Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما الذي حمله اجتماع "أصدقاء السودان" الأخير بالرياض؟

تجاوز إجراءات 25 أكتوبر وتعامل معها كأمر واقع مفروض وأكد دعم جهود البعثة الأممية للمرحلة الانتقالية

مجموعة "أصدقاء السودان" أثناء اجتماعهم بوزارة الخارجية السعودية (الحساب الرسمي لرئيس بعثة الأمم المتحدة بالسودان فولكر بيرتس)

تأسست مجموعة "أصدقاء السودان" بعد بضعة أسابيع من التغيير في 11 أبريل (نيسان) 2019، وظهرت إلى الوجود بمبادرة أوروبية – أميركية مشتركة لتوسيع مجموعة الترويكا التي تضم كلاً من الولايات المتحدة وبريطانيا، والنرويج التي ظلت فترة طويلة تقود التعبير عن موقف الدول الغربية تجاه السودان، وتطورات الأوضاع فيه منذ بدء الفترة الانتقالية لاتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) 2005. وواصلت لعب الدور ذاته بعد تقسيم البلاد وانفصال جنوب السودان.

عقدت المجموعة منذ تأسيسها عدداً من الاجتماعات، أبرزها الاجتماع الأول كان في واشنطن في 17 مايو (أيار) 2019، والثاني في برلين في يونيو (حزيران) 2019، والثالث في مقر الاتحاد الأوروبي ببروكسل في يوليو (تموز) 2019، والرابع في واشنطن في أكتوبر 2019، والخامس في الخرطوم في ديسمبر (كانون الأول) 2019، والسادس في استوكهولم في فبراير (شباط) 2020، والسابع في باريس في مايو (أيار) 2020، والثامن في يونيو 2020، والتاسع في الرياض في أغسطس (آب) 2020، ثم أخيراً عُقد الاجتماع العاشر في الرياض أيضاً في 18 يناير (كانون الثاني) 2022.

شهدت عضوية المجموعة تزايداً من ناحية عددية نوعية، بدأت بعضوية من بعض الدول الغربية الرئيسة، ثم ضمّت عدداً من الدول العربية هي السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر وقطر والكويت، إضافة إلى إثيوبيا. ثم ضمت لاحقاً دولة آسيوية واحدة هي اليابان، كما انضمت دول أوروبية أخرى مثل إيطاليا والسويد وهولندا. والتحقت بها أيضاً مجموعة من المنظمات والمؤسسات الدولية، منها الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

ويُلاحظ أن عضوية المجموعة لم تضم الصين، أو روسيا، على الرغم من وزنهما دولياً وعلاقتهما بالسودان، فضلاً عن عضويتهما الدائمة في مجلس الأمن الدولي.

صيغة شراكة جديدة

قال خالد التيجاني، رئيس تحرير صحيفة "إيلاف" السودانية، "أتى اجتماع (أصدقاء السودان) في الرياض، بهدف دعم العملية السياسية أو المشاورات السياسية التي تقوم بها الأمم المتحدة بقيادة ممثل الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان (يونيتامس)، فولكر بيرتس. وكان قد عُقد الاجتماع السابق وهو الأول في الرياض في أغسطس 2020 بغرض التعهد بدعم اتفاقية سلام جوبا".

وأشار التيجاني إلى أن "الاجتماع أتى بتأكيد ما هو مؤكد وما قامت به هذه الدول في وقت سابق، وتأكيد بيانات صدرت سابقاً بحضور المجموعة الرباعية (السعودية والإمارات وأميركا وبريطانيا)، ومن قبل صدر عن المجموعة بيان أكدت فيه موقفها. وهناك أيضاً بيان من دول الترويكا (أميركا والنرويج وبريطانيا) أيّدوا ذلك".

وأوضح، "الاجتماع عبارة عن حشد تأييد لحراك بيرتس وفق المقترح الأميركي لتجاوز الأزمة السياسية الراهنة في السودان. وفكرة الاجتماع الأساسية قائمة على إيجاد صيغة جديدة للشراكة المدنية العسكرية، فعلى الرغم من بعض الإدانات لما اعتُبر انقلاباً في 25 أكتوبر، إلّا أن المجتمع الدولي ظل حريصاً على الشراكة، وعلى وجود العسكريين طرفاً في المعادلة السياسية في أثناء الفترة الانتقالية، لذلك رعى اتفاق 21 نوفمبر (تشرين الثاني) بين الفريق عبد الفتاح البرهان وعبدالله حمدوك".

وبيّن، "أهم ما في اجتماع الرياض أن تحرك المجتمع الدولي عموماً سواء كان تحركاً على مستوى الكتل منذ البداية أو مجموعة أصدقاء السودان، تجاوز إجراءات 25 أكتوبر وتعامل معها كأمر واقع مفروض والآن يتعامل مع نتائجها، أي أنه لم تعُد هناك إشارة للعودة إلى ما قبل ذلك التاريخ وليس هناك حديث عن موضوع الوثيقة الدستورية، التي تم تجاوزها تماماً لأن ليست لها قيمة إلا بوصفها تعبيراً قانونياً عن الاتفاق السياسي بين المدنيين والعسكريين، بالتالي هذه عملية لمعالجة الوضع بتسوية سياسية جديدة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هدفان أساسيان

أكد التيجاني أن "أهداف الترويكا هي لعب دور نيابة عن المجتمع الدولي في إدارة العملية السياسية منذ نيفاشا، وبعد سقوط النظام السابق، عملت على هدفين أساسيين، الأول متعلق بالعملية السياسية التي انتهت إلى الشراكة المدنية - العسكرية، ودعم التحول إلى المسار الديمقراطي، لكن في النهاية فرضت دول الترويكا مساراً معيناً لتغليب الاستقرار في السودان، وهو يأتي من أهميته لهذه الدول، فالولايات المتحدة مشغولة بقضايا الإرهاب، والاتحاد الأوروبي مشغول بقضايا الهجرة، ولذلك فإن أي فكرة عن الاستقرار لا تخرج ولا يمكن أن تحدث إلا بدور أساسي للعسكريين في إدارة البلاد. ولذلك جرى التغاضي عن أمور أساسية، بما فيها قضية التحقيق في أحداث الاعتصام وغيرها".

وتابع، "أما الهدف الثاني وهو الأكثر تأثيراً في المشهد السوداني، فهو ما يتعلق بالاقتصاد، إذ جرى في الاجتماع الرابع في واشنطن تحديد كيفية عملية الإصلاح الاقتصادي وفق برامج صندوق النقد الدولي ومراقبته، بالتالي فُرض مسار التحرير الاقتصادي القاسي الذي اتبعته حكومة حمدوك خلال العامين الماضيين. واعتُبر شرطاً لتقديم مساعدات وإعفاء الديون وغيرها".

وأضاف، "لم يكُن للحكومة الانتقالية أي برامج بهذا الخصوص غير تبنّي سياسة التحرير الاقتصادي الكامل، فصاغ وزير المالية الأسبق إبراهيم البدوي مشروع الموازنة 2020 التي قُدّرت على أساس هذه المساعدات، التي من المفترض أن تكون 5 مليارات دولار، لكن لم يحصل السودان على شيء لتنفيذها".

كما قال "كان هناك شرط لعقد مؤتمر برلين، وهو أن تعقد الحكومة الانتقالية اتفاقاً مع صندوق النقد الدولي لعملية الإصلاح الاقتصادي، مقابل حصول السودان على تعهدات بـ 1.8 مليار دولار، وهو مبلغ ضئيل بالنسبة إلى حاجات البلد. وثلث المبلغ عبارة عن مساعدات إنسانية كانت تُدفع من الأمم المتحدة حتى في ظل نظام البشير، وثلث آخر من المفترض أن يدخل مشاريع تنموية، لكن حتى اليوم لم يتم تنفيذها، وثلث أخير من المفترض أن يكون من نصيب برنامج الحماية الاجتماعية لدرء الآثار الناتجة من برنامج الإصلاح الاقتصادي، وهو ما عُرف بـ’مشروع ثمرات‘، لكنه تعثّر".

تعهدات معلقة

وأرجع التيجاني فشل حكومة حمدوك إلى "الوعود التي قطعتها مجموعة أصدقاء السودان، ولم توفِ ببعضها بينما أوفت ببعضها الآخر بصورة انتقائية. وهذا ما أدى إلى أن من يدفع الثمن الحقيقي لما يُعرف بالإصلاحات الاقتصادية هو المواطن السوداني، فعانى من ارتفاع سعر العملة والتضخم من دون دعم حقيقي، وهذه المرة الأولى في التاريخ، التي يقوم فيها بلد ما بإصلاحات اقتصادية من دون دعم مالي مباشر، مما تسبب في تكلفة اجتماعية عالية".

وأوضح، "لم تلعب مجموعة أصدقاء السودان دوراً في قضية إعفاء الديون، على الرغم من تأهيل السودان لذلك منذ عام 2012، نتيجة لاشتراطات صندوق النقد الدولي بتطبيقه ’استراتيجية مكافحة الفقر‘ منذ 2011، ونفذ منها نحو 14 برنامجاً بدرجة عالية لمدة 17 عاماً، ولمّا انفصل جنوب السودان عام 2011 جرى الاتفاق على الترتيبات المالية الانتقالية، وهي متعلقة بماذا يحدث لتركة السودان الاقتصادية وفقاً لقضية الديون".

وتابع، "كان تقسيم تلك التركة بأن تمسك الجنوب بالنفط، وأُعطي السودان بعض التعويض، لكن لم يتم الاتفاق حول الديون التي كان من المفترض أن تقتسمها دولتا السودان وجنوب السودان، فاقترح المجتمع الدولي ’الخيار الصفر‘، وهو أن تأخذ دولة السودان كل ديون السودان القديمة على أن يتم إعفاؤها خلال عامين وفق مبادرة ’هيبيك‘ على حسب وعد المجتمع الدولي، لكن ذلك لم يحدث".

وبيّن أن "صندوق النقد الدولي يرى أن السودان مستوفٍ للإعفاء من ناحية فنية، لكن لا بد من الحصول على صوت واشنطن المرجح، ويتعلق ذلك بالعلاقات السودانية الأميركية التي تحسّنت بعد دفع الخرطوم تعويضات المدمرة كول وتفجير السفارتين في دار السلام ونيروبي، ثم رفعت العقوبات وسحب اسم السودان من الدول الراعية للإرهاب". كما يرى أن "البنك الدولي لم يوفِ بما تعهد به من مساعدات عبارة عن ملياري دولار، كما جمّد برنامج ’ثمرات‘ الموجّه للفقراء بعد إجراءات البرهان في 25 أكتوبر. وذلك ما أدى إلى تعقيد الأوضاع الانتقالية وإفشال حكومة حمدوك سياسياً واقتصادياً، إضافة إلى الأسباب الموضوعية الداخلية التي أسفرت عن هذا الصراع".

بر الأمان

من جانبه، رأى الأستاذ في الجامعات السودانية سعد الكرم أن "المكاسب الاقتصادية التي حققها السودان خلال العامين الماضيين هي استئناف الدعم من مؤسسات التمويل الدولية، الذي كان متوقفاً لثلاثة عقود، وانفتاح البلاد على المجتمع الدولي. وعلى الرغم من أن النتائج ليست مرضية بالكامل، إلا أن الطريق الآن مفتوح أكثر من أي وقت مضى لإعفاء الديون وعقد شراكات استثمارية في مجالات اقتصادية عدة. وحتى لو حُفّت هذه الشراكات ببعض الإخفاقات، فهي نتيجة لما جرى تدميره في ظل النظام السابق".

وأوضح الكرم، "ما يجب تداركه هو تطبيق إصلاح اقتصادي قائم على الموارد، لكن ذلك يتطلب استقراراً سياسياً يخرج السودان إلى بر الأمان. ويتعلق ذلك بتحديد أولويات الحكم، ووضع استراتيجية سياسية واقتصادية مناسبة للفترة الانتقالية".

وأضاف، "على الرغم من قِصر المدة المتبقية من الفترة الانتقالية، فإن هذه السياسات يمكن أن تؤسس لنظام حوكمة راسخ، وإصلاح القطاع العام وما لحق به من ترهل، وتنظيم القطاع الخاص ونظام الاستثمار، الذي أصبح طارداً، بما يمكن أن يحقق نموذجاً جديداً لسياسات التنمية في المنطقة".

آمال عريضة

توقعات كبيرة وآمال عريضة تلوح عند انعقاد كل اجتماع لمجموعة "أصدقاء السودان"، وفي هذه المرة فإن اجتماع الرياض الذي جاء بيانه الختامي مؤكداً دعم جهود البعثة الأممية للمرحلة الانتقالية في الخرطوم، وتعزيز التنسيق المشترك لدعم الجهود التي تضمن الانتقال السلمي السياسي في  السودان، ربما تزيل الصورة القاتمة التي ظلت التحدي البارز للفترة الانتقالية والتي تعكس الصراع السياسي بين المدنيين والعسكريين، والمعاناة الاقتصادية التي يتكبّدها السودانيون.

وما التأكيد على الهدفين السابقين إلا لدحض الاعتقاد بوجود حلول سحرية للمشكلة السودانية، وأن المساعدات والمعونات ناجحة على الدوام، فعلى الرغم من أهميتها، فإنها ترتبط بخصوصية البلاد ونوعية المساعدات التي تحتاج إليها، والتي تتدرج من الفنية إلى المالية المباشرة. وذلك ما يحفز على اجتراح حلول أخرى تتعامل فيها الحكومة السودانية مع برنامج المساعدات الخارجية بوصفها معيناً فقط، لكنها ليست حلاً جذرياً للمعضلات السياسية والاقتصادية في البلاد.

المزيد من تقارير