخر يستنسخ تجارب وموضوعات، ليست من ثقافتنا. بل من البيئة الغربية. لهذا ستحتاج تجربة أدب اليافعين -على حد قوله- إلى الوقت، كي تنضج، وترسخ، وتتشكل ملامحها وتصبح مؤثرة وتحتوي على المتعة، والرسالة في آن.

 وحول ما يثار من ضرورة الرقابة على ما يوجه لليافعين، يؤكد قرني أنه لا يجب أن يكون هناك رقيب على الإبداع، سوى ضمير الكاتب نفسه. ويشير إلى ضرورة فتح النوافذ. ويرفض قرني الرقابة الخارجية، التي تمارسها جهات مختلفة، من بينها دور النشر نفسها. ويدلل بتجربته الخاصة قائلاً "حين كتبت روايتي (جدتي الرقمية) وطرحت بعض القضايا والأسئلة، التي تدور في عقول الشباب، عن الوجود وعن الخلق، رُفضت الرواية ولم أتمكن من نشرها، إلا خارج مصر. وهذا ما يدفع قرني إلى المقارنة بين ما يتسم به أدب اليافعين في الغرب، ونظيره في العالم العربي". ويوضح أن الغرب يقدم الفن على الرسالة، ويتيح كل ما يضمن حرية التعبير. بينما لا يزال العرب يضعون القيود من دون مبرر، على حرية الإبداع.

آفة الخوف

لا تتفق الكاتبة هديل غنيم مع من يرون أن أدب اليافعين جديد تماماً على الأدب العربي. وتُقصر الحداثة على التسمية وحدها. وتؤكد أن الفئة العمرية نفسها كان يكتب لها تحت مسمى كتب الشباب، بل وكانت هناك كتابات أخرى يتم إدراجها بفئة قصص المراهقين والمراهقات. لكن غنيم لا تجد مثل هذا التحديد البيولوجي لسن القراءة ونوع القراءات أمراً مفيداً، معللة ذلك بارتباط الأدب، بدرجة الوعي والفضول، والميل النفسي، والذوق الفني. وتشير إلى أن بداية استعمال هذه التصنيفات في الغرب، كانت لأغراض تجارية في الأصل. لكنها في الوقت نفسه، لا تتجاهل ضرورة أن يكون هناك كتابات متنوعة، لهذه الفئة العمرية، التي يتفتح فيها، وعي الفتيات والفتيان. بل هي تتناول ما يصاحب هذه المرحلة من قلق ومشكلات، ورغبة في فهم العالم، وفهم التطور النفسي والجسدي الذي يحدث لهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتؤكد أن شعبية "هاري بوتر"، تماثل شعبية روايات الكاتب المصري الراحل أحمد خالد توفيق بين اليافعين في جيل سابق. وأن هذه الشعبية تحققت نتيجة عدة عوامل، منها اعتمادها على قالب السلسلة، وانخفاض سعرها. وترى صاحبة رواية "سنة في قنا" أن الرقابة الذاتية لدى الكتّاب، الذين يتوجهون لهذه الفئة العمرية تحد من آفاق الإبداع الممكنة، وتحد من الأسئلة التي ينبغي أن يطرحها الأدب. وتُرجع مصدر هذه الرقابة الذاتية للخوف؛ سواء من المنع والحجب، أو من الرفض والهجوم، وكذلك الخوف من الركود.

تحديات النشر

أما الكاتب لقمان حسين، فيرى أن أهم ما ينبغي أن يحرص عليه الكاتب، حين يتوجه لليافعين، هو ألا يستخف بهم. لشعور اليافع في هذه المرحلة أنه رجل ناضج، أو أنثى ناضجة.

ويكمل "هذا ما يميز الأدب الموجه لهذا العمر في الغرب؛ إذ استطاع التعبير عن طموحات الصغار، بما يتناسب مع أفكارهم هم، وليس أفكار الكتَّاب. كما أنهم اهتموا بطباعة الكتاب، وتفننوا في إخراجه بصورة جاذبة، مما ترتب عليه؛ وصول التوزيع لأرقام قياسية".

وعن تحديات النشر لليافعين في العالم العربي يقول صاحب رواية "وادي النمل" "لا أجد إقبالاً كبيراً من قبل القراء، على أدب اليافعين، كما هو الحال في أدب الكبار". ويُرجع ذلك لأسباب عدة؛ أهمها حداثة العهد بهذا النوع من الكتابة، مضيفاً "أظن أن السنوات المقبلة ستشهد إقبالاً كبيراً على قراءة أدب اليافعين".

تجربة خاصة

الكاتب خالد حجازي صاحب تجربة خاصة في الكتابة لليافعين فهو كتب أربع قصص تدور كلها في عوالم تجسد ثقافة مصر وتراثها. وتمت ترجمة هذه القصص. وصدرت في كتاب بالإنجليزية، بعنوان "جبل الحكمة"، واشتمل الكتاب على رسوم فنان الكاريكاتير سمير عبد الغني. وتم توزيع الكتاب في أميركا.

وعن أهم ما يميز الكتابة لليافعين، يدلل حجازي بتجربته الخاصة، مشيراً إلى ضرورة أن يكون الكاتب، على مستوى تمرد اليافعين. لا سيما أنهم في عمر يحاولون فيه تحديد هويتهم. لذا فمن الصعب أن تقدم لهم "البطل النموذج"، لأنهم في حاجة إلى بطل يتطور، ويتجاوز المألوف.

المزيد من ثقافة