أفغانستان وباكستان "طوق نجاة" لصادرات إيران في مواجهة الحصار

مافيا فساد تجتاح الحدود... والتهريب يشمل عملات ومحروقات وسلعاً زراعية ومخدرات

التهريب يشهد رواجا في ظل التعطش للدولار وقبول التجار الباكستانيين والأفغان بالريال في معاملاتهم التجارية (رويترز)

أجبر الحصار الأميركي إيران على وقف تجارتها من الذهب والمعادن الثمينة والمنتجات الصناعية، ناهيك بالحظر الشامل أخيراً على شراء النفط الإيراني. وقد أفرز هذا الوضع موجة كبيرة من الفساد آخذة في التغلغل في صفوف الساسة وحرس الحدود والتجار، في كل من إيران وباكستان وأفغانستان، حيث تعبر شاحنات الحدود في طريقها إلى إيران محملة بمنتجات زراعية وصناعية ووقود الديزل، وحتى العملات المهرّبة.

وعلى رغم الحظر، لا تزال تجارة السلع نشطة بين إيران وأفغانستان وباكستان، ناهيك بعمليات تهريب العملات في ظل عطش التجار والشركات الإيرانية للدولار الأميركي، وقبول التجار الباكستانيين والأفغان بالريال الإيراني في معاملاتهم التجارية. وتشير التقديرات إلى أن ما يقرب من 5 ملايين دولار نقداً تعبر الحدود إلى إيران يومياً وفق معلومات البنك المركزي الأفغاني، إضافة إلى ما لا يقل عن 7 ملايين دولار يتم سحبها يومياً عبر الحدود البرية والمطارات. والعملة الإيرانية لا تزال موضع ترحيب لدى تجار أفغاستان وباكستان على الرغم من تراجع قيمتها، ولا سيما في القرى الحدودية المتاخمة لإيران.

التهريب والحصار

الدكتور علي عباس النقي، الخبير الاقتصادي ورجل الأعمال الكويتي، قال لـ "إندبندنت عربية" إن "الضغط الاقتصادي والحصار يؤديان عادة إلى قيام الناس بأعمال من هذا النوع، لكن لا معطيات أكيدة عن أعمال تهريب واسعة من إيران وإليها من أفغانستان وباكستان. ولو حصلت فإنها لن تكون قادرة على كسر الحصار". ورأى أن "طهران تعمل على الاستعانة بدول صديقة أو حليفة، وتلجأ وزراة خارجيتها إلى الاستفادة من علاقاتها الجيدة مع بعض الدول للتخفيف من الحصار، وللتوسط في نزاعها مع الولايات المتحدة". ويوافقه في هذا المجال عامر التميمي، المستشار والخبير الاقتصادي، بقوله إن "أعمال التهريب إلى إيران من باكستان وأفغانستان، قد تضعف الحصار لكنها لن تسقطه. فالصادرات الإيرانية النفطية لا بد من أن تمر عبر دول الخليج والبحار، ومن ثم إلى دول آسيا. أما أعمال التهريب فهي على الأرجح للمشتقات النفطية، وهي تشكل نسبة صغيرة من المنتجات النفطية الإيرانية الكبيرة".

وقود الديزل

ويمثل الانتقال غير القانوني للسلع الزراعية والبضائع الصناعية بين إيران وباكستان وأفغانستان، ظاهرة منتظمة عبر حدود البلدان الثلاثة. وتتباين التقديرات حول حجم هذه التجارة غير المشروعة من حيث الكميات والقيمة النقدية المقدرة، في وقت كان يشهد فيه التهريب على طول الحدود الإيرانية الباكستانية نشاطاً مربحاً لأعوام، ولا سيما تجارة الديزل. ويستفيد باكستانيون وإيرانيون، على حد سواء، من نقص المادة في أسواق باكستان، وتدني السعر في إيران، التي تمتلك محروقات هي الأكثر دعماً في العالم. ويبلغ سعر الضخة 0.08 دولار لليتر. ووفق أرقام إيرانية رسمية، أدى انخفاض أسعار الوقود إلى ارتفاع الاستهلاك. ويشتري الإيرانيون ما متوسطه 90 مليون ليتر يوميا. ودفع تفشي عمليات تهريب الديزل من إيران، التي تقدر بنحو  10 ملايين إلى 20 مليون ليتر في اليوم (أسعار الديزل في باكستان تفوق أسعارها في إيران  بنحو 40 مرة)، بالحكومة الإيرانية إلى إعادة فرض بطاقات الوقود التي تقيّد المشتريات في محاولة لمكافحة التهريب المتفشي.

الشعب والنظام

ويرى الخبير "النقي" أنها "المرة الأولى التي يصاب فيها الاقتصاد الإيراني بضرر بالغ على هذا النحو. ويوضح أن "إيران مرّت بعقوبات اقتصادية خلال العقود الماضية وكانت تتجاوزها عبر تحقيق الاكتفاء الذاتي، ومن خلال الاتجاه نحو صناعات ثقيلة، حتى أنها بلغت مرحلة تصنيع الأسلحة النووية"، ويضيف "لكن في الفترة الأخيرة اختلفت الصورة خصوصاً في ظل وجود الرئيس الأميركي دونالد ترمب، واتخاذ الحصار على إيران اتجاهين قَلَبا المعادلة رأساً على عقب، الأول برأيي أضرّ بإيران بشكل كبير للغاية، وهو ضرب عملتها، ما شكّل ضغطاً على الاقتصاد، وكان المتضرر منه بالدرجة الأولى الشعب الإيراني. وقد تولدت من ذلك حال هيجان شعبي ضد ولاية الفقيه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واستبعد د. النقي نشوب مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً ما يحصل اليوم ما هو إلا تصعيد اقتصادي بحت وهياج إعلامي. وتوقع أن يقوم الشعب الإيراني بعمل داخلي ما ضد النظام في حال تعرض الاقتصاد لمزيد من الضغط.

أما الأمر الآخر، بحسب د. النقي، فهو "منع استيراد النفط الإيراني وهو النهج الذي سلكته الحكومة الأميركية للضغط على إيران. وهناك دول عدة تفاعلت معه وقررت وقف استيراد النفط الإيراني"

وأوضح  د. النقي "أعتقد أن الحرب الاقتصادية اختلفت عما سبقها، فالحصار اليوم هو أعمق وأكثر تأثيراً ووجعا، وأتمنى أن يتأثر النظام، المتسبب الأول في ظلم الشعب الإيراني بتلك الأوجاع وليس الشعب".

جماعات متطرفة

الولايات المتحدة ضاعفت خلال الفترة الأخيرة رصد النشاط القائم بين إيران وكل من أفغانستان وباكستان، ولا سيما للجماعات الفاعلة على الأرض التي تستفيد من تجارة الحدود. وفي إطار الضغط على إسلام أباد، اتهمتها بإيواء جماعات إسلامية متشددة، فيما وجهت انتقادات إلى "كابل" بالتقصير في مواجهة جيوب تنظيم "القاعدة"، التي ما زالت نشطة في أجزاء من البلاد. وأكدت تصريحات لمسؤولين أميركيين أن طهران تسلح حركة "طالبان" وتدرّب عناصرها في أفغانستان، وتموّل جماعات وتنظيمات متشددة في باكستان.

مشروع تشابهار

عامل آخر يقع تحت مجهر الرصد الأميركي، هو تجارة المخدرات. فلا تزال أفغانستان ساحة لتجارة الأفيون غير المشروعة، التي يقدّر "صندوق النقد الدولي" قيمتها بنحو ملياري دولار سنويا. وقد يتم تسليط الضوء على "مشروع تشابهار" على الساحل الجنوبي لإيران، المتوقع أن يصبح ممراً للنقل من أفغانستان وإليها، ويفتح الطريق أمام ملايين الدولارات في مشاريع التجارة. هذا المشروع نجا حتى الآن من العقوبات الأميركية بعدما التزمت طهران المساعدة في إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية والإغاثة الإنسانية في أفغانستان. وتدعم الهند لدواعٍ سياسية واقتصادية هذا المشروع الذي قد يساعد في مواجهة الحصار الأميركي، لأنه سيمكن طهران من تصدير منتجاتها إلى أفغانستان، ومنها الهند، وعبر الأخيرة إلى أسواق العالم.

 ويستبعد الخبير عامر التميمي ذلك في المستقبل القريب، قائلاً إن "تجهيز ميناء تشابهار هو عملية طويلة ومعقدة"، وتوقع في المقابل أن لا تخاطر الهند بعلاقاتها الاقتصادية والسياسية مع الولايات المتحدة من أجل استيراد النفط ومشتقاته من إيران، ورجّح أن تعيد الولايات المتحدة النظر في هذا المشروع.

النفط في مقابل الغذاء

ويوضح أخيراً محمد رمضان، الخبير في الشأن الإيراني، أن "هناك تبادلاً تجارياً قائماً بين إيران وكل من باكستان وأفغانستان عنوانه (النفط في مقابل الغذاء والدواء)، وهو ما سمحت به الدول الغربية". أما فيما يتعلق بالتهريب، فرأى أن "تدخلات خارجية ستحصل بلا شك، في حال تفاقمت تلك الأعمال بين إيران وجيرانها"، واعتبر أن "التهريب مهما كان كبيرا، لن يتيح بيع كميات ضخمة من البترول كالتي تنتجها الدولة الإيرانية التي تُعد من كبار المنتجين".

المزيد من اقتصاد