Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السعودية تستعيد 17 عاماً من عمرها أخفتها الرواية الدينية

اعتمدت الرياض 22 فبراير (شباط) يوم تأسيس البلاد وهو التاريخ الذي يسبق لقاء المؤسس بمحمد بن عبد الوهاب بقرابة العقدين

حي طريف التاريخي في منطقة الدرعية بالرياض التي باتت عاصمة للدولة السعودية الأولى في القرن الثامن عشر (اندبندنت عربية)

التاريخ ليس كتاباً مقدساً، لكنه يملك قدراً من القداسة لا تسمح بتعديله إلا بظهور مصدر جديد أو قراءة مغايرة للتاريخ عما كان سائداً قبل ذلك، وتلك القراءات قابلة للدحض وإعادة تقديمها ما دام الأسلوب المتبع لهذا محكماً.

إلا أن هذه القداسة فاقت قدرة المدارس الأكاديمية المعاصرة على نقدها في حالة التعاطي مع التاريخ السعودي، إذ تمسك قُراء التاريخ وأساتذته في الجامعات والمراكز البحثية بقراءة عثمان بن بشر وحمد بن لعبون وابن غنّام، وغيرهم من المؤرخين الأوائل الذين كتبوا التاريخ السعودي الممتد إلى القرن الثامن العشر لمكانٍ قلّ فيه الكُتّاب والمدونون، في حينها على الأقل.

وفي هذا السياق، أصدر الملك سلمان بن عبد العزيز أمراً ملكياً، باعتماد 22 من فبراير (شباط)، ذكرى وطنية تحت اسم "يوم التأسيس"، وهو التاريخ الذي يوافق قيام الدولة السعودية الأولى قبل 3 قرون.

وقال الأمر الملكي، إن هذا يأتي تعزيزاً لارتباط المواطنين بجذورهم الممتدة إلى عام 1727 ميلادية، الذي قال إن الدولة السعودية الأولى تأسست في منتصفه ليتم اختيار 22 فبراير يوماً تستعاد فيه الذكرى، ويعتمد كإجازة وطنية رسمية.

وفي الفترة السابقة التي غاب فيها التوثيق الرسمي، عُد 1744 م تاريخاً لبداية الدولة السعودية الأولى، بوصفه التاريخ الذي التقى فيه الإمام محمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية الأولى، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، إلا أن الموعد الرسمي الذي حدده الأمر الملكي، يسبق لقاء الإمام والشيخ بـ17 عاماً.

استرداد التاريخ

يجدر الإشارة إلى أن مفهوم الدولة "state" لم يكن قائماً في فترة تأسيس الدولة السعودية الأولى، لذلك الخلاف حول تاريخ بدايتها أمر مفهوم، لذلك يتم قراءة العوامل السياسات العامة بوصفها مؤشراً على سلوك يمكن اعتباره جهود تأسيس.

 

القراءة الكلاسيكية التي قدمتها قائمة المؤرخين الأوائل الذين وضعوا الحجر الأول في التسلسل المعرفي لقراءة تاريخ نجد والسعودية منذ دولتها الأولى، بحثت عن لحظة ما يبدأ من عندها التاريخ بغض النظر عن دقة ذلك، نقطة تحول ذات بعد درامي يمكن من خلالها خلق اتفاق على يوم وربما ساعة كانت بداية التاريخ لولادة دولة كبيرة امتدت لقرابة الـ300 عام بعد هذا على فترات متقطعة، وهذه اللحظة كانت "اتفاق الدرعية".

هذه الطريقة كلّفت الدولة السعودية قرابة العقدين من عمرها، ثم تعامل المؤرخون بعدها مع التاريخ عن بطريقة سردية لا نقدية، واستمروا في النقل رغم توفر أطروحات جديدة معتبرة مع تطور القطاع الأكاديمي في البلاد.

الاتفاق الذي اعتبرته القراءات التاريخية الأولى هي لحظة التأسيس قامت على إعطاء الدولة بعداً دينياً من خلال اعتبار ميثاق الدرعية بين الأمير الأول محمد بن سعود، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، هي لحظة التأسيس. بالمقابل ساهمت السيطرة الدينية على الفضاء العام في التعليم والتأثير الاجتماعي حتى فترة قريبة في الحفاظ على هذه الرواية، لما تضفيه على السياسة المتشددة والمتدينة من شرعية بوصفها امتداداً لتأسيس البلاد، كما تقدم نفسها المدرسة الدينية المحلية.

ساهم هذا بجوار ضعف النشاط البحثي والأكاديمي في الجانب الاجتماعي والتاريخي في السعودية من عدم تقديم روايات جديدة تتعامل مع التاريخ بشكل نقدي، إلا في إطار محدود كانت إحداها التي قدّمها عبدالرحمن العريني، وهو أكاديمي وباحث، في كتاب الإمام محمد بن سعود وجهوده في تأسيس الدولة السعودية الأولى.

التاريخ ليس لحظة درامية

أبرز ما ميّز أطروحة العريني هي أنها وضعت بداية الدولة السعودية في سياقاتها التاريخية، دون الجنوح لفكرة اللحظة التي ولد بعدها كيان من العدم بفضل قوة غيبية.

إذ يحكي الأكاديمي بداية استقرار بني حنيفة، التي تعود إليها الأسرة الحاكمة السعودية في منطقة العارض بنجد، ثم انتقال جزء منها إلى شرق الجزيرة العربية، قبل أن يبرز في القرن الخامس عشر زعيم نجدي يدعي علي بن درع، والذي سميت به الدرعية.

هذا البروز وظروف أخرى أدى لعودة فرق من بني حنيفة من شرق الجزيرة، والذين سمّوا "المَردة" نسبة إلى جدهم مانع بن ربيعة المريدي. بعد عودتهم أقطعهم ابن درع أراضاً في مناطق تدعى المليبيد وغصيبة في نجد، والتي مثلت شطري الأسرة في نجد (آل مقرن و آل ربيعة) والتي شكلت الدرعية فيما بعد.

 

يمكن اعتبار انتقال السلطة في البلدة النجدة من آل وطبان بن ربيعة إلى آل مقرن في 1727، بعد وفاة زيد بن مرخان وتولي محمد بن سعود الحكم، مرحلة مهمة احتوت على عدة عوامل يمكن اعتبارها عوامل تأسيس دولة، وردت في عدة مراجع.

الأولى هي ما أورده المؤرخ إبراهيم بن صالح بن عيسى في كتاب تاريخ بعض الحوادث الواقعية في نجد، أن إمارة آل وطبان (الفرع الذي سيطر على الحكم في الدرعية قبل تولي محمد بن سعود) اتسمت بـ"العنف وسفك الدماء"، فكانت النزاعات الداخلية هي أحد أشكال تداول السلطة والتي ساهمت في حالة الانقسام الداخلي بالإمارة الصغيرة، إلا أن ولاية محمد بن سعود وضعت حداً لتلك الصراعات وكانت عامل استقرار إذ كانت سلطته توافقيةً على غير سابقيه، ما ساهم في صنع سلطة ذات شرعية واسعة.

ساهمت هذه التوافقية التي استمدها من عوامل شخصية ووجاهته الاجتماعية، بالإضافة إلى رحيل معظم "آل وطبان" إلى منطقة الزبير في تقديمه كخيار قريب إلى التوافقية ما أسهم في توحيده البلدة المنقسمة، وهو ما يمثل عاملاً ثانياً يمكن اعتباره رمزية لبداية تأسيس، إذ أقدم الأمير الجديد في بداية عهده في عشرينيات القرن الثامن عشر على توحيد شطري الدرعية، المليبيد التي كانت لآل مقرن، وغصيبة التي سكنها آل ربيعة الذين بقيتهم آل وطبان، ليشكل عاملاً في بناء "دولة المدينة" إن صح الوصف. الجهود الداخلية هذه، هو ما يعتمده المؤرخون في تبرير شح المعلومات عن سنواته الأولى، لانكبابه على البناء الداخلي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إلا أن هذا لم يمنعه من ممارسة نفوذ على إقليمه، إذ سجل التاريخ عدة شواهد كانت دلالة على السلطة التي باتت تتمتع به الدرعية في إقليمها، ففي رواية ابن بشر لمقتل زيد بن مرخان الذي سبق محمد بن سعود في السلطة، يقول أثناء سرده رواية الحرب بين الدرعية والعيينة أن قبائل عدة كانت في حلف الدرعية، وأن من قتلوا في كمين ابن معمر الذي نصبه لزيد والأعيان والمشائخ الذين رافقوه في تسلم العيينة من أميرها كانوا من مكونات مختلفة أبرزها آل سبيع وآل كثير. لم تكن هذه هي الحادثة الوحيدة التي اتضح فيها حجم النفوذ والتحالفات التي شكلتها الدرعية في محيطها، بل وأقدم على بناء علاقات مستقرة مع الإمارات المجاورة كما كان في حالة دعمه تعيين دهام بن دواس حاكماً على الرياض في الجنوب بعد أن استولى على الحكم ورفض أهلها إطاعته، ونجاحه في صنع استقرار في العلاقة مع العيينة.

السياقات التاريخية للتحالف الديني

يمكن من خلال ما سبق قراءة أبعاد قبلية وسياسة لقيام الدولة، التي شكلت السياق التاريخي لتكون أوجه الدولة الأولى من ضمنها دعوة محمد بن عبدالوهاب ذاتها، وأن الحركة والدور الذي أدته كانت نتاج مرحلتها التاريخية وتحولات السياق الاجتماعي الذي أنجبها، وليس العكس.

إذ امتد حكم الأمير محمد بن سعود 40 عاماً، من 1727 - 1765، مارس في جزئها الأول حكماً متفاوةً على إقليم العارض تجاوز به الدرعية بنفوذ على بلدات مجاورة، وقبائل موالية لآل مقرن، كما سلف ذكره.

أما الجزء الثاني فيمكن توثيقه من 1744، التاريخ لقاءه بمحمد بن عبدالوهاب، لبدء ما اصطلح على تسميته بعدها "حروب التوحيد" وامتداده إلى عُمان واليمن جنوباً وحتى العراق شمالاً، وهو ما تعتبره القراءة الكلاسيكية للتاريخ تأسيساً للدولة. لكن يغيب عن هذه القراءة العوامل التي جعلت نجاح الدعوة الدينية عن طريق محمد بن سعود ممكناً، في حين فشلت تجربته الأولى مع عثمان بن معمر في العيينة.

ففي تفاصيل ما نشره أحد أبرز المراجع في تاريخ البلاد، عثمان بن بشر، نجد تفاصيلاً لما قبل اللقاء. إذ يقول المرجع أن الشيخ الذي كان يقيم في حُريملاء، ثم انتقل إلى العيينة وعرض دعوته على أميرها عثمان بن معمر، والذي قبلها وتعهد بمناصرتها قبل أن يعود عن رأيه تحت ضغوط الكيان السياسي الكبير الحاكم  في الأحساء، الذين كان يمارس نفوذاً على سلطة ابن معمر في نجد، فطلب منه المغادرة إلى حيث يشاء.

 

أما التجربة الثانية فكانت في الدرعية التي انتقل إليها بعد أن استدعاه أميرها، محمد بن سعود، وهنا قدم ذات العرض ثم اتفاقا على حدود العلاقة بين الدين والدولة في الميثاق الشهير الذي يقول: "لذلك أراد ابن سعود أن يكون بينه وبين صاحب الدعوة عهداً وميثاقاً، فقال له يا شيخ إن هذا دين الله ورسوله الذي لا شك فيه، وأبشر بالنصرة لك ولما أمرت به والجهاد لمن خالف التوحيد، ولكن أريد أن أشرط عليك شرطين اثنين، الأول: نحن إذا قمنا بنصرتك والجهاد في سبيل الله وفتح الله لنا ولك البلدان، أخاف أن ترحل عنا وتستبدل بنا غيرنا"، إذ خشي محمد بن سعود أن ينتقل الشيخ إلى أمير آخر كما في حالة انتقاله من العيينة إلى الدرعية، "الثاني: إن لي على الدرعية قانوناً (أي ما يدفعه الضعيف إلى القوي ليحميه ويدافع عنه) آخذه منهم في وقت الثمار، وأخاف أن تقول لا تأخذ منهم شيئاً"، فقد عرف عن الشيخ تحريمه للضرائب، لكنه أجاب "أيها الأمير أما الأول فابسط يدك، الدم بالدم والهدم بالهدم، وأما الثاني فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات، فيعوضك الله من الغنائم ما هو خير منها. ثم بسط محمد بن سعود يده وبايع محمد بن عبد الوهاب….."، هنا ينتهي الاقتباس من كتاب تاريخ نجد لعثمان بن بشر.

وبعض النظر عن الخلاف التاريخي حول ما إذا كان الشيخ قد انتقل إلى الدرعية بقراره وعرض على الإمام دعوته، أم أن أميرها استدعاه، فإن النتيجة واحدة، إذ أن اختيار محمد بن عبدالوهاب عرض دعوته على هذه البلدتين من بين كل السلطات التي كانت قائمة في نجد سببها أنها كانت تملك مشروعاً سياسياً قائماً ولم تخلقه دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب من العدم. أمر آخر يمكن ملاحظته من الميثاق، وهو أنه كان اتفاقاً على حدود تدخل الدين في المؤسسة السياسية، بالإضافة إلى تفاصيل أخرى لها علاقة بتأكيد ولائه.

وعليه يمكن القول إن "اتفاق الدرعية" أتى في سياق تطور سياسي له أهمية، لكنه لم يكن خطوة معزولة عن تاريخه، بل نقطة تحول لأنه أعطى شرعية للتوسع، إلا أن اعتباره بداية التأسيس واستبعاد السنوات الـ17 التي سبقتها لصالح رواية ترى قيام الدولة في تاريخ آخر بدا وكأنه يهمل أهمية سنوات مهمة يمكن من خلال قراءتها فهم السياقات السليمة لتكون دولة في الجزيرة العربية بعد 11 قرناً من انتقالها إلى العراق والشام، بعيداً عن رواية اختزلت التأسيس عبر قصة دينية.

وقال الديوان الملكي في إعلان يوم التأسيس، أن عمر الدولة السعودية الأولى يمتد من 1927-1818، ثم تجددت بعد 7 سنوات في 1824-1891، لتعود في شكلها الثالث بعد 10 سنوات على يد الملك عبدالعزيز في 1902، والتي تحمل اسم المملكة العربية السعودية اليوم.