Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا يجري في الجزائر بشأن الحوار الفلسطيني؟

دخول القاهرة وعمّان على الخط قائم ومحتمل ومفاوضات مطولة مع كل فصيل قد تمتد لأسابيع عدة

"فتح" تعتقد أن "حماس" تفتقر النضج والموقف الموحد لبناء شراكة سياسية مشتركة (اندبندنت عربية)

مع بدء حوار الفصائل الفلسطينية في الجزائر سيعاد طرح إشكال التعامل الفلسطيني المستجد مع كل من مصر وروسيا والأردن وقطر لاحقاً، وهل ما يجري يعد خروجاً عن الإطار المتعارف عليه في ممارسة الأطراف الوسيطة الأخرى تجاه القوى الفلسطينية المختلفة، بخاصة وأن ما يجري في الجزائر ليس خروجاً عن الحوارات السابقة، والتي فشلت في تحريك المياه الراكدة بعد دخول الجزائر على الخط، ومحاولة لعب دور حقيقي خلال المرحلة المقبلة.

من الواضح أن المسؤولين بالجزائر يرغبون في الاستماع إلى مواقف الفصائل الفلسطينية كل على حدة، قبل بحث إمكان إطلاق مبادرة لتحقيق المصالحة، وقد وجهت الجزائر دعوات إلى حركات "فتح" و"حماس" و"الجهاد الإسلامي" والجبهتين الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين والجبهة الشعبية القيادة العامة.

آليات جديدة

ما بين وصول ممثلي الفصائل الفلسطينية إلى الجزائر وحضور وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة للقاهرة للحوار والنقاش مع مصر، كان التساؤل المهم ماذا عن طبيعة العلاقات المصرية - الجزائرية في الوقت الراهن، ولماذا يأتي لعمامرة  في هذا التوقيت مع تأكيد الطرفين على ثوابت العلاقات المصرية - الجزائرية والتي تتميز بالاستقرار، وعدم الاستقرار والتقارب والابتعاد في ملفات عدة منها الملف الفلسطيني نفسه، وملف  العلاقات الجزائرية - العربية، والتي حملت كثيراً من التفاهمات السياسية، وكثيراً من الأمور المتعلقة بطبيعة ما يجري في ملف التعاون العربي، فالجزائر حريصة على إنجاح القمة العربية المقبلة، وبالتالي فإن مدخل المقاربة الرئيس هو الملف الفلسطيني، وقد سبق للجزائر أن استقبلت الرئيس محمود عباس وتركيزها على أن السلطة الفلسطينية قادرة على الدخول في مفاوضات للحوار الفلسطيني، ولهذا كان الرد الفعل، وفي المقابل، من قبل باقي الفصائل الفلسطينية، التجاوب مع مسار التحرك اللافت للجزائر، وأعقبه  توجيه الدعوة إلى الفصائل والاجتماع في الجزائر.

مخطط استباقي

كان في مقدم الحضور وفد "حركة فتح" والذي قاده عضو المجلس الثوري للحركة عزام الأحمد بمشاركة عضو اللجنة المركزية محمد المدني ودلال سلامة، على أن يتبع الحضور بوفد من "حركة حماس" ثم "الجبهة الشعبية" فـ "الجبهة الديمقراطية"، وآخر الوفود التي تصل الجزائر ستكون "حركة الجهاد الإسلامي" نهاية الشهر الحالي.

ولم تقدم الجزائر أية تصورات مسبقة، وهو أمر طبيعي ومهم، وفي إطار كثير من الثوابت التي تتعامل فيها، بخاصة وأن الفصائل لديها أجندات مختلفة يمكن التحرك من خلالها ومن خلال ضبط المواقف، فـ "حركة حماس" ترفع شعار المصالحة الفلسطينية والدعوة إلى إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، فيما لا تزال "حركة فتح" تبدي كثيراً من الملاحظات على ما يجري في إطار جزء من المصالحة، وتمركز السلطة بخاصة وأن الطرف الجزائري يدرك أن هناك تبايناً في الرؤى والمواقف والبرامج الأمر الذي يحول دون التوصل إلى اتفاق كامل أو على الأقل مبدئي، بخاصة وأن محاولات دولة مهمة مثل مصر لم تنجح في كسر الفجوة الراهنة والانتقال من خطوة الموقف الراهن إلى الموقف الشامل وإنجاز المصالحة الكاملة، والتي يمكن أن تؤكد على ثوابت ما سيجري، بخاصة وأن مصر كانت وما زالت لديها الإمكانات والقدرات، وإن كان قطاع كبير في الفصائل، وليس "حركة حماس"، ركز على أن الأمر سيتعلق فقط بالمصالح الكبرى لـ "حركة حماس"، وأهمها رفع الحصار على قطاع غزة وبدء مشروع الإعمار والانتقال إلى مرحلة تالية، وهو الأهم في إطار لعبة التوازنات المهمة الراهنة، والتي لا تملكها حركة حماس فقط، بل أيضاً حركة فتح، بخاصة أن تسخين المشهد في القطاع والدخول في مواجهة جديدة لن يكون سهلاً، بل سيؤدي إلى نتائج خطرة ومهمة في المستوى السياسي، والذي يؤدي إلى مواجهات لن يكون فيها خاسر أو رابح، بل سيؤدي إلى مزيد من المواجهات الصفرية، إذ لا تريد "حماس" مواجهة جديدة، ولا تريد إسرائيل أيضاً مواجهة قد تؤدي إلى إفشال الحكومة وإعادة تشكيل ائتلافها أو الذهاب لانتخابات جديدة.

قيود وشروط

في هذا الإطار، فإن الجزائر قد يكون في مخططها الانتقال إلى الخطة "باء"، وهي البدء في اللقاءات والاتصالات، وترك الباب مفتوحاً أمام كل الخيارات والمواقف التي يمكن أن تشكل مدخلاً مهماً لما هو قادم من تطورات، بمعنى العمل على الأمرين، الأول الانفتاح على كل الفصائل، ومن جانب ثان العمل على خيار توحيد الصف أولاً، على الرغم من التأكيد على أن الجزائر ليست لديها خبرات سابقة في التعامل والتحرك على المسارات المطلوبة والمهمة التي قد تمثل قيداً رئيساً على ما يجري من تحولات حقيقية يمكن العمل من خلالها، بخاصة وأن الأمور معقدة والعمل على مسارات مصرية أو قطرية سابقة قد يكون مهماً للجزائر في استشراف ما يجري.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في المقابل، فضلت القاهرة تأييد ومباركة أي خطوة، كما أن روسيا دعت هي الأخرى إلى ممارسة دور الوسيط بين الفصائل، وهو ما قد يؤدي إلى تبعات متعددة في حال فشل ما يجري في الجزائر من خطوات راهنة، ويدفع إلى مزيد من التأزم فلسطينياً.

وقد وصل الأمين العام للجبهة الشعبية - القيادة العامة طلال ناجي إلى الجزائر في الـ20 من الشهر الحالي، لإجراء محادثات مع الفريق الجزائري المكلف بملف المؤتمر الفلسطيني الجامع، على أن تكون له سلسلة لقاءات مع مسؤولين وقيادات جزائرية.

واجتمع ناجي مع بقية قيادات الفصائل في جولة أولى سيكون الهدف منها سماع آراء ومواقف الفصائل الخمسة قبل الوصول إلى المؤتمر الجامع الذي ينتظر أن يكون بإشراف مباشر من الرئيس عبدالمجيد تبون، ويتوقع أن يكتمل حضور الفصائل في الجزائر بنهاية فبراير (شباط) المقبل على أقصى تقدير.

مشكلات قائمة

في هذا الإطار، فإن الجزائر أمامها مسارات عدة للتحرك، الأول العمل على تقريب وجهات النظر الأولية للفصائل، وسيحتاج هذا الأمر إلى جهد كبير ربما يتجاوز الإعداد، فالقمة العربية المقبلة إن تمت في توقيتها ستحتاج إلى مزيد من الوقت والجهد لإتمام ذلك، بخاصة مع احتمال رفض بعض الأطراف ما سيجري، وسيؤدي ذلك إلى مزيد من التأزم  المحتمل، وسينعكس على مسارات الحركة الجزائرية في القمة العربية، مع احتمال حدوث انقسام سياسي وارد، وقد يكون لهذا تداعيات عدة على الداخل الفلسطيني، وسيكون له انعكاساته المباشرة على ما يجري.

والثاني محاولة توسيع دائرة النقاش والعمل من خلال إشراك الجانب المصري مباشرة في الخطوات المقبلة بعد أن تنتهي الاتصالات والمشاورات، وربما أيضاً الأردن بهدف التأكيد على وجود الأطراف العربية المباشرة بتنسيق الدولة التي ستستضيف القمة المقبلة، وهو أمر وارد في ظل استمرار التنسيق المصري - الجزائري في ملفات أخرى، منها الملف الليبي تحديداً، وفي إطار دائرة عربية مهمة يمكن البدء بها، ولكن سيكون للقاهرة في هذا الإطار تحفظات عدة على المسار الذي يمكن للفصائل أن تمضي فيه، بخاصة وأن مصر ماضية بعزم في ملف الإعمار في القطاع، وقد دخل المرحلة الثانية، ولكن وفي ظل ما يجري فإن أي تحرك مصري سيكون استباقياً في التعامل مع السلطة الفلسطينية بواقعها الراهن، بخاصة وأن التحرك تجاه الجانب التركي تارة وتجاه خيارات دولية مثل روسيا لممارسة دور الوسيط المستجد، مما قد يؤدي إلى تبعات مختلفة ويعرقل بعض الأمور.

الخلاصات

ما زال طريق المصالحة الفلسطينية وعراً ويحتاج إلى خطوات هيكلية وحقيقية ومرحلية، وليس مراقبة من بعد، وهو أخطر ما قد يواجه الجزائر التي لا تملك قدرات كاملة، وجهدها عام وسبق وأن أبدت من قبل خطوات مشابهة من دون أن تقوم بها على الرغم من علاقاتها الوطيدة بكل الأطراف، ولكن هذا الأمر غير كاف في ظل تعدد الوسطاء وتدخل أطراف أخرى على الخط، الأمر الذي سيؤدي إلى مزيد من التعقيد في حال عدم التوصل إلى حل حقيقي أو فاعل، إذ ستدخل إسرائيل على خط المواجهة وسيكون لها دورها الرئيس في المتابعة والإقرار بسياسات مختلفة، وفي ظل واقع فلسطيني يتشكل، والقضية المركزية ليست فقط تحقيق مصالحة، وإنما العمل معاً للتوصل إلى صيغة يمكن البدء بها في المديين القصير والمتوسط.

ومن حق الجزائر أن تدخل على خط أي أزمة ترى أنها قادرة على حلها، لكن إذا أرادت التوصل إلى تسوية فعليها الوقوف على الأسباب التي أدت إلى فشل القاهرة في عدم نجاح حوارات إنهاء الانقسام بين حركتي فتح وحماس.

المحصلة النهائية أن الجزائر تملك إمكانات نظرية جيدة ولها حضورها العربي الكبير، ولكن هذا ليس بكاف في إطار ما يمكن أن يتم في الفضاء الفلسطيني الكبير والمتسع، والذي يشمل كثيراً من الإشكالات التي تحتاج إلى معالجات عدة، وسيبقى التصور المطروح والمحتمل أن تُدخل الجزائر مصر على مسار ما يجري، ولكن الأمر سيحتاج إلى مقاربة حقيقية مختلفة قد تقدم عليها الجزائر إن خلصت نيات وتوجهات الفصائل الفلسطينية، مع التوقع بوجود تربص إسرائيل بما يجري من تطورات قد تمس الضفة  والقطاع، على اعتبار أن تكريس سياسية الأمر الواقع مصلحة إسرائيلية حقيقية تعمل عليها في المدى الطويل، وسيظل التحرك الجزائري مفتقداً لكثير من الآليات التي تساعده في تحقيق تقدم، لأن كل طرف فلسطيني تجاوب معها لديه حسابات بعيدة تماماً من التوصل إلى مصالحة مستقرة.

المزيد من تحلیل