لم يستطع بوريس جونسون وليز تراس [وزيرة الخارجية]، الإفلات من حكاية "حفلات 10 داونينغ ستريت" حين اتجها شرقاً لمناقشة خطر الحرب في أوكرانيا. شكّلت تلك المرة الثالثة التي يحاول فيها جونسون أن يؤدي دور رجل الدولة من أجل حرف الانتباه عن الصعوبات المحلية التي يواجهها، غير أن تطوراً جديداً مؤذياً في [فضيحة] "بارتي غيت" كان يلهيه في كل مرة عن محاولته تحويل الانتباه عن متاعبه.
كذلك طغت [بارتي غيت] على المحاولات الأخرى الرامية إلى إظهار أن جونسون "يواصل النهوض بعمله"، بما في ذلك حزمة بـ9 مليارات جنيه استرليني (حوالى 12.20 مليار دولار) رُصدت لتخفيف وطأة الارتفاع الحاد في سعر الطاقة، وورقة بيضاء حول "رفع المستوى". حتى إن إعلانه المتعجل عن إنهاء قيود كورونا قبل شهر من موعدها المقرر سابقاً في إنجلترا، لم تلقَ سوى هتافين يتيمين مرحبين من النواب المحافظين كثيري التذمر، وسرعان ما خطف الضوء عنها الكشف عن مزيد من التفاصيل الجديدة بشأن "بارتي غيت".
في ذلك السياق، تعمّدت تراس الصريحة اللعب بالنار في موسكو، حيث قوبلت بقسوة بالغة من قبل [وزير الخارجية الروسي] سيرغي لافروف بعدما أغضبت بعض الناس بسبب اتهامها الروس بإحياء خطاب "الحرب الباردة". وبازدراء معلن، تعامل وزير الخارجية الروسي المخضرم مع زميلته الحديثة العهد في عالم الدبلوماسية.
لم تستسلم تراس بل واجهت الموقف بجرأة، بيد أن الخلفية المحلية لم تساعدها على التصدي لذلك الموقف، إذ بات الروس يعرفون ذلك حق المعرفة. وأخبرها صحافي أجرى مقابلة معها بأن جونسون "يصارع للبقاء على قيد الحياة سياسياً". وأجابت تراس "إن رئيس الوزراء ينهض بعمل رائع".
ليس ثمة فارق شعرة بينها وبين جونسون في ذلك الجانب. لكن ثمة فارق متعمد يفصلها عن ريشي سوناك، وزير المالية، منافسها الرئيس على خلافة زعيم حزب المحافظين. وفيما نأى وزير المالية بنفسه عن جونسون، فإن وزيرة الخارجية باقية على ولائها له [جونسون] حتى النهاية، حتى لو جاءت النهاية مريرة.
وبالنسبة إلى العالم الخارجي، بدا سوناك أكثر شجاعة، مع أنه غير مستعد حتى الآن للتحرك ضد جونسون. في المقابل، يشكل الولاء "السلاح السري" لدى حزب المحافظين، وفقاً للورد كيلموير، وزير الداخلية في خمسينيات القرن العشرين. وقد أبلغتني شخصية رفيعة بأن "ليز تعرف جمهورها المستهدف، وهو مؤلف من نواب حزب المحافظين وأعضائه. ولقد أزعج ريشي بعض ذلك الجمهور".
على الرغم من ذلك، ربما يكون هناك توتر في وقت قريب بين تراس وجونسون بشأن الموضوع الذي يتربع على قمة أولوياتها، أي الاتحاد الأوروبي. وقدّمت يوم الجمعة الماضي ما وصفه بعض حلفائها بأنه "عرض كبير" بخصوص بروتوكول إيرلندا الشمالية خلال المباحثات التي أجرتها في لندن مع ماروس سيفكوفيتش، نائب رئيس المفوضية الأوروبية. ونقل لي مسؤولون أن ذلك العرض مضى "إلى أبعد بكثير" مما وضعه على طاولة المفاوضات سلفها ديفيد فروست، الذي استقال في ديسمبر (كانون الأول) 2021.
بالتالي، تتطلع تراس إلى التوصل لصفقة انتقالية حول الرقابة الجمركية على البضائع المتجهة من بريطانيا إلى إيرلندا الشمالية، فيما ستُرجأ قضايا صعبة على غرار دور "المحكمة الأوروبية" [في حل الخلافات المتصلة بذلك الشأن] إلى ما بعد انتخابات مايو (أيار) لمجلس إيرلندا الشمالية. [في هذه الأثناء] تمر سياسة إقليم إيرلندا الشمالية مجدداً في حالة هيجان.
يأمل الوزراء البريطانيون في أن تؤدي مناورات "الحزب الوحدوي الديمقراطي" [يؤيد بقاء إيرلندا الشمالية في المملكة المتحدة] إلى جعل بروكسل تفكر جيداً في الوضع، وتدرك مدى خطورة تداعياته المحتملة، لا سيما أن بول غافين استقال من منصبه كوزير أول، محذّراً الحزب من أنه قد لا يعود من جديد إلى حكومة تقاسم السلطة في أعقاب الانتخابات. وتتمثل الرسالة التي يوجهها أولئك الوزراء [إلى بروكسل] في أن انهيار الحكومة الذاتية المتعددة الأحزاب [في إيرلندا الشمالية] من شأنه أن يكون أشد خطورة بكثير من أي مشكلات ناجمة عن البروتوكول [الموقع بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن الحدود بين جمهورية إيرلندا وإيرلندا الشمالية]. ومع هذا، ثمة قدر من الخطر في أن يعتبر الاتحاد الأوروبي أن ذلك "العرض الكبير" [الذي قدّمته تراس] هو عرض صغير إلى حد ما، بالتالي سيبقى الطرفان متباعدين.
وتُعتبر القضيتان اللتان تأتيان على رأس أجندة تراس، أي روسيا والاتحاد الأوروبي، متصلتين على نحو وثيق يجعل فصلهما غير ممكن، إذ ليس باستطاعة الغرب أن يتحمل نشوب حرب بين بعض أطرافه، إذا كان يريد المحافظة على جبهة موحدة ضد فلاديمير بوتين، وهذا يتطلب تحسين العلاقات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، وذلك أمر يُعتبر البروتوكول أكبر عقبة تقف في وجهه حالياً.
وفي سياق متصل، يشكّل جونسون جزءاً من المشكلة. وفيما يمضي مترنحاً بصخب وقلق يبحث عن أفكار يرضى عنها نواب حزب المحافظين على أمل أن يساعده ذلك على النجاة بجلده، فإنه أعاد إحياء فكرة تفعيل "المادة 16" التي من شأنها تعليق البروتوكول بأكمله، أو جزء منه. وكذلك عمد ستيفن باركلي، رئيس موظفيه الجديد، بمقتضى دوره كوزير لشؤون مجلس الوزراء، إلى تحديث خطط الطوارئ المتعلقة بهذه الخطوة من أجل تخفيف مشكلات سلاسل التوريد.
قد ينظر متفائل ما إلى شبح "المادة 16" بوصفه جزء من استراتيجية "الشرطي القاسي، الشرطي الليّن" [بمعنى تبادل الأدوار بينهما للحصول على الشيء ذاته]، فبينما يلوّح جونسون بالتهديدات، تعمد تراس إلى التفاوض بشكل بنّاء. ومع ذلك، لربما كان هناك تفسير آخر يثير قدراً أكبر من الحزن، إذ طالب أعضاء "مجموعة البحوث الأوروبية" في الاجتماعات الفردية التي عقدها جونسون مع نواب حزب المحافظين من غير الوزراء، باتباع موقف أكثر صرامة في ما يتعلق بالبروتوكول. ولم يقلقهم أن جونسون هو من اتفق عليه مع الاتحاد الأوروبي.
وبالنتيجة، يحاول رئيس الوزراء بشكل يائس أن يُرضي أولئك الذين تصدروا ذات مرة صفوف من صفقوا له، وهم المشككون في أوروبا الذين أخذوا يشعرون بالتعب منه لأنهم يعتقدون أنه لا يستغل ما يسمّونه "فرص بريكست". بيد أن عليه أن يقاوم الإغراء. إذا كان جاداً حول معالجة أزمة روسيا، فإن من شأنه أن يختار التصالح مع الاتحاد الأوروبي بدلاً من خوض الحرب التجارية التي ستكون مدمرة للطرفين، وكذلك تهدد بروكسل بشنّها إذا قرر [جونسون] القضاء على البروتوكول نهائياً. ومن الذي سيحب ذلك أكثر من الجميع؟ بوتين بطبيعة الحال.
ربما لن يساعد استعمال "المادة 16" جونسون حتى في صراعه من أجل النجاة. فقد يبعث المعتدلون من النواب المحافظين ومعظمهم من أنصار البقاء في الاتحاد الأوروبي السابقين، برسائل تطلب حجب الثقة عنه، ما سيسمح ببلوغ عتبة الـ54 صوتاً [الضرورية لإجراء انتخابات على زعامة الحزب]، أو حتى تجاوزها والحصول على عدد أكبر من ذلك.
ينبغي أن يبذل جونسون جهوداً إضافية من أجل التوصل إلى صفقة مع الاتحاد الأوروبي، بدلاً من الرقص على أنغام المشككين بأوروبا، مرة أخرى.
© The Independent