Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قمم

إيران لم ولن تواجه أحداً بشكل مباشر بجيوشها في المنطقة العربية ما دامت قادرة على تجنيد من يقاتل نيابة عنها

وصلت إلى مكة المكرمة ليلة البارحة بدعوة كريمة من معالي وزير الإعلام السعودي الأستاذ تركي الشبانة بمناسبة انعقاد القمم الثلاث (الخليجية والعربية والإسلامية)، التي دعا إليها الملك سلمان بن عبد العزيز استقراءً للأخطار المحدقة بالمنطقة، وتحملاً لمسؤولية السعودية، وقدرها التاريخي كمركز للعالم العربي والإسلامي وكعمود "الواسط" لخيمة مجلس التعاون الخليجي.

لن أكتب عن القمم قبل نهايتها، والتعرف على نتائجها وتبعاتها، لكني سأكتب عن القمة من زاوية لغوية بطعم سياسي، فالقمة المشتقة من قمم معروفة المعنى لدى الجميع، فهي قمة الجبل وأعلى الرأس فيقال "من قمة رأسه حتى أخمص قدميه".

وتستعمل كلمة قمة للمبالغة أيضاً، فيقال قمة المأساة، كأن نقول بأن ما جرى للشعب السوري هو "قمة المأساة"، وقمة الألم ما يعانيه الشعب اليمني والعراقي واللبناني والفلسطيني والليبي... إلخ، فالقائمة المليئة بقمم المآسي والويلات بمنطقتنا طويلة.

وقمة الاستخفاف والتذاكي أن يدعو وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف من بغداد إلى توقيع اتفاق عدم اعتداء بين بلاده وبين الدول العربية الخليجية، أقول قمة الاستخفاف، لأننا نعرف أن إيران لم ولن تواجه أحداً بشكل مباشر بجيوشها بالمنطقة العربية، ما دامت قادرة على تجنيد من يقاتل نيابة عنها، خصوصاً بعض شيعة العرب، الذين يؤمنون بالتبعية للولي الفقيه بطهران، أو يريدون العيش والاسترزاق باسم الطائفة الشيعية والدفاع عنها، وعن مراقدها ومزاراتها المقدسة. فإيران تخوض حروباً بالنيابة بأكثر من بلد عربي في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وهي لا تزال تحتل جزراً عربية إماراتية ترفض حتى التفاهم على حل أزمتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بل قمة التناقض أن تدعو إيران إلى عدم الاعتداء والصواريخ الإيرانية الصنع تقصف عفيف والدوادمي! وهو تناقض لا تنفرد به إيران للموضوعية، فمن قمم التناقض أيضاً أن يدعو الرئيس ترمب إلى سلام بالشرق الأوسط، بعدما اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل وبالجولان أرضاً إسرائيلية!

وقمة الارتباك والغموض أن يصرح وزير الخارجية العراقي محمد الحكيم بالمؤتمر الذي عقده مع نظيره الإيراني ببغداد بأن بلاده "تقف إلى جانب طهران، لكنها مستعدة للتوسط بينها وبين واشنطن"، فكيف تنحاز إلى طرف دون آخر ثم تعرض أن تتوسط بينهما؟!

وتعج السياسة وعالمها بقمم لا تعد ولا تحصى من التناقضات، لكن التركيز بهذه المقالة على "قمم" تتعلق بالقمم، التي دعت إليها السعودية لأسباب يدركها القارئ الفطن، فنقول إنها دعوة تعكس قمة الشعور بالمسؤولية للدور المنوط بالسعودية لتجنيب المنطقة ويلات مزيد من الحروب والفرقة، كما يعد انعقاد هذه القمم قمة الإدراك السعودي للهيمنة التي تمارسها إيران بالتدخل السافر في الشؤون العربية دون رادع من قانون دولي أو احترام للعلاقات المتبادلة مع جيرانها العرب.

في الخطاب الإيراني الرسمي تتردد شعارات "الشيطان الأكبر" وقوى "الاستكبار"، لكن قمة الاستكبار والتعالي هي التجاهل والفوقية التي تمارسها إيران منذ قيام ثورتها عام 1979 تجاه جاراتها الخليجية، فكم دعوة وزيارة ومناشدة خليجية لإيران بكف أذاها ذهبت "ذاريا" تذروه الرياح، وكم من مبادرة خليجية للتعاون البناء زركشتها لغة الدبلوماسية الإيرانية الناعمة، ودمرتها ميليشيات طائفية من صنع طهران؟

 تشن إيران قبل القمم حملة علاقات دبلوماسية عامة، يقودها وجهها "الباسم" خارجياً محمد جواد ظريف ونائبه "العابس" عباس عراقجي اللذان زارا باكستان والعراق وعمان وقطر والكويت، في محاولة لفك العزلة الدولية والإقليمية، وتخفيف الحصار غير المسبوق بنوعه وبتجفيفه أنابيب تصدير النفط الإيراني، ومحاولة تعميق الشروخ في الجبهة الخليجية والظهور بمظهر من يريد التعايش والسلام. كما وجه المرشد العام (علي خامنئي) بإغلاق محطة تلفزيونية ومعاقبة القائمين عليها بعد مناشدة "النواب السُّنة" بالبرلمان الإيراني له بردع القناة، التي تتعدى على الصحابة وزوجات الرسول، وهي توجيهات قمة في البؤس المكشوف لمحاولة رص الصفوف الداخلية في مواجهة العقوبات الاقتصادية والسياسية وربما العسكرية المحتملة.

 ومع الجهود الدبلوماسية الكاذبة، والمبادرة التي هي قمة الاستخفاف والاحتقار لعقول أهل المنطقة، تصعّد إيران من عملياتها العسكرية بالوكالة، تخريب ناقلات نفط بالإمارات، قصف منشآت نفطية بالسعودية، محاولة قصف مطار جيزان، تنمر وتهديد من قادة حرس الثورة، ومن ميليشياتها بالعراق ولبنان، وهي جميعاً رسائل من نوع آخر مفادها، إن لم تصدقوا دبلوماسيتنا الكاذبة الباسمة، فإننا نهددكم بالويل والثبور عن طريق من زرعناهم داخل أوطانكم وسلحناهم ودربناهم، وهم يأتمرون بأمرنا، وسوف نحركهم ضدكم وقت ما نشاء.

مكة أم القرى هي أيضاً أم القمم هذه الأيام.

المزيد من آراء