Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بوتين وبايدن والعودة إلى عصر التحديات

الرئيس الروسي استوعب دروس الحرب الباردة وانطلق من التوتر مصدراً لما تتسم به قراراته من إبداع

كل المؤشرات وتطورات الأحداث خلال السنوات القليلة الماضية تقول إن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، استوعب أخطاء أسلافه منذ ما قبل انهيار الاتحاد السوفياتي، وما أعقبه من سنوات ترهل الإدارة الروسية في تسعينيات القرن الماضي.

ولعله يبدو أكثر حكمة وصرامة تجاه محاولات توفير الضمانات الأمنية لبلاده بعد أن رفض الغرب يد روسيا، التي امتدت إليه تطلب التعاون، بل والانضمام إلى تحالفاته الأمنية والأوروبية منذ عقود طويلة.

رفض توسع "الناتو"

وها هو يعود مجدداً إلى محاولات التوصل إلى الضمانات الأمنية، التي يريدها لتأمين المصالح الروسية، لكن من مواقع أكثر قوة وموضوعية لا تستند فقط إلى استيعاب أخطاء سابقيه، بل وأيضاً إلى ما تراكم لدى قواته المسلحة من عناصر القوة العسكرية التي استطاع توفيرها خلال العقود الماضية.

وثمة شواهد كثيرة تعيد إلى الأذهان كثيراً من أوجه الشبه بين ما اتخذه المارشال جيورجي جوكوف إبان سنوات الحرب العالمية الثانية من قرارات يوم بلغت قوات ألمانيا الهتلرية مشارف العاصمة موسكو في أكتوبر (تشرين الأول) 1941 على مسافة 12 كم فقط من الكرملين.

آنذاك، انتفضت موسكو لتؤكد على لسان جوكوف أن "المقاومة بلغت أقصى تراجعها في تشبيه لها بالزنبرك الذي تحمل كل ما تعرض له من ضغوط، وآن له أن يعود إلى سابق هيئته".

وها هو العالم يقف "مشدوهاً" أمام إصرار الرئيس بوتين على رفض توسع "الناتو" شرقاً، لما هو أبعد من خطوطه الحالية، وتأكيده مطالبه الأمنية لتأمين مصالح بلاده.

ومن اللافت في هذا الصدد، أن الرئيس بوتين الذي أكد غير مرة أنه خير قارئ للتاريخ، وفي التاريخ الروسي متسع غير محدود الأبعاد طالما عاد إليه، بحثاً عما ما تحتاج إليه بلاده من حلول لتجاوز ما يصادفها من عثرات طيلة ما يزيد على العشرين عاماً.

دروس الحرب الباردة

ومن الدروس التاريخية التي استفاد منها بوتين يمكن التوقف عند اعتبار أن ما صادفه من توترات وتصعيد لكثير من المواقف، كان خير سبيل إلى الوصول إلى بر الأمان، وهو ما يقولون إنه من أهم دروس الحرب الباردة من منظور أن "التوتر يساعد على الإبداع".

وهذا ما أكده بوتين عبر ما اتخذه من قرارات وما طرحه ويطرحه من حلول لحل الخلافات الراهنة حول إصرار الدوائر الأميركية على مزيد من توسع الناتو شرقاً، دون حساب للمخاطر ومصالح الأطراف المتضررة من مثل هذا التوسع، وذلك فضلاً عما سبق وأشار إليه بوتين حول أن إعادة تأكيد الحق في التوسع، يقابله من جانب موسكو حقها في الدفاع عن نفسها من مخاطر مثل ذلك التوسع، وهو ما قال إنه يعنيه بما حدده من خطوط حمراء ترفض واشنطن الاعتراف بها، وإن أعربت عما من شأنه توقع أخذه في الاعتبار خلال المباحثات المرتقبة في كل من جنيف وبروكسل في العاشر وما بعده من يناير (كانون الثاني) 2022.

وها هي الأنظار ومنذ الاتفاق بين موسكو وواشنطن حول تحديد مواعيد لقاءات وفود روسيا والولايات المتحدة و"الناتو" ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي، لمناقشة القضايا الأمنية العالقة، تتعلق بكل من جنيف وبروكسل في انتظار ما يمكن أن تسفر عنه هذه اللقاءات من نتائج، يمكن أن تنزع فتيل المواجهة في شرق القارة الأوروبية.

فمنذ وصلت العلاقات بين البلدين إلى حد تحديد "الخطوط الحمراء"، التي يجب على كل من الأطراف المعنية عدم تجاوزها، والحديث لا ينقطع حول ما يطلبه كل من الأطراف المعنية من ضمانات لتأمين أمنه ومصالحه الحيوية في المنطقة، على وقع ما يتردد من تحذيرات وإنذارات تعيد إلى الأذهان أجواء أزمة الكاريبي وخليج الخنازير.

العلاقات الروسية - الأميركية

وقد جاءت المكالمة الهاتفية، التي أجراها الرئيسان فلاديمير بوتين وجو بايدن مساء الخميس الماضي، 30 ديسمبر (كانون الأول)، لتبدد بعضاً من القلق الذي خيم على علاقات البلدين والمنطقة، من منظور ما كشف عنه كل من الجانبين من تصريحات توحي في بعض جوانبها بقدر من التفاؤل.

فمن جانبه أكد الكرملين أن "الموضوع الرئيس للمحادثات بين الرئيسين كان تنفيذ الاتفاق الذي جرى التوصل إليه خلال الاتصال عبر الفيديو في 7 ديسمبر 2021، لإطلاق المفاوضات حول تقديم ضمانات أمنية لروسيا ملزمة قانونياً".

وقالت مصادر الكرملين إن "فلاديمير بوتين قدم توضيحاً مفصلاً للمواقف الثابتة التي يقوم على أساسها المشروعان الروسيان للمعاهدة مع الولايات المتحدة والاتفاقية مع الدول الأعضاء في حلف الناتو".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضافت في بيانها الصادر بهذا الشأن، أنه "جرى تأكيد أن نتيجة العمل المشترك يجب أن تكون ضمانات قانونية ثابتة تستبعد توسع (الناتو) شرقاً، ونشر الأسلحة بالقرب من الحدود الروسية. وجرى التشديد على أن أمن كل دولة على حدة لا يمكن ضمانه إلا على أساس الالتزام الصارم بمبدأ عدم تجزئة الأمن".

وإذ خلص الكرملين إلى أن الجانبين أعربا عن استعدادهما "لحوار جدي ذي مضمون حول القضايا المذكورة، قال إن الرئيس الأميركي "أكد المسؤولية الخاصة لروسيا والولايات المتحدة عن ضمان الأمن في أوروبا والعالم، وعدم وجود أي نية لدى واشنطن لنشر أسلحة هجومية على أراضي أوكرانيا".

ولم يغفل الكرملين الإشارة إلى ما لوّح به الجانب الأميركي حول احتمالات العقوبات واسعة النطاق ضد روسيا في حال انتهاكها للحدود الأوكرانية، واعتبار أن ذلك سيكون "خطأً كبيراً يمكن أن يدفع روسيا إلى قطع العلاقات الروسية - الأميركية بشكل كامل".

ولم يكتفِ الكرملين بإصدار ذلك البيان ليلحقه بتصريحات أدلى بها يوري أوشاكوف، مساعد الرئيس للشؤون الخارجية، إلى قناة "روسيا 24" الإخبارية الرسمية قال فيها "إن الجانب الروسي أكد أنه يسعى لتحقيق النتيجة من المفاوضات حول الضمانات الأمنية، وأن بايدن أعرب عن تفهمه لهذا الموقف وأيّده".

وأضاف أوشاكوف، أن "المفاوضات حول الضمانات الأمنية لا يجب أن تتحول إلى كلام بلا معنى، وأن الجانب الروسي سينتظر نتائج محددة خلال جولتين أو ثلاث من المفاوضات، قبل أن يخرج باستنتاجاته".

ضمان التوازن الاستراتيجي

ومن اللافت أن أوشاكوف كشف عن أن بوتين صارح نظيره الأميركي بأن على واشنطن تخيل ما يمكن أن تتصرف موسكو بموجبه، وما يمكن أن تكون واشنطن عليه في حال احتمالات أن تدفع روسيا بقواتها إلى الحدود المتاخمة للحدود الأميركية في المكسيك أو كندا.

وكان سيرغى لافروف، وزير الخارجية الروسية، قد انضم إلى "كتيبة الكرملين الضاربة" في تصريحاتها حول "اتخاذ التدابير الضرورية، إذا لم ترد الولايات المتحدة و(الناتو)، على ما تطلبه روسيا من ضمانات أمنية".

ونقلت وكالة "نوفوستي" عن لافروف قوله إنه "إذا لم يتم الرد البناء في غضون فترة زمنية معقولة، واستمر الغرب في خطه العدواني، فستضطر روسيا إلى اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لضمان التوازن الاستراتيجي والقضاء على التهديدات غير المقبولة لأمنها"، مؤكداً أن "الخارجية الروسية لن تسمح بإغراق المبادرة الروسية في مناقشات لا تنتهي"، وهو ما يتطلب الاستجابة لما تطرحه موسكو من ضرورة مشاركة العسكريين الأميركيين، في المفاوضات، فضلاً عن توقعاته حول احتمالات التوصل إلى منظومة اتفاقات جديدة مع الغرب في مجال الحد من التسلح والضمانات الأمنية.

مباحثات مرتقبة

وعودة إلى المباحثات المرتقبة بين روسيا والوفود الأميركية والغربية في كل من جنيف وبروكسل، كشفت مصادر الخارجية الروسية عن أن سيرغي ريابكوف، نائب وزير الخارجية الروسية، وويندي شيرمان، النائبة الأولى لوزير الخارجية الأميركية، سيترأسان وفدي موسكو وواشنطن في مباحثات جنيف. وقالت "إن أجندة المباحثات تشمل مناقشة مسودتي الاتفاقيتين الأمنيتين الأساسيتين التي عرضت روسيا على الولايات المتحدة وحلف (الناتو) إبرامهما".

ومن المتوقع أن يطلب الجانب الروسي في هذه المباحثات من الولايات المتحدة "ضمانات أمنية قانونية ثابتة، خصوصاً وقف تمدد (الناتو) شرقاً، وعدم نشر أسلحة تهدد روسيا قرب حدودها".

وأكدت مصادر الخارجية الروسية أن مجلس روسيا – "الناتو"، سينعقد في بروكسل يوم 12 يناير، وستعقبه مشاورات في فيينا ضمن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا في 13 يناير، فيما أشارت إلى أن موسكو "ستطرح في هذه الاجتماعات تقييماتها المفصلة للوضع الحالي غير المقبول في مجال الأمن العسكري في أوروبا"، وأن روسيا ستحدد خطواتها المستقبلية في هذا الصدد، نظراً إلى مدى استعداد الولايات المتحدة و"الناتو" لمناقشة مبررات ما يساور موسكو من قلق بشكل مفصل.

ومن اللافت في هذا الصدد، أن موسكو وفي إطار حرصها على استيعاب أخطاء ما وقع فيه رؤساؤها السابقون من أخطاء تعمدت أن تطرح مقترحاتها، وللمرة الأولى في مذكرات مكتوبة "ورقياً"، على حد تعبير جوزيب بوريل مفوض الشؤون السياسية الخارجية لدى الاتحاد الأوروبي، الذي قال إنها "أجندة روسية بحتة بشروط غير مقبولة تماماً، لا سيما ما يتعلق منها بأوكرانيا"، تشمل كل ما تحتاج إليه من ضمانات أمنية ومطالب حول وقف توسع "الناتو" شرقاً.

وقال بوريل، تعليقاً على هذه "الأجندة الروسية"، في حديث إلى صحيفة "Welt" الألمانية، إن "الفائزين فقط هم من يفعلون ذلك. يقولون إن هذا وذاك هي شروطي". وكشف بوريل عن أن المفاوضات يجب أن لا تتعلق فقط بأوكرانيا وتوسع "الناتو" باتجاه الشرق، لكن أيضاً "جميع انتهاكات المعاهدة منذ اعتماد اتفاق هلسنكي النهائي في عام 1975".

الخلاف بين روسيا والاتحاد الأوروبي

ولم يغفل بوريل الإشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي يختلف مع روسيا في شأن عديد من التطورات في السياسة الخارجية الروسية، وكذلك مع بعض الأحداث التي تعتبرها موسكو شؤوناً داخلية، في إشارة غير مباشرة إلى مواقف وسياسات موسكو في شأن منظمات المجتمع المدني، وما يتعلق بما تسمي الدوائر الغربية "الانتهاكات في مجال حقوق الإنسان".

وعلى الرغم من يقين بوريل وغيره من القيادات السياسية الأوروبية والعالمية أن الولايات المتحدة هي التي تملك "القول الفصل" في شأن كل هذه القضايا، فقد حرص على أن يسجل موقفه المعارض من انفراد واشنطن بالقرار والقول الفصل في هذا الشأن بقوله: "إن المفاوضات في شأن الهيكل الأمني الأوروبي والضمانات الأمنية قضية لا تهم الولايات المتحدة وروسيا فقط"، فيما اتهم موسكو بـ"الرغبة في التفاوض على هيكل أمني أوروبي دون مشاركة الاتحاد الأوروبي".

وأكد المسؤول الأوروبي ضرورة "أن يكون الاتحاد الأوروبي حاضراً في هذه المفاوضات، فهذه المناقشات لن تكون منطقية إلا إذا جرى تنفيذها بالتنسيق الوثيق مع الاتحاد الأوروبي وبمشاركته"، على حد تعبيره.

ونقلت وكالة "نوفوستي" عن مسؤول الشؤون الخارجية لدى الاتحاد الأوروبي ما أعرب عنه من قلق ومخاوف من "احتمالات نجاح موسكو في إقصاء الاتحاد الأوروبي عن صياغة الهيكلية الأمنية التي تقترحها روسيا على واشنطن في أوروبا".

وقال "إن ما تسعى روسيا إلى تحقيقه في النهاية لم يتضح بعد، لكننا لا يمكننا استبعاد احتمال أن تتمكن روسيا من استخدام هذه الأزمة لتحقيق هدفها المعلن بإعادة هيكلة النظام الأمني في أوروبا، واستبعاد الأوروبيين من هذه المناقشات، لكننا نعلم أن حلفاءنا الأميركيين لن يقعوا في هذا الفخ".

وأعرب عن أمله في أن يكون الاتحاد الأوروبي جزءاً لا يتجزأ، مشاركاً في أي مفاوضات حول هيكل الأمن الأوروبي.

المزيد من تقارير