Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا تقلق أوروبا وليس فقط روسيا والصين من أزمة كازاخستان؟

هل تنتقل أولى اضطرابات سياسية نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة للمستهلكين إلى دول أخرى

ارتفعت أسعار خام اليورانيوم المستخدم في المفاعلات النووية حول العالم الخميس، السادس من يناير (كانون الثاني) بنسبة 8 في المئة، بينما ارتفعت أسعار أسهم كل الشركات التي لها علاقة بالوقود النووي بأكثر من 10 في المئة، ذلك على خلفية تطور الأوضاع في كازاخستان مع اتساع نطاق الاحتجاجات الشعبية فيها، والأنباء عن إرسال روسيا قوات عسكرية إلى البلد المجاور لمساعدة السلطات على وقف الاضطرابات.

وتعد كازاخستان أكبر بلد في العالم يصدر اليورانيوم المستخدم في المفاعلات النووية، إذ تحتوي أراضيها على 12 في المئة من مخزون اليورانيوم العالمي وتنتج نحو 43 في المئة من خام اليورانيوم الصناعي المستخدم حول العالم، وحسب تقرير "غلوبال بلاتس"، ذراع بيانات وأبحاث الطاقة في "ستاندرد آند بورز"، ارتفع سعر خام اليورانيوم منذ يوم الأربعاء، بنحو ثلاثة دولارات ليصل إلى 45.5 دولار للرطل.

كما ارتفعت أسعار خام النفط في الأسواق العالمية، الخميس، أيضاً، لتضيف نحو نقطتين مئويتين (ارتفاع بنسبة 1.7 في المئة) إلى سعر خام برنت القياسي، مواصلة منحى الارتفاع، الأربعاء، بسبب الاضطرابات في كازاخستان، وتجاوز سعر خام برنت حاجز 82 دولاراً للبرميل ليصل إلى 82.13 دولار في العقود الآجلة، بينما أضاف الخام الأميركي الخفيف (مزيج غرب تكساس) نحو 2 في المئة ليصل سعره، ظهر الخميس، إلى 79.4 دولار للبرميل.

وتنتج كازاخستان نحو 1.6 مليون برميل يومياً من النفط الخام، وتعد الصين أكبر المستوردين للنفط والغاز منها عبر خط أنابيب بين البلدين يعد من أهم روافد واردات الطاقة للصين، ومع توسع الاضطرابات في البلاد تخشى الأسواق من تأثر إنتاجها من النفط.

الفساد وتكاليف المعيشة

منذ استقلالها قبل ثلاثة عقود، على إثر انهيار الاتحاد السوفياتي السابق الذي كانت جزءاً منه، تحظى كازاخستان بالاستقرار النسبي الذي يعود إلى قبضة السلطات على زمام الأمور في ظل حكم رئيسها السابق نور سلطان نزارباييف الذي حكم البلاد لنحو ثلاثة عقود حتى تركه منصبه في مارس (آذار) 2019.

ولطالما كان اقتصاد كازاخستان محل حسد جيرانها، لغنى البلاد بالطاقة والثروات المعدنية بخاصة مناجم اليورانيوم. وحسب تقارير البنك الدولي، يحظى الاقتصاد في كازاخستان بمعدلات نمو جيدة، كما أن ترتيب البلاد، حسب البنك الدولي، في قائمة الحرية الاقتصادية يتقدم بمراحل على اقتصادات دول الاتحاد السوفياتي السابق، فلا تزيد نسبة ضرائب الشركات والأعمال فيها عن 10 في المئة (مقارنة بأكثر من 20 في المئة في دول ذات اقتصادات رأسمالية متقدمة). وفي الفترة من عام 1995 حتى الآن ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الاجمالي في كازاخستان من 2000 دولار إلى 27 ألف دولار لتتساوى مع تركيا وبولندا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن برامج الإصلاح الاقتصادي، المدعومة من صندوق النقد الدولي، والتي تتضمن رفع الدعم عن السلع والطاقة للمستهلكين أثارت غضب الناس، وكثر الحديث عن الفساد في السلطة أيام حكم الرئيس السابق، وتشير تقارير غربية إلى أن ثروة أسرة نزارباييف تقدر بعشرات المليارات، فممتلكات الأسرة من العقارات في الخارج تزيد ثلاثة أرباع المليار دولار (785 مليون دولار).

من التالي؟

وبدأت الاضطرابات الحالية باحتجاج الجماهير على ارتفاع أسعار الطاقة، جزئياً، نتيجة برامج الإصلاح الاقتصادي ورفع الدعم، ونتيجة ارتفاع الأسعار عالمياً، لكن الجماهير الغاضبة لا تستوعب كيف ترتفع أسعار الطاقة في بلد يصدر الطاقة أصلاً، بخاصة وأن الأسر في كازاخستان تعاني بالفعل من ارتفاع تكاليف المعيشة مع موجة التضخم الحالية في الاقتصادات العالمية.

وكان البنك المركزي في كازاخستان اضطر لرفع سعر الفائدة إلى نسبة 9.75 في المئة لكبح جماح التضخم، وزاد ذلك من عبء كلفة الاقتراض في البلاد، وعلى الرغم من أن معدل التضخم الرسمي في البلاد لا يزيد عن 9 في المئة إلا أن ارتفاع أسعار الطاقة كان شرارة الاحتجاجات التي تحولت لاضطرابات، وهكذا تكون كازاخستان أول بلد في العالم يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة ومعدلات التضخم بشكل عام إلى اضطرابات سياسية فيه.

وبدأ كثيرون من المعلقين في الإعلام الغربي يتساءلون عن الدولة التالية التي يمكن أن يؤدي ارتفاع معدل التضخم، وأسعار الطاقة والغذاء بالتحديد، إلى احتجاجات واضطرابات، وقارنت مجلة "سبكتاتور" البريطانية القريبة من حزب المحافظين الحاكم، وكذلك صحيفة "ديلي تلغراف" اليمينية المحافظة أيضاً، بين الوضع في كازاخستان والوضع في تركيا مثلاً حيث بدأ الناس يتململون من ارتفاع الأسعار بشكل هائل. ووصل معدل التضخم في الاقتصاد التركي، الشهر الماضي، إلى نسبة 36 في المئة، بينما ارتفعت أسعار الكهرباء بنسبة 120 في المئة للمنشآت التجارية وأكثر من 50 في المئة للبيوت، وهناك أيضاً ارتفاع فواتير الغاز والكهرباء للمنازل في إسبانيا، الذي اضطر الحكومة في مدريد لتقديم دعم فوري بالمليارات للأسر الإسبانية لمواجهة ارتفاع تكاليف الطاقة.

قلق أوروبي

وعلى الرغم من أن الصين هي الشريك التجاري الرئيس لكازاخستان وبالتالي يقلقها اضطراب الأوضاع فيها خوفاً على مصادر وارداتها من الطاقة، إلا أن القلق من تطورات الأمور هناك يقلق بقية دول العالم لأسباب مختلفة، في مقدم تلك الأسباب بالطبع تأثير أي تغير في صادرات النفط من كازاخستان على السوق العالمية، وعلى الرغم من قرار تحالف "أوبك+" الاستمرار في خطط زيادة الانتاج للحفاظ على استقرار السوق إلا أن أي اختناق في الانتاج يمكن أن يضغط على الأسعار صعوداً.

لكن الأهم طبعاً هو الطلب العالمي على اليورانيوم الخام، المستخدم كوقود لمحطات الطاقة النووية، إذ تلعب صادرات كازاخستان دوراً محورياً في تلبية الطلب العالمي على اليورانيوم. على سبيل المثال، كانت شركة "إي دي إف" الفرنسية للطاقة، التي تورد الكهرباء بالجملة في فرنسا وبريطانيا وألمانيا وغيرها من الشركات الأكثر قلقاً، إذ تشكل محطات الطاقة النووية مورداً أساسياً لشبكات الكهرباء التي تغذيها "إي دي إف"، وحين تعطلت أربعة مفاعلات في فرنسا، الشهر الماضي، ارتفعت اسعار الطاقة في كل أوروبا.

وفي ظل أزمة ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا، بنحو خمسة أضعاف منذ الخريف الماضي، وموجات البرد الشديدة في فصل الشتاء، يزيد الطلب على الطاقة في أوروبا من مصادر أخرى منها محطات التوليد التي تعمل بالوقود النووي.