Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إسرائيل تمنح الأفضلية لسلاح الجو والقوات البرية في حالة ضعف

الجدل لا يزال قائماً بين الجدوى العسكرية بعد نجاحه في "حرب لبنان الثانية" على حساب الأخيرة

مقاتلات من سلاح الجو الإسرائيلي   (أ ف ب)

"حرب غير مسبوقة. وآليات حربية ستفاجئ العدو وخطة تضمن التفوق للجيش الإسرائيلي، بحيث تنتهي المعركة في أسرع وقت ممكن وبتنفيذ أكبر عدد من الأهداف".

 هذه هي الصورة الأولية التي يرسمها العسكريون الإسرائيليون والتقارير الأمنية، عندما يجري الحديث عن سيناريو نشوب حرب في المنطقة، خصوصاً تجاه "حزب الله" في الشمال، أو حرب تبدأ بقصف منشآت نووية في إيران فيتدخل "حزب الله" و"حماس" ومن تعدهم إسرائيل أنصار إيران في المنطقة وتتحول إلى حرب شاملة.

 إذا ما استعرضنا تصريحات المسؤولين العسكريين والسياسيين والتقارير الصادرة عنهم بشأن طبيعة الحرب المقبلة، فتظهر إسرائيل أنها حتماً منتصرة وبأن تحقيق الهدف في أسرع وقت ممكن هو الهدف الأسمى، الذي تقع مسؤوليته على سلاح الجو. وبالاطلاع على تقارير قياديين سابقين من المؤسستين العسكرية والأمنية وحتى السياسية وكذلك التقارير الرسمية الصادرة عن مكتب مراقب الدولة فتبدو الصورة مختلفة، لكن يبقى، بالنسبة إلى إسرائيل، أن سلاح الجو هو مصدر القوة الأهم والرئيس في أي حرب مستقبلية، وصاحب الأفضلية عن سلاحي البرية والبحرية، على الرغم من أنه في مختلف السيناريوهات التي يتحدث عنها إسرائيليون سيكون هناك دور كبير لسلاحي البر والبحر.

في بحث موسع للنائب السابق لرئيس معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، "ايتي برون"، الذي تبوأ مناصب بحثية واستخباراتية خلال فترة خدمته في الجيش، خصوصاً الاستخبارات العسكرية، اعتبر "أن السياسة التي تتبعها إسرائيل في كل ما يتعلق بالتعامل مع سلاح الجو ومنحه الأفضلية عن سلاحي البر والبحر، قد لا تحقق الهدف المنشود".

 البحث، الذي نشره في كتاب، تطرق خلاله بإسهاب إلى معظم الفترات الزمنية التي خاضت فيها إسرائيل حروباً مع جاراتها، يُظهر خيبات الأمل من سياسة تفضيل سلاح الجو، لا سيما عندما يتطرق إلى حرب لبنان الثانية عام 2006.

 في حينه، أظهرت القيادة العسكرية تردداً كبيراً إذا ما ستخوض معركة برية أم لا؟ المتابعون لتلك الحرب لم يدركوا في حينه السبب في ذلك وإذا ما كانت القيادة تدرك أن سلاح البر في إسرائيل ضعيف إلى حد أن الفشل سيكون أمراً حتمياً أم أن العقلية العسكرية الإسرائيلية التي تبقى سيدة الموقف عند كل حرب خاضتها إسرائيل، بأن سلاح الجو هو الحاسم في أي معركة؟ ومهما كانت السيناريوهات هي التي حسمت في قرارات حرب لبنان.

 بالنسبة إلى "برون" فإن حرب لبنان الثانية كانت مثالاً صارخاً لسياسة إسرائيل بتفضيل سلاح الجو، لكن تداعيات هذه السياسة ما زالت حتى اليوم، من حيث النقاش العاصف الذي شهدته إسرائيل بعد انتهاء الحرب التي شكلت "خيبة أمل" كبيرة، حول كل ما يتعلق بالمفهوم الإسرائيلي للقتال ومكانة سلاح الجو وقوته العسكرية.

بين السياسيين والعسكريين

 في إسرائيل، ومنذ سنوات يُطرح السؤال: من صاحب الرأي الحاسم في كل ما يتعلق بالسياسة العسكرية الخارجية؟ هل هي المؤسسة العسكرية أم السياسية؟ الجواب متعلق بأي فترة ومن هم القياديون السياسيون ومدى علاقتهم بالقياديين العسكريين. ولكن في معظم الحالات يرضخ السياسيون لضغوط العسكريين تحت عنوان "من أجل ضمان أمن إسرائيل وتفوقها العسكري".

 ولكن، وبحسب ما يرى برون في الكتاب الذي يشمل البحث فإن القيادة السياسية، وفي معظم الأوقات تتماثل والموقف العسكري ودعمه، حتى إنها "واظبت على موقف العسكريين بتفضيل سلاح الجو ورصدت له موارد كثيرة حتى حصل في معظم الوقت على أكبر ميزانية عسكرية".

 لكن في مقابل هذا، يشير برون إلى "أن نقاشاً يدور داخل المؤسسة العسكرية نفسها حول الموضوع، وفي بعض الأحيان أبدى المستوى العسكري شكوكاً كثيرة حيال القدرات العسكرية لسلاح الجو، لكن هذا لم يمنعه من تقديم كل الدعم لتطويره وتعزيز قدراته، بل إن هناك عنصراً ذا أهمية كبرى في كل ما يتعلق بالدعم المقدم لتعزيز القدرات العسكرية، أدرك كيفية استغلالها في الحروب والعمليات العسكرية التي تنفذ منذ سنوات في المنطقة الشمالية تجاه سوريا، وتطلق عليها إسرائيل (المعركة بين الحربين)".

 إرغام العدو على إنهاء القتال

 أحد أهم ما تتضمنه الخطط العسكرية التي وضعها الجيش للحرب المقبلة، هو تحقيق الهدف خلال فترة زمنية قصيرة من خلال قصف مكثف ومتواصل وبآليات مدمرة ودقيقة ما يؤدي إلى القضاء على البنى التحتية ومن ثم تحقيق بنك الأهداف "إلى أن يصل العدو إلى وضع يرغمه على إنهاء القتال"، وهو موقف سبق وطرحه قائد سلاح الجو، عميكام نوركين وتطرق له برون في بحثه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 وفق نوركين "فإن الهدف من سياسة (الضربات المتواصلة) هو ضمان القضاء على قدرات وفاعلية عمليات العدو، إلى أن يصل إلى وضع يطلب فيه الموافقة على إنهاء الحرب بأسرع ما يمكن".

 برون، يرى تصريحات بوركين انعكاساً لسياسة أفضلية سلاح الجو بحيث يتولى المسؤولية الأولى والأهم والحاسمة في أي حرب تخوضها إسرائيل. يقول "القوة الجوية تشكل العنصر المركزي لطبيعة الحرب التي سيكون القصف الجوي أحد أبرز عناصرها ليس فقط من أجل تنفيذ القصف، بل لجمع معلومات استخباراتية دقيقة".

 وتطرق البحث إلى الأسباب التي أدت إلى تفضيل القوة الجوية لدى متخذي القرار في إسرائيل عبر سنوات طويلة. واستخلص برون "أن هذا الموقف نتيجة تغيرات اجتماعية وسياسية رافقتها تطورات تكنولوجية، في موازاة مميزات جديدة للحرب ولطبيعة الأعداء الذين تواجههم إسرائيل والتحديات المحدقة بها".

 النتيجة العكسية

 ما استخلصه البحث ولم يلتفت إليه القياديون ومتخذو القرار بكل ما يتعلق بتعزيز القدرات العسكرية الجوية، هو أن الاهتمام الإسرائيلي بإبراز القدرات العسكرية الجوية ومن ثمّ ممارستها على أرض الواقع، خصوصاً في قصف أهداف تابعة لإيران ولحزب الله في سوريا في المعركة التي تطلق عليها إسرائيل (المعركة بين الحربين)، دفع الطرف الآخر إلى بلورة جديدة لمفاهيم القتال، وبالتالي بناء قوته العسكرية واستعداداته لممارسة هذه القوة أمام سلاح الجو الإسرائيلي في أي حرب مقبلة".

 يقول برون، "يتم التعبير عن ذلك من خلال تشديد أعداء إسرائيل المتواصل على مفاهيم دفاعية، والتسلح بأسلحة دفاعية وبناء منظومات دفاعية، والثاني إلى جانب ابتكار العدو حلولاً هجومية سواء في الآليات الحربية والأسلحة أو المفاهيم القتالية لمواجهة سلاح الجو الإسرائيلي وتفوقه".

حرب تموز 

 جاء الكتاب في تسعة فصول، السابع منها تحدث بإسهاب عن حرب لبنان الثانية، والثامن عن المفاعل النووي في سوريا وعن إيران والمعركة بين الحربين.

 حول حرب لبنان الثانية (حرب تموز) أبرز برون الإرباك وعدم الحسم في اتخاذ القرار بكل ما يتعلق في كيفية إدارة الحرب. يقول "إن الإسرائيليين قرروا بداية شن حرب رادعة وغير حاسمة، لكنهم لم يتخذوا كل استعداداتهم لمثل هذه الحرب، ولا حتى بلورتها بالشكل الذي يضمن التفوق بها". ويشير إلى أن أداء جميع المستويات العسكرية والسياسية والأمنية لم يتناسب وهذه الحرب، حيث كُشفت فجوات كثيرة انعكست من خلال خطابات إشكالية ومتناقضة أدت بالتالي إلى اتخاذ قرارات خاطئة، وبعد الحرب كانت خيبة الأمل كبيرة من الجيش ومتخذي قرار هذه الحرب.

 الكتاب أبقى سؤالين مفتوحين طالما تطرق إليهما كثيرون من الأمنيين والعسكريين والسياسيين السابقين في إسرائيل، كما تطرقت إليه بإسهاب تقارير مراقب الدولة، يتبلور الأول في إذا ما كان سلاح الجو قادراً على مواجهة التحديات المتوقعة والمحدقة بإسرائيل إزاء التطورات الكبيرة والسريعة للقدرات العسكرية للطرف الآخر، في مقابل عدم استعداد الجيش لخوض حرب "من نوع آخر" كما يصفها الإسرائيليون؟ والسؤال الأخير والأهم هل سيكون سلاح الجو قادراً على مواجهة التحديين المتوقعين في السنوات القريبة، حرب مع إيران وأخرى واسعة مع سوريا ولبنان؟

 عملياً السؤال الأخير يقض مضاجع كثيرين من الإسرائيليين الذين يدركون حقيقة القدرات العسكرية للجيش الإسرائيلي، ويعرفون أنه لا يمكن أن يكون سلاح الجو وحده قادراً على خوض الحرب وحسمها، وإن اختلف المسؤولون في هذا الشأن إلا أن التقارير الرسمية وتقارير مراقب الدولة تحذر من عدم استعداد الجيش لخوض حرب مستقبلية.

المزيد من متابعات