Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شي يحور القانون الصيني لصالحه

كيف تحولت منفعة عامة إلى أداة لتعزيز النفوذ الشخصي؟

الرئيس التنفيذي لماكاو يؤدي القسم أمام شي جينبينغ (جيسون لي/رويترز)

لا يذيع الحزب الشيوعي الصيني فضائحه عادة. ولهذا، شكل إعلان وسائل الإعلام الرسمية الصينية الشهر الماضي عن ادعاءات صاعقة بحق أحد مسؤولي الشرطة الكبار المطرود من منصبه نذير شؤم: إذ قالت إن سون ليجون، نائب وزير الأمن العام السابق المُعتقل منذ أكثر من عام بتهمة انتهاك قواعد الانضباط في الحزب، شكل "تكتلاً سياسياً" يجب "تطهير" النظام السياسي الصيني منه، كما زعم محققو الحزب الشيوعي الصيني. ولمحت صياغة الاتهام إلى احتمال تورط المزيد من المسؤولين - ربما ممن يحتلون مناصب أرفع بعد داخل الحكومة - في المؤامرة المزعومة.

قبل أيام قليلة فقط من ظهور الادعاءات الموجهة ضد سون في الصحافة، أُلقي القبض على وزير العدل السابق، فو تشنغ هوا. ليس واضحاً إن كان فو وسون يشكلان جزءاً من "التكتل" نفسه، ولكن الموضوع لا يقتصر عليهما فقط. منذ فبراير (شباط) أقر الحزب الشيوعي الصيني بتأديب أكثر من 170 ألف مسؤول واحتجاز قرابة ثلاثة آلاف منهم في السر ضمن حملة هدفها "تصحيح مسار" سلك الشرطة والسلك القضائي في الصين. يبدو أن الأفراد الذين يخدمون النظام القضائي المسيس في الصين يتعرضون لسوء المعاملة نفسها التي مارسوها على غيرهم.

وحملة التصحيح هذه هي الأخيرة في سلسلة من حملات القمع الوطنية التي أطلقها الرئيس الصيني شي جينبينغ. في عام 2012، شن شي حملة لمكافحة الفساد وفي عام 2018 أطلق حملة أخرى لمحاربة الرذيلة ومنها الاتجار بالمخدرات والمقامرة وجرائم أخرى مرتبطة بالعصابات. وكان الهدف من الحملتين تطهير البيروقراطية الصينية الفاسدة إجمالاً وتعزيز مشروعية شي، والقضاء على منافسيه وقمع المعارضة. وزعمت السلطات الصينية أن الحملة الحالية تستهدف العناصر الفاسدة داخل أجهزة تطبيق القانون والقضاء، بمن فيهم المسؤولون الذين تقاضوا رشاوى من أجل الإفراج المشروط لأسباب طبية عن مجرمين لديهم شبكة علاقات قوية. ولكن في الواقع، تهدف هذه الحملة كذلك إلى تحويل القانون إلى أداة لبسط نفوذ شي الشخصي.

سيف ذو حدين

تعتمد حملة "التصحيح" [التطهير] التي يشنها شي بشكل رئيس على نظام احتجاز سري. عُرف هذا النظام لسنوات طويلة بمسمى شوانغي، الذي يعني الظهور "في المكان والزمان المحددين"، وقد أدارته اللجنة المركزية لفحص الانضباط في الحزب الشيوعي الصيني. وفقاً لتحقيق أجرته منظمة هيومان رايتس ووتش في عام 2016، وتضمن مقابلات مع الضحايا وعائلاتهم بالإضافة إلى سجلات المحكمة ووثائق رسمية أخرى، احتُجز الأفراد الذين مورس بحقهم نظام شوانغي في أماكن سرية طوال أشهر من دون القدرة على الاتصال بالمحامين أو أفراد العائلة. وتعرضوا لانتهاكات جسدية ونفسية منها الضرب والحبس الانفرادي والحرمان من النوم لفترات طويلة والتعرض لدرجات حرارة شديدة وقلة الطعام والشراب وتهديد أفراد عائلاتهم. تحظر الصين قانوناً استخدام الأدلة التي يُحصل عليها من خلال التعذيب مباشرة. ولكن في الواقع، نادراً ما يرفض القضاة هذه الأدلة غير القانونية، ولا سيما إذا تم الحصول عليها من خلال "شوانغي"، الاحتجاز السري. لم تجد "هيومان رايتس ووتش" أي حالة برأت فيها المحكمة المشتبه فيهم على أساس سوء سلوك المحققين في عملية من عمليات نظام "شوانغي".

في عام 2018، استبدلت الحكومة الصينية بـ"شوانغي" نظام "لو شي" الذي يمكن ترجمته إلى "الاحتجاز" وأسست "وكالة عملاقة" لمكافحة الفساد سمتها لجنة الرقابة الوطنية، من أجل الإشراف على هذا النظام. ويقوم نظام "لو شي" على إجراءات أكثر صرامة من سلفه، بما فيها الأجَل المحدد للاحتجاز، إنما خلافاً لـ"شوانغي"، يستهدف النظام الجديد مجموعة أوسع من الناس لا تقتصر على مسؤولي الحزب فحسب. فيمكن إخضاع أي شخص قد يُعتبر صاحب سلطة عامة لنظام "لو شي"، بما في ذلك معلمو المدارس الرسمية. بعبارات أخرى، حول الحزب الشيوعي الصيني من خلال تنظيم وإرساء أسس مؤسساتية لـ"شوانغي"، نظام احتجاز حزبي داخلي وُجد خارج نطاق القانون إلى نظام يعزز نفوذ الحزب على القانون ويرسخه.

يواجه العديد من المُعتقلين انتهاكات جسدية ونفسية خلال السنوات الثلاث الماضية، ظهرت تقارير تتحدث عن سوء المعاملة في ظل نظام "لو شي". في مايو (أيار) 2018، توفي سائق أحد مسؤولي الحزب الشيوعي الصيني أثناء تعرضه لنظام "لو شي" في مقاطعة فوجيان. ونقلت الصحيفة الصينية كايزن عن أحد أفراد عائلته الذي شاهد جثمانه وأجرى مقابلة معها قوله إن "وجهه كان مشوهاً وصدره مقعراً". وفي حالة أخرى، أدلى مسؤول آخر اسمه يانغ مينغ بشهادته في المحكمة وقال فيها إن المحققين الذين يطبقون "لو شي" وضعوه في "كرسي النمر" -المستخدم لشل حركة المشتبه فيهم أثناء التحقيق- 18 ساعة يومياً لمدة خمسة أشهر، ووضعوا زيتاً لاسعاً داخل عينيه، وسلطوا ضوءاً باهراً عليه على مدى الساعة. ويعاني يانغ الآن فقدان السمع وضعف النظر وإعاقات جسدية أخرى. لكن المحكمة التي استمعت إلى شهادته في قضيته في سبتمبر (أيلول) 2020 ترفض إلى الآن طلب إجراء فحص طبي له لتقييم إصاباته، أو السماح لمحاميه بالاطلاع الكامل على فيديو تسجيل التحقيق معه، أو استبعاد الأدلة التي حُصل عليها تحت التعذيب، وفقاً لمحاميه.

يواجه العديد من المُعتقلين انتهاكات جسدية ونفسية

 

خلال الحملة التصحيحية الحالية، استُخدم "لو شي" باعتباره سلاحاً ضد عناصر في جهاز تطبيق القانون والسلك القضائي نفسه. فقد أدار الحزب الشيوعي الصيني طعنات "سكينه الحاد" إلى الداخل، وفقاً للدعاية الرسمية، من أجل إزالة "السموم عن العظام". والهدف هو بث شعور الخوف، ومن طريقه الطاعة المطلقة للحزب والقبول بكل مطالبه. وأسفر ذلك عن مفارقة ساخرة إذ أدى إلى معاقبة مسؤولين مثل سون وفو، كانوا متورطين بحملات قمع سابقة طالت محامي حقوق الإنسان والمجتمع المدني وغيرهم ممن اعتُبروا أعداء للحزب الشيوعي الصيني. وكان أحد ضحاياهم محامي حقوق الإنسان وانغ كوانشانغ، الذي احتُجز وعُذب لثلاث سنوات قبل إدانته في عام 2019 بجريمة ملفقة هي "تقويض سلطة الدولة". وقبل ذلك بعام، سأل صحافي أجنبي فو الذي كان يشغل وقتها منصب وزير العدل، عن سبب اختفاء وانغ الطويل. وأجاب فو بأن "الصين بلد يحكمه القانون. ويجري التعامل مع حرية الفرد وحقوقه بموجب القانون". نظراً إلى أن معدل الإدانة في الصين يصل إلى 99.9 في المئة، يتساءل المرء إن كان فو سيقول الأمر عينه الآن.

القانون يحكم

قارن الحزب الشيوعي الصيني حملة التصحيح التي يشنها في الوقت الراهن بتلك التي قام بها ماو تسي تونغ منذ ما يزيد على 80 عاماً. وبحجة "إنقاذ" الضالين، ومنهم الجواسيس والتروتسكيون، قضى ماو على منافسيه خلال حملة وحشية من الترهيب والقمع استمرت من 1942 إلى 1945. واستخدمت حملة ينان التصحيحية التعذيب، الذي يشمل الضرب ومحاكاة الإعدام إلى حد كبير، ولا يزال عدد الضحايا الذين هلكوا في هذه الحملة غير معروف. لكن على الرغم من المعاناة الإنسانية الهائلة -أو ربما بسببها- لعبت الحملة دوراً حيوياً في ترسيخ طقوس تمجيد ماو وشخصنته.

وبالمقارنة معها، تبدو حملة التصحيح التي يشنها شي أقل دموية. لكن فيها خبث نابع جزئياً من غطاء الشرعية والقانون الذي سعى إلى إضفائه عليها: على عكس ماو الذي قرر مسار حملة ينان التصحيحية نفسه إجمالاً، مرر شي حملته عبر مؤسسات النظام القضائي الذي اعتقل وعاقب مسؤولين وفقاً للقوانين المزعومة ومعايير الأدلة. (حتى كرسي النمر المستخدم في جلسات "لو شي" اليوم يُصنع في خطوط الإنتاج التابعة لشركات تزعم أنها تحترم حقوق الإنسان).

لكن جوهر حملة شي تلاعب مخيف بمفهوم القانون نفسه. بعد وفاة ماو، أعادت الحكومة الصينية بناء نظامها القضائي بما يتوافق جزئياً مع الأفكار السياسية الليبرالية، تبعاً للمعلومات التي وثقتها الباحثة أيفا بيلز. وقد صاحبت الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي أرساها دينغ شياو بينج رؤية قانونية تتبع خط فريدريك هايك وجون رولز تعتبر القانون قيداً يكبح القوة العشوائية- وهو مشروع مغرٍ بالنسبة إلى الخارجين تواً من الأزمات النفسية التي خلقتها حقبة حكم ماو. لطالما شاب التوتر العلاقة بين هذه الرؤية من جهة واستبداد الحزب من جهة أخرى، ولكن الكفة مالت لصالحها بعض الوقت، ويعود ذلك جزئياً إلى مطالبة المحامين الصينيين الحكومة أن تفي بوعودها بسيادة القانون الليبرالي.

أصبح أهم الباحثين القانونيين في الصين اليوم معادين لليبرالية.

عكس شي مسار الأمور، وأصبح أهم الباحثين القانونيين في الصين الآن يعادون الليبرالية. حتى إن بعضهم تأثر بالفيلسوف النازي كارل شميدت الذي يقوم فكره على "استخدام القوة بشكل دفاعي واعتباطي" وفقاً لبيلز، ويعتبر أن القوانين "يبررها وجود أعداء للنظام السياسي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرسخ قمع شي جهاز تطبيق القانون والقضاء ابتعاد الصين عن المبادئ القانونية الليبرالية. في نوفمبر (تشرين الثاني)، نشرت وزارة الأمن العام النسخة الجديدة للقسم الذي يؤديه كل عناصر الشرطة الجدد. وفيما فُرض على المنتسبين في الماضي القسم "بالإخلاص الحازم للحزب"، بات عليهم الآن "تقديم الدعم الحازم للقيادة المطلقة للحزب" والتعهد بـ"الدفاع عن الأمن السياسي". ومن اللافت أن القسم الجديد يحذف الشرط السابق بـ"تعزيز الإنصاف والعدالة الاجتماعية". وقد شرحت الوزارة أن الهدف من وراء التغيير هو الحرص على أن تظل الشرطة "على توافق… عقائدي وسياسي وعملي" مع شي. بعبارات أخرى، ليس الهدف الأساسي من تطبيق القانون هو الحفاظ على سلامة الشعب الصيني أو أمنه بل الوفاء للقائد الصيني شخصياً.

فيما يُحكم شي قبضته على النظام السياسي الصيني، يقوم بشحذ أدوات الإكراه التي يستخدمها ويحرص على أن يكون الوحيد القادر على استخدامها. وتهدف حملة شي لتصحيح مسار جهاز تطبيق القانون والسلك القضائي، على غرار حملات مكافحة الفساد والرذيلة السابقة، إلى تعزيز سلطته وإقصاء منافسيه المُحتملين. ولكنها ترمي كذلك إلى جعل النظام القضائي الصيني بأكمله طوع أمره، والحرص على ضمان طاعة المجتمع وخنوعه، تماماً مثلما حدث مع سون وفو.

*مايا وانغ كبيرة الباحثين في الشأن الصيني في "هيومان رايتس ووتش"

مترجم من فورين أفيرز، نوفمبر (تشرين الثاني) 2021

المزيد من تحلیل