Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فاطمة قنديل تكتب سيرة الأحلام الشخصية المجهضة

رواية "أقفاص فارغة" تتميز بجرأة البوح وتكمل مساراً شعرياً

لوحة للرسام يوسف حمد (صفحة فيسبوك)

تكتب فاطمة قنديل، عبر شخصية مؤلف ضمني، روايتها "أقفاص فارغة" (دار الكتب خان)، متكئةً على سيرتها الذاتية، من دون مواربة، على الرغم من حرصها على أن يتضمن الغلاف الأمامي عبارة "ما لم تكتبه فاطمة قنديل". وجاء السرد الذاتي في هذه الرواية بصوت الكاتبة نفسها، أو بالأحرى المؤلفة الضمنية، وقد تخطت الستين من عمرها، لتتداخل الأزمنة، من قبل ميلادها، عام 1958 في مدينة السويس، وصولاً إلى الزمن الراهن، حين اختارت العيش وحيدةً في بيت يخصها وحدها، بعد موت والديها، وتفرق السبل بشقيقيها اللذين يكبرانها.

تأتي هذه الرواية التي غلب عليها طابع المذكرات بعد ديوانها "بيتي له بابان" الصادر في عام 2017 والذي لا يمكن فصله عن هذه التجربة السردية، لا هو، ولا دواوينها الأخرى: "صمت قطنة مبتلة"، و"أسئلة معلقة كالذبائح"، و"أنا شاهد قبرك"، والتي اتسمت أيضاً بالجرأة في التماس مع ما هو شخصي، ما تسبب في كثير من الجدل، بل ووصل الأمر إلى منع أحد دواوينها. ولعل اتصال تجربتها الشعرية والسردية يتأكد من تصريح سابق لها: "لا أفصل حياتي الشخصية عن كتاباتي. أحاول أن أكون شخصاً يشبه ما يكتبه". وفي قصيدة لها عنوانها "بلاد تكره الشاعرات" تقول قنديل: "سيحكون عن مغامرات الشعراء/ لكنهم حين يتحدثون عن مغامراتكن/ سيتذكرون دائماً أنكن نساء/ ولن يعترفوا قط/ بأنكن قد تجاوزتن ذلك الخيط الفاصل/ بين المرأة والشاعرة".

امرأة وحيدة

ذات صباح تفاجأ الراوية بحوض زرع في حديقة بيتها، وقد صار مخزناً لأقفاص دجاج فارغة، "حين رأيتها جن جنوني، وأدركت أن البيت صار مستباحاً تماماً كأنه مهجور، وكأن لا وجود لي فيه"، ص16. وفي ثنايا السرد تشدد بطلة العمل وراويته على أن "فكرة وجود قارئ لهذه الأوراق ترعبني. أسوأ ما يمكن أن يحدث لي بعد موتي هو أن يأخذ الآخرون أقوالاً مأثورة مما أكتب الآن"، ص61. وهذا أمر مفهوم في ظل ما تعلنه الراوية، وهي شاعرة وأستاذة أكاديمية ومترجمة معروفة، من أسرار حميمية بعضها يخصها شخصياً، والبعض الآخر يخص العديد من أفراد عائلتها. أبوها "السكير" كان يحلم بأن يصبح مهندساً، ولم يتمكن من تحقيق ذلك الحلم لفقر أسرته. وهي كانت دائماً تبادله نفوراً غير مبرر، بمثله، بل ولطالما كانت تصارح أمها بأنها تتمنى موته. أما أمها فكانت كثيراً ما تتشاجر مع أبيها بسبب الحرج الذي كان يسببه للأسرة عندما يسكر خارج المنزل.

كان التفكك عنوان حال تلك الأسرة المنتمية إلى الطبقة المتوسطة، وقد تجلى أساساً في عدم اجتماعها على مائدة طعام. كان كل واحد يحمل صينية عليها طعامه، ويتناوله منفرداً. تتذكر تعرضها لانتهاكات جنسية خلال سنوات طفولتها. أبوها أُصيب باكتئاب فانشغلت أمها بأمره، وأهملت الاعتناء بها، حتى لاحظ بعض الجيران وزميلات المدرسة الحال المُزرية التي بلغتها في ما يتعلق بنظافتها الشخصية. وبالطبع، فإن البوح بمثل هذه الأمور باعتبارها سيرة ذاتية لامرأة مشهورة، يتطلب شجاعة استثنائية، في ظل مجتمع لا يتسامح حتى مع رجل في حال قيامه بتعرية ذاته وذوات محيطه العائلي. والأمثلة على ذلك كثيرة، بل إن التلصص على حياة الكاتب/ الكاتبة، لا ينجو منه حتى العمل الأدبي لأي منهما، بالتعاطي مع أحداثه على أنها حتماً محض سيرة ذاتية. وبالطبع، ينطبق الأمر نفسه مذكرات المشاهير، خصوصاً في عالمنا العربي، ومن ثم يأتي معظمها مما يمكن أن يؤاخذ عليه صاحبها/ صاحبتها اجتماعياً بالذات.

كان يمكن ألا تولد

اسمها فاطمة، على اسم جدّتها، وعندما حملت بها أمها، قررت الأخيرة أن تجهض ذلك الحمل، لولا أن الجدّة نفسها، وكانت في المرحلة الأخيرة من المعاناة من مرض سرطان العظام، رجت ابنتها، أن تحافظ على حملها "هذه المرة"، أي إنها قد سبق لها التخلص من أكثر من حمل بعد إنجاب ذكرين. عندما أصلح والدها درّاجة قديمة من أجلها وهي طفلة، فكرت أن تكافئه على اهتمامه المباغت بها بقُبلة، "لكنني خشيت أن يدفعني بيده في ضيق، كما يفعل دائماً، كلما هممت بتقبيله". عندما بلغت "فاطمة" نهاية المرحلة الإعدادية لاحظت أنا أباها وأمها انفصلا تماماً، هي في غرفة، وهو في غرفة.

هذا ما سنعرفه في نهاية القسم الأول من الرواية، والذي حمل عنوان "علبة شوكولاتة صدئت للأسف". في تلك العلبة الصدئة كانت الراوية تحتفظ بصور عائلية قديمة وبما كتبته من شعر وخواطر في طفولتها وصباها. أهملتها طويلاً، ثم فجأة وجدت نفسها – بعد أن تخطت الستين من عمرها – تتأملها، "ربما للمرة الأولى في حياتي، أخمن أن سعادةً ما ظلت تسكن هذه العلبة. أخمن أنها تفوح منها، وربما لهذا عاشت طوال تلك السنين، وربما تظل في مكان ما، حتى بعد أن أموت". هكذا، يمكن اعتبار ذلك الاهتمام المفاجئ بتلك العلبة، التي غامت معالمها الخارجية، واهترأت الأوراق والصور التي احتوتها، معادلاً موضوعياً لاهتمام الراوية المفاجئ أيضاً بكتابة سيرتها الذاتية والعائلية، ومن ثم الشروع في كتابتها، سرداً لا شعراً، وإن من خلال "ذاكرة مثقوبة ومشوشة"، على حد وصفها.

أحلام مجهضة

القسم الثاني يبدأ من الصفحة 73 (جاء العمل إجمالاً في 256 صفحة من القطع المتوسط)، وعنوانه "البداية... حب وشجن وأوتار كمان". تتذكر الراوية أنها تعلمت العزف على آلة الكمان، بتشجيع من شقيقها الأكبر "راجي"، الذي شجعها كذلك على القراءة، وكان يحتفي بما تكتبه، قبل أن يقرر الهجرة إلى ألمانيا، يائساً من إمكانية أن يكمل تعليمه في مصر، بعد أن رسب أكثر من مرة في امتحانات الثانوية العامة. كانت في السنة الثانية من المرحلة الثانوية عندما توفي أبوها، وجرى تواطؤ طبيب وزارة الصحة مع الأسرة على عدم ذكره في شهادة الوفاة، فكتب أنه مات بأزمة قلبية. رحل الأب مع حلمه المُجهض، فقد كان في صباه يتمنى أن يصبح مهندساً، لكن والده (الذي ظل لسنوات عدّة يتظاهر بإصابته بالشلل) أجبره على الالتحاق بمعهد للمعلمين، ليضمن وظيفة تُمكّنه من الإنفاق على الأسرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما الأم فعاشت عشرين عاماً بعد رحيل زوجها، وفي نفسها هي الأخرى حلم مُجهض بأن تكون كاتبة. تسافر فاطمة إلى ألمانيا لتمئن على أحوال أخيها، فتجده في حال مُزرية مهدداً بالفصل من الجامعة. وجدته مثقلاً بالديون، وهناك حاولت الانتحار، بعد أن يئست من أن يدبر لها أخوها ثمن تذكرة العودة إلى مصر، قبل القبض عليها بتهمة الإقامة غير الشرعية في هذا البلد الأوروبي. بعد إنقاذها من محاولة الانتحار، دبّرت لها الأم ثمن تذكرة العودة، لتكمل دراستها الثانوية، وتلتحق بقسم الفلسفة في كلية الآداب بجامعة عين شمس، وتطوي حلم أن تصبح طبيبة متخصصة بالذات في أبحاث السرطان الذي أودى بحياة جدّتها.  

بعد عودتها مُحمّلةً بجرح تلك التجربة الأليمة، تصر الصبية على الاحتفاء بنزقها الشخصي والإصرار عليه. تشارك أمها تدخين السجائر. تشارك صديقة لها في احتساء البيرة. تهدد بالانتحار ما لم توافق أمها على رغبتها في الزواج سراً من شخص متزوج، ويكبرها كثيراً في العمر. حدث كل ذلك قبل أن تتم التاسعة عشرة من عمرها. ومن موقع المرأة الستينية تتأمل الراوية كل ما مرت به، غير أنها تسهب في سرد حكايات تخص أقارب لها، بذاكرة يصعب وصفها بالمثقوبة أو المشوشة. حكايات كان من الأفضل تجاهلها، بما أنها أثقلت حركة السرد، وأخلت بحيويته، ولم تضف شيئاً ذا بال يخص صُلب الرواية.     

المزيد من ثقافة