Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

يناير وفبراير شهران للتحلق حول الجدات وبدء الزراعة

هناك مئات الأمثال والقصص الشعبية والتراثية التي تتناولهما

يملك الفلاحون وأهل السواحل كثيراً من الحكايات التراثية المتعلقة بالحياة خلال فصول السنة (أ ف ب)

سكان بلاد المشرق العربي، سوريا ولبنان وفلسطين والعراق، يستمتعون بالفصول الأربعة على مدار السنة. وهذا أحد مميزات هذه المنطقة عن غيرها في العالم. وخلال ازدهار المجتمعات الزراعية قبل الثورة الصناعية، كانت الفصول مهمة جداً في حياة المزارعين والبحّارة في السواحل. فعبر تواليها يعرف هؤلاء متى يحرثون الأرض ومتى يزرعونها ومتى يقطفون الحصاد. بالتالي، متى يختبئون ومتى يحتفلون ومتى يخرجون إلى سفر أو يتاجرون ببضائعهم.

الحياة حول الفصول

يملك الفلاحون وأهل السواحل على حد سواء كثيراً من الأمثال الشعبية والحكايات التراثية التي تتعلق بالحياة اليومية خلال فصول السنة، وعلى رأسها فصل الشتاء الذي غالباً ما يكون قاسياً وشديداً وخصوصاً في الشهرين الأولين من السنة، أي يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط). ففي هذين الشهرين ينصرف الفلاحون وأهل السواحل إلى جلساتهم الطويلة حول الموقد والمدفأة ("الكانون" بالعامية). وحول الموقد تروى قصص الجدات، ويتم إخراج المؤونة التي كانوا قد أعدوها في الصيف، من التين المجفف والجوز واللوز والزبيب والكشك والزعتر والعدس والقمح والقورما (اللحم المنقوع بالدهون) والمربيات على أنواعها. وهذه كلها أكلات شتوية تمنح الدفء والغذاء، وتغني عن الخروج إلى التسوق والتبضع حين يكون الثلج مرتفعاً في الطرق وعند أبواب المنازل. وكان فؤاد إفرام البستاني قد نشر كتابه "أحاديث الشهور" في عام 1973، ويتناول فيه الأشهر ومعانيها وعادات أهل بلاد الشام خلالها وخصوصاً اللبنانيين القدماء. ومنه نستل هذه المعلومات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

شهر يناير هو لفظة سامية استعملها البابليون والآراميون للدلالة على الشهرين الشتويين. الأول وهو الأخير من العام، والثاني وهو الأول من العام التالي. وقال أبو منصور "هذان الشهران عند العرب هما الهرّران وهما قُماح وقِماح". أما أهالي بلاد الشام فيسمون هذا الشهر الثاني بـ"فحل الشتاء" بسبب الزمهرير والبرد ووفرة العواصف. وفي الشهرين هذين هناك "الأربعينية" أو "المربعانية". وهي عبارة عن أربعين يوماً شديدة البرودة. وفي هذه الأيام تكون الحراثة الأولى وغرس النصب. وقال المزارعون أن نصبات المزروعة في هذا الشهر تكبر أسرع من غيرها. وهم ينصحون بعدم السفر في مثل هذه الأيام، لا براً ولا بحراً. وذلك لأن "رياح كانون شيبت النسور في الجو" للدلالة على قوتها وصقيعها، أو في "كانون كتر (أكثِر) من الجمر بالكانون (الموقد)".

ويقول أهل الشام إن يناير هو الشهر الذي نتذكر فيه الفقراء الذين يعيشون في البرد بلا مأكل وملبس. فكان المثل الشعبي "في كانون كنّ (اختبئ) وعالفقير حنّ (إرأف)". وقد يقع القيظ في آخر أيام هذا الشهر، فتدب الحياة في عروق الأشجار ويزهر بعضها كاللوز. ولكن، تعود الرياح والأمطار فتٌسقط الزهر، فيقال "يا لوز يا مجنون بتزهر بكانون".

وصار يناير الشهر الأول في السنة الميلادية منذ تعديل "نوما" الإمبراطوري الروماني. وقد كان الشهر الحادي عشر قبل التعديل. ويقابله في السنة الغربية "جانفييه" بالفرنسية. ويستعمل هذا الاسم سكان شمال أفريقيا وغربها. ويسمى يناير في الأنغلوسكسونية، ويستخدمه أهل مصر وبلاد الخليج العربي. ومن اسمه اشتق اسم الإله يانوس لدى الرومان، الذي له وجهان واحد ينظر إلى الماضي والآخر إلى المستقبل. وينتظر ما يخبئه للبشر، وكأنهم يريدون القول إن الماضي هو الطريق إلى المستقبل. ولا وجود للحاضر لأنه يصبح ماضياً في كل لحظة. وفي هذا الشهر سقطت غرناطة آخر دويلات الأمويين في إسبانيا. وحين وقف خليفتهم الأخير أبو عبدالله الحادي عشر ابن أبي الحسن الغني بالله من ملوك بني الأحمر النصيريين، على أبواب غرناطة يبكيها راحلاً ومنهزماً، ردت أمه "ابك كالنساء بلاداً لم تستطع حمايتها كالرجال". ودعي المكان الذي بكى فيه "آهة المغربي الأخير" el ultimu suspiro del moro.

الشهر المتردد

أما بخصوص الشهر الثاني من السنة الميلادية، فبراير أو شباط، فقد خصه أهل الشام القدماء بمثل شعبي هو "شباط مهما شبط ولبط، ريحة الصيف فيه". فبعدما أزعجهم "فحل الشتاء" السابق ببرده وجليده وثلوجه وعواصفه، ها هو فبراير يصل ليكون محيراً لهم. فهو شتاء وصيف تحت سقف واحد. ففي أيام يكون شديد البرودة شتائي النزعة. وفي أيام أخرى تكون شمسه حارة وحامية. لذا، هو متقلب المزاج. وقد تم تشبيه الناس المترددين به، "شباط ما ع كلامه رباط"، أي لا يؤخد على أقواله فلا غيومه دليل مطر ولا شمسه دليل صحو وصيف. وهم يصبرون عليه، ريثما يصل الشهر التالي أي مارس (آذار). ومن بين ما يشاع عن هذا الشهر أنه عدو المسنين. ففي أيامه السبعة الأخيرة يبدو وكأنه يصل ليأخذ أرواح كبار السن لشدة برده. ولأنهم يعتقدون أن الربيع قد حل فيتخففون من احتياطاتهم في الدفء. لذا، تكدس المؤن فيه والملابس وكل ما يساعد المسنين على مصارعة البرد، حتى إذا ما مضى هذا الشهر وهلّ مارس، ارتاحوا منه ومن همومه. والأيام السبعة هذه تسمى المستقرضات، وقد عرفها العرب القدماء ويسمونها "أيام العجوز". ويقال إن هذا الاسم عند العرب آت من "العجز" أي آخر بيت الشعر"، وكانهم يكنون به عن آخر أيام فصل الشتاء. ولكن هذا البرد نفسه يجد فيه المزارعون أملاً كبيراً. فهو يمنع الحشرات المؤذية للشتول والنبات ويميت بيضها. وفي هذا الشهر تدب الحياة في العروق والغصون، لذا يمنع التقليم وتشذيب الأشجار خلاله، لأن فيه ضرراً كبيراً للثمار التي ستنعقد حين يصل الربيع.

وهناك مئات الأمثال والقصص الشعبية والتراثية التي تتناول هذين الشهرين، وكأن البرد و"الكنكنة" أي الاختباء، يجعلهما شهري الجدات اللواتي يتحلق حولهن الصغار ليقصصن عليهم الحكايات في القرب من الموقد ودفئه. وتنتقل الحياة من يناير إلى فبراير بين المزارعين وسكان البلدات الجبلية والساحلية. ففيه تتابع أعمال الزرع والحراثة، ويبدأ الملاحون على السواحل إصلاح قواربهم وتهيئة البضائع للسفر في الأشهر المقبلة.

الأشهر والفصول في العالم كله تجري فيها عادات وتقاليد معينة لدى سكان القرى والأرياف، خصوصاً وهي بمثابة روزنامة أو منبه للأحداث التي ستجري فيها. فهي تمثيل للحياة والموت، أو الانبعاث من الموت.

المزيد من منوعات