Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا لم تردع العقوبات الغربية بوتين عن غزو أوكرانيا؟

الرئيس الروسي تحسب لتلك الإجراءات منذ سنوات لتخفيف تأثيرها في بلاده

ينتظر الكرملين المزيد من العقوبات الغربية المتوقعة بعد قرار الغزو (أ ف ب)

في عام 2014 جادل بعض المسؤولين الأميركيين بأن العقوبات التي فرضتها أميركا على روسيا منعت بوتين من إصدار أوامر للقوات الروسية للتوغل إلى ما بعد شبه جزيرة القرم، لكن خلال الساعات الأخيرة أمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعملية عسكرية لم تقتصر على شرق أوكرانيا حيث استمر النزاع سنوات طوالاً، وإنما امتدت الحرب لتشمل أهدافاً عدة في جميع أنحاء أوكرانيا. فلماذا لم يردع سلاح العقوبات الأميركية والغربية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن استكمال خططه بغزو أوكرانيا؟

سخرية مخادعة

قبل عدة أيام، سخر قادة روسيا من تصريحات المسؤولين الأميركيين بأن بوتين قرر بالفعل مهاجمة أوكرانيا وأنكروا أن موسكو تخطط لغزو كييف، كما سخروا في وقت لاحق من التنبؤات بأن الهجوم سيحدث في 16 فبراير (شباط) ومن إعلان الرئيس جو بايدن بأن فلاديمير بوتين أعطى لقادته الضوء الأخضر للهجوم، لكن ما حذرت منه أميركا وأجهزة الاستخبارات الغربية وقع بالفعل، حين شنت روسيا غزواً واسع النطاق ضد أوكرانيا، ليتبين أن سخرية المسؤولين الروس كانت مخادعة وتستهدف التضليل، لكن يبقى السؤال هو: لماذا فشل سلاح العقوبات التي فرضت أو تلك التي سيفرضها الغرب في منع بوتين من غزو شامل لجارته السوفياتية السابقة؟

بعد أشهر من التهديدات، تحركت الولايات المتحدة وحلفاؤها بسرعة لمعاقبة روسيا بعد إعلانها الاعتراف باستقلال دونيتسك ولوغانسك كجمهوريتين منفصلتين عن أوكرانيا، استهدفت الموجة الأولى من العقوبات الغربية البنوك الروسية الكبيرة، وعدداً من الشخصيات الثرية المرتبطة بعلاقات وثيقة مع الكرملين، وخط أنابيب غاز "نورد ستريم 2".

تجاهل بوتين

غير أن الرئيس الروسي لم يهتم بهذه العقوبات أو حتى بالحزمة التالية التي هدد نظيره الأميركي بفرضها في حال بدء غزو شامل، فقد بدأ بوتين ما خطط له منذ سنوات كما يقول العديد من المحللين الغربيين، وبعدما حشد 180 ألف جندي حول أوكرانيا، لشن هجوم ضخم من اتجاهات متعددة، ولا يتوقع سوى عدد قليل من الخبراء العسكريين، أن الأسلحة الأميركية لأوكرانيا التي تبلغ قيمتها 2.5 مليار دولار، ستمكنها من مقاومة الهجوم الروسي، ولكنها يمكن أن تستنزف هذه القوات على المدى الطويل.

ولأن الأميركيين لن يرسلوا أي قوات للقتال دفاعاً عن أوكرانيا، الدولة غير العضو في الناتو، ولن يغامروا بإشعال حرب عالمية ثالثة، فإن العقوبات الاقتصادية، كانت الأمل الوحيد الممكن للرد على سلوك الرئيس بوتين، وهو ما تم اتخاذه بشكل جزئي من قبل إدارة بايدن وحكومة رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، والمستشار الألماني أولاف شولتز الذي أعلن تجميد خط أنابيب الغاز "نورد ستريم 2" الذي لم يبدأ تشغيله حتى الآن.

ثمن يستحق الدفع؟

وفيما ينتظر الكرملين المزيد من العقوبات الغربية المتوقعة بعد قرار الغزو، وهي عقوبات من المتوقع أن تعزل روسيا عن التعاملات المصرفية العالمية بنظام "سويفت"، وقد تُحدث أضراراً أخرى أوسع نطاقاً تشمل قطاعات الصناعة والتكنولوجيا، وقد تطال الرئيس الروسي نفسه كما ألمح مسؤولون أميركيون من قبل، يبدو أن بوتين ومجلس الأمن القومي التابع له، توقعوا مُسبقاً فرض عقوبات اقتصادية شديدة من الغرب، واعتبروا الثمن الباهظ الذي ستدفعه موسكو شيئاً يستحق عناء الدفع مقابل تحقيق أهدافهم في أوكرانيا.

وبينما كان القادة في واشنطن وأوروبا وآسيا قادرين على تشكيل جبهة موحدة ضد موسكو، يقول مسؤولون ومحللون إنه كان من المتوقع ألا تفعل العقوبات أي شيء لردع بوتين عن متابعة غزو واسع النطاق لأوكرانيا، إذ تُظهر الأدلة التاريخية أن العقوبات لم تكن دائماً فعالة في منع الدول من السعي وراء هدف تعلق عليه قيمة كبيرة، فعلى سبيل المثال، تُعد نتائج العقوبات التي فُرضت على كوريا الشمالية لإقناعها بالتخلي عن أسلحتها النووية وبرنامج الصواريخ الباليستية، مثالاً معاصراً على ذلك.

واعتبر بريان أوتول، وهو مسؤول كبير سابق في وزارة الخزانة الأميركية، أنه كان من المشجع أن تشكل الحكومات الأميركية والأوروبية جبهة موحدة، لكن المشكلة تمثلت في أن موسكو فسرت الموجة الأولى من العقوبات على أنها علامة على أن الغرب لا يزال متردداً في متابعة عقوبات أكثر صرامة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كتب التاريخ

ويشير سفير الولايات المتحدة في موسكو، مايكل ماكفول، إلى أن بوتين لم يفكر في ما سيحدث في سوق الأوراق المالية الأسبوع المقبل في روسيا، ولم يهتم حتى بفاحشي الثراء المقربين منه الذين سيتضررون من هذه العقوبات، وإنما يهتم فقط بمكان وجوده في كتب التاريخ بعد 30 أو 40 عاماً من الآن، ولذلك كان من السذاجة الاعتقاد بأن العقوبات ستغير حساباته. كما أوضح سفير روسيا لدى الولايات المتحدة، أناتولي أنتونوف، في بيان أنه كان من الصعب أن تراجع روسيا سياستها الخارجية تحت تهديد القيود، محذراً من أن الولايات المتحدة لن تكون بعيدة من نتائج العقوبات عندما يشعر مواطنوها بعواقب ارتفاع الأسعار.

خطوات مسبقة

وفي الحالة الروسية، لا يقتصر الأمر على امتلاك البلاد الكثير من الموارد الاقتصادية للتغلب على العقوبات أكثر من كوريا الشمالية، ولكن منذ عام 2014 اتخذت موسكو خطوات لتقليل تأثيرها، إذ يبلغ إجمالي احتياطيات روسيا من النقد الأجنبي الآن 630 مليار دولار وهو رابع أكبر احتياطي في العالم. كما انخفضت حصة السندات الروسية التي يمتلكها الأجانب من نحو 35 في المئة قبل عامين إلى نحو 21 في المئة الآن، وتراجع الدين العام الخارجي لروسيا في نهاية عام 2021 ليصل إلى 478 مليار دولار، وهو ليس برقم كبير إذا قورن بنسبته من الناتج المحلي الإجمالي الروسي التي بلغت نحو 17.8 في المئة، أي أنه من بين أدنى معدلات الدين العام في العالم، بينما كان يمثل 62 في المئة عندما تولى بوتين السلطة رئيساً عام 2000.

وفقاً لتقرير خدمة أبحاث الكونغرس، قللت روسيا أيضاً من اعتمادها على الدولار الأميركي خلال السنوات القليلة الماضية. فبين عامي 2013 و2020، انخفضت الحصة التي تمثلها الأصول المقومة بالدولار في حيازات احتياطي البنك المركزي الروسي بنسبة 50 في المئة. وفي منتصف عام 2021، أعلنت حكومة بوتين أنه سيتم استبدال الدولار، الذي يمثل ثلث صندوق الثروة السيادية للبلاد البالغ 186 مليار دولار، كما تحركت موسكو للحد بشكل حاد من استخدام الدولار في تسوية الحسابات التجارية مع أعضاء مشاركين في الاتحاد الاقتصادي الأوروبي الآسيوي، الذي يضم أرمينيا وبيلاروس وكازاخستان وقرغيزستان، وكذلك مع دول "البريكس" التي تشمل البرازيل والهند والصين وجنوب أفريقيا.

نعمة ونقمة

وعلى الرغم من الخطوات الروسية المسبقة لمواجهة العقوبات الأميركية والغربية المحتملة، فإنه من المؤكد أن قطاع الطاقة الروسي سيتأثر بالعقوبات، وستكون هذه ضربة كبيرة، إذ تمثل مبيعات الطاقة نحو 60 في المئة من صادرات روسيا و36 في المئة من إيرادات ميزانيتها، ولهذا فإن الاعتماد على النفط والغاز، يُعد نعمة ونقمة بالنسبة إلى روسيا. فعندما ترتفع الأسعار، تجني روسيا مبالغ ضخمة، لكن عندما تنخفض بشدة، فإن الآثار السيئة تتدفق عبر الاقتصاد ككل، لأن روسيا دولة بترولية تفتقر إلى قائمة متنوعة للغاية من الصادرات.

لكن في ظل التوترات الأخيرة وصولاً إلى بدء الهجوم الروسي على أوكرانيا، تجاوزت أسعار النفط الخام حاجز 100 دولار للبرميل، وإذا بقيت عند هذا المستوى، فستجني روسيا أكثر من 67 مليار دولار إضافية هذا العام، وبالطبع، قد تؤدي الحرب في أوكرانيا إلى استمرار ارتفاع أسعار النفط لمستويات قياسية أخرى.

سلاح ذو حدين

ومع ذلك فإن الهجوم الروسي الشامل يمكن أن يوجه ضربة قاضية لخط أنابيب "نورد ستريم 2"، الأمر الذي كان سيزيد مبيعات الغاز الروسي إلى أوروبا بمقدار الثلث. كما أن العقوبات التي ينتظر أن تفصل روسيا عن نظام "سويفت" المالي الدولي، ستجعل من الصعب تحصيل عائدات صادرات الغاز الطبيعي إلى أوروبا، لكن الدول الأوروبية التي تعتمد على روسيا في 40 في المئة من استهلاكها من الغاز، ستتضرر بشدة أيضاً، وربما تحاول قدر المستطاع، سد فجوة إجمالي الصادرات الروسية التي بلغت 168 مليار متر مكعب من الغاز في عام 2020 من خلال اللجوء إلى مورديها المهمين الآخرين مثل النرويج والجزائر وأذربيجان، غير أن ذلك سيكون مستحيلاً على المدى القصير، وإذا كان من المؤكد أن روسيا ستفقد مصدر دخل ثميناً، فإن أوروبا ستعاني أيضاً على الرغم من كل شيء.

وكلما كانت العقوبات التي يفرضها الغرب على روسيا أعمق وأوسع نطاقاً خلال الساعات والأيام المقبلة، زاد احتمال أن يدفع المواطنون الروس ثمناً باهظاً، وهو ما حذر منه الأميركيون من قبل في إشارة إلى استهداف مكونات تدخل في صناعة أجهزة الهاتف المحمول وبعض السلع الاستهلاكية الأخرى.

علاوة على ذلك، سيتضرر الاقتصاد الأوروبي أكثر بكثير من اقتصاد الولايات المتحدة، مع الأخذ في الاعتبار أن التجارة الأوروبية مع روسيا وصلت إلى 282 مليار دولار عام 2021، بينما لم يتجاوز حجم تجارة الولايات المتحدة مع روسيا 36 مليار دولار في عام 2021.

ولا يعني أي من هذا أن العقوبات الغربية لن تلحق الضرر بالاقتصاد الروسي، فمن المؤكد أنها ستلحق بروسيا وصناعاتها ضرراً بالغاً كما يقول راجان مينون، مدير برنامج الاستراتيجية الكبرى في أولويات الدفاع الأميركية والخبير في معهد "سالتزمان" لدراسات الحرب والسلام في جامعة كولومبيا، لكنها لم تكن كافية لردع بوتين الذي قرر أن هجوماً كبيراً على أوكرانيا سيخدم غرضاً مهماً للأمن القومي الروسي، ومن غير المتوقع أن يتخلى عن أي منطقة يكسبها على حساب أوكرانيا.

المزيد من تقارير