Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الجدل الذي لن يتوقف حول شكل العالم

تريد واشنطن تكرار الاستراتيجية نفسها التي طبقتها مع موسكو دون إدراك أن الخصم الصيني والأوضاع الدولية الراهنة أكثر تعقيداً واختلافاً

توالت الإمبراطوريات عبر التاريخ الذي كان سجالاً بين مراحل تسودها قوة واحدة أو تنافس بين قوتين (أ ف ب)

لم يتوقف الجدل في الماضي، ولن يتوقف في الحاضر والمستقبل عن محاولة تفسير في أي عالم نعيش، وذات العنوان يحتمل كثيراً من المعاني، البشر والتكنولوجيا، أنماط التفاعلات الاجتماعية والكثير والكثير.

ومن بين هذا الكثير جدل متصاعد حول شكل المجتمع الدولي، وهو ليس إلا جزءاً من شكل العالم، لكنه مؤثر للغاية في حياة الشعوب والدول، وستكون له انعكاسات ضخمة على بقية جوانب الحياة، وقد كتب الكثير هنا، وفي منابر أخرى عن محاولات استشراف هذا المستقبل في العلاقات الدولية، وزادت وتيرة هذا في ضوء جدل دائر حول صعود الصين، وما إذا كان شيئاً يمكن أن يهدد صدارة الولايات المتحدة لهذا العالم.

معان عديدة للجدل

النقاش حول هذا الأمر هنا وفي محافل فكرية وأكاديمية يدور حول كثير من الأبعاد والتفاصيل، لكن ثمة بعض الهوامش بخصوص هذا الجدل، وكيف أنها في ذاتها، أي هذه الهوامش، حافلة بكثير من الدلالات والأهمية.

ومن البديهيات أولاً أهمية هذه القضية، لكي تبني الدول سياساتها، وتحافظ على مصالحها الخارجية، وأحياناً بقائها. وربما كان أول هذه الهوامش أن التطورات والتفاعلات الدولية ذاتها خادعة، وقد تؤدى إلى تباينات شديدة في الحسابات والتوقعات، فعقب انهيار الاتحاد السوفياتي والكتلة الشيوعية، كانت بعض الحسابات تتحدث عن عالم متعدد الأقطاب، وبشكل خاص الصعود الملحوظ آنذاك للاتحاد الأوروبي، وكانت الولايات المتحدة بحاجة إلى غزو العراق للكويت فقط، لتبين أي عالم فعلي كنا نعيشه آنذاك، وأننا نعيش عالم القطب الواحد المهيمن، لكن قلة من الساسة والباحثين نظروا إلى هذه الأوضاع كأوضاع انتقالية، وأن هذه الهيمنة مؤقتة، وكانت أحداث سبتمبر (أيلول) 2011، ثم غزو أفغانستان الذي أيده العالم، ثم بدأت الأمور تأخذ شكلاً مغايراً مع الغزو الأميركي للعراق، بما أثاره من معارضة ورفض كاشف على أن جزءاً كبيراً من العالم لا يريد أن يتبع واشنطن في كل ما تريده، لكن دون أن ننسى أن أحداً أيضاً لم يستطع منعها من فعل ما تريده، وهو هذا الغزو.

هذه المفارقة هي في ذاتها تفسر رحلة هذا التطور من هيمنة وتحكم في العقد التالي لسقوط الشيوعية، إلى تصدر وهيمنة دون قدرة على فرض إرادتها إلى مرحلة تالية حالية تتصدر، لكنها لا تهيمن، وخلال هذه الرحلة يمكن للمراقب أن يرصد بوضوح أنه لا الساسة ولا المراقبون داخل الولايات المتحدة وخارجها بتنويعاتهم متفقون بشأن ما حدث، ويواصل التبلور من تراجع متواصل في مكانة بلادهم الدولية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إدمان العقل البشرى للتنميط

أما الهامش الثاني وربما الأكثر أهمية فهو ميل العقل البشرى إلى تنميط ما يراه أمامه في ضوء النماذج التاريخية، ونستطيع أن نرصد هذا اليوم في أكثر من بعد، أولها يتعلق بكيفية بناء الولايات المتحدة استراتيجيتها في شأن تعويق صعود مكانة الصين دولياً، والبعد الثاني يتعلق بتنميط طبيعة الأوضاع الدولية في ضوء تاريخ العلاقات الدولية.

ولكى نبسط الأمور ونبدأ بالأمر الأول، فإنه من المدهش مقارنة خطة الولايات المتحدة الراهنة مع خطتها السابقة، فهي تطور من تحالفاتها في الشرق الأقصى، وتحاول تطويق الصين بشكل مشابه بدرجة كبيرة لما حدث مع الكتلة الشيوعية، وتتذبذب بنفس النهج السابق ما بين حملة مُبالغ فيها، للحديث عن مخاطر هذا النمو الصيني إلى تسخير الآلة العلمية الاجتماعية والدعائية ضد الصين، ثم تغير من خطابها هذا لآخر يناقش تناقضات وتحديات المجتمع الصيني، وأنه على وشك الانهيار، ولن يستطيع مواصلة صعوده، وتطرح محتوى أيديولوجياً حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، مستهدفة الصين وروسيا متناسية أنها كانت لا تنتقد هذا المجتمع الصيني عندما كان أكثر قمعاً في زمن استمالتها للصين ضد الاتحاد السوفياتي.

أما الأمر الثاني التنميطي فمستمد من حركة التاريخ التي تكشف عن مراحل طويلة لهيمنة إمبراطورية واحدة أو مراحل أخرى من تنافس قطبين، ففي بدايات التاريخ كانت هناك قرون من سيطرة الدولة المصرية القديمة، لكنها في معظم الوقت كانت تخرج لتأديب جيرانها أو فرض نفوذها دون أن تمارس احتلالاً طويل الأجل، ربما لأنها كانت الأكثر غنى وثروة، ولا تحتاج إلى الآخرين، ثم جاء الزمن الفارسي الإغريقي الذي تنافس لفترة زمنية طويلة انتهى بالإسكندر الأكبر لتبدأ حقبة جديدة، وهي القطب الواحد الذي يعتمد على القوة العسكرية وثراء مستعمراته.

وتوالت الإمبراطوريات بعد ذلك عبر التاريخ الذي كان سجالاً بين مراحل تسودها قوة إمبراطورية واحدة أو تنافس بين قوتين، حتى كانت الفصول الأحدث بسيطرة بريطانية ومرحلة قصيرة تنازعها فرنسا ثم تسود الأولى مرة أخرى مع هامش للثانية في القارة الأوروبية والمستعمرات، ثم يختل هذا التوازن بصعود ألمانيا وتحالفها مع قوى أخرى تريد المشاركة في هذا التسابق، الذي انتهى درامياً بالحرب العالمية الأولى. وخلف هذا حالة من عدم الاستقرار والتعددية ورغبات الانتقام التي أدت إلى الحرب العالمية الثانية، ليعقبها ما عرفته أجيال من نظام دولي مؤسس على القطبية الثنائية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، الذي انتهى بعد عقود أربعة فقط بانهيار الاتحاد السوفياتي والكتلة الشيوعية لتبدأ مرحلة قصيرة لهيمنة الإمبراطورية الأميركية، ثم بدأت حالة السيولة والحيرة في الأوساط السياسية والفكرية حول فهم ما يحدث في العالم الآن.

حيرة البشر مع التاريخ

الغريب في الفكر الإنساني عبر التاريخ حيرته ما بين نقيضين، الأول هو عدم اكتراث البعض بالتاريخ وعدم التعلم من تجاربه. على سبيل المثال هناك تراث فكري سياسي راق حول أخطاء إذلال ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، وأن معاملتها المهينة أدت إلى ظهور وصعود هتلر والنازية ومأساة الحرب العالمية الثانية.

ومع ذلك، فإن ذلك الغرب نفسه الذى كتب في هذا كثيراً كرر ولا يزال، كثيراً من الأخطاء في التعامل مع الاتحاد الروسي ما ولّد الحالة الانتقامية الحالية عند الرئيس بوتين. وكل شعوب الأرض تشارك في تجاهل كثير من دروس التاريخ، ولدينا مثال آخر من التعنت الإثيوبي في مسألة سد النهضة، وتجاهل التجربة الأوروبية من الصراعات والحروب لمدة قرنين من الزمان حول الأنهار المشتركة، ثم اللجوء إلى التفاوض والحلول السلمية في النهاية.

أما النقيض الثاني فهو تكرار السياسات والاستراتيجيات التي يعاد إنتاجها، على الرغم من تغير الظروف، ما يؤدى إلى كوارث سياسية بالغة الخطورة. واليوم، تريد الولايات المتحدة تكرار الاستراتيجية نفسها التي طبقتها مع موسكو دون إدراك أن الخصم الصيني والأوضاع الدولية الراهنة أكثر تعقيداً واختلافاً، ثم يأتي دور الساسة والمفكرين حول العالم في البحث عن حلول وسياسات للتعامل مع أوضاع دولية قطباها واشنطن وبكين بينما الأمر قد يكون أعقد  بكثير من هذا .

المزيد من تحلیل